عبد الكريم خشفة
بعد خمسة عشر عاماً على الثورة السورية: بين كلفة التضحيات وأسئلة العدالة
بعد خمسة عشر عاماً على انطلاق الثورة السورية، يعود السؤال ليفرض نفسه بإلحاح: هل انتصر السوريون؟
في ربيع البدايات، خرجت أصوات بسيطة وعفوية تهتف للحرية والكرامة، بلا تعقيد ولا حسابات، حاملةً أملاً واسعاً بتغيير واقعٍ أثقل كاهل البلاد لعقود. واجه المتظاهرون الرصاص بصدورٍ عارية، وكان لكل قطرة دم تُسفك أثرٌ مضاعف في زيادة الإصرار، وترسيخ القناعة بأن الطريق، رغم قسوته، لا بد أن يُستكمل.
ومع تصاعد الأحداث، تحوّلت الثورة إلى مسار طويل ومؤلم، قدّم فيه السوريون أثماناً باهظة. لم تقتصر التضحيات على الخسائر البشرية فحسب، بل امتدت لتشمل العائلات بأكملها؛ آباءً وأمهات، إخوةً وأصدقاء، بل وحتى أجزاءً من أجساد من أصيبوا في سبيل ما اعتبروه طريقاً نحو الحرية. خمسة عشر عاماً من الحصار والجوع والقتل، شكّلت واحدة من أقسى الفترات التي عاشها المجتمع السوري في تاريخه الحديث.
في خضم هذا المسار، تعقّدت المشهدية، ودخلت أطراف متعددة بأجندات متباينة، ما ألقى بظلاله على طبيعة الثورة ومسارها. بعض الجهات قرأت ما يجري بوصفه فرصة أو “غنيمة”، لا قضية شعب يسعى إلى التغيير، وهو ما انعكس لاحقاً في سلوكيات ومواقف ما زالت موضع جدل وانتقاد.
ومع مرور الوقت، برزت مفارقة مؤلمة: الثوار الأوائل الذين ضحّوا بكل شيء، بات كثير منهم على هامش المشهد، فيما تحوّل الشهداء في الذاكرة العامة إلى أرقام، وغابت معاناة الجرحى عن دائرة الضوء. في المقابل، لا تزال عائلات الشهداء تواجه الإهمال، وتكافح الأمهات الثكالى في صمت، دون أن تجد في كثير من الأحيان من ينصت لمعاناتها أو يقدّر حجم فقدها.
ورغم مرور السنوات، لا تزال تداعيات الأزمة الإنسانية حاضرة بقوة؛ ملايين السوريين يعيشون في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، في خيام لا تقي برد الشتاء ولا حرّ الصيف. وبينما تستمر هذه المعاناة، تتصاعد أيضاً أصوات المزاودة والخطاب الذي يبتعد عن قيم الثورة الأولى، مدفوعاً في كثير من الأحيان بالسعي نحو النفوذ أو المكاسب.
في المحصلة، قد يرى البعض أن مجرد الصمود والاستمرار على مدار خمسة عشر عاماً هو شكل من أشكال الانتصار، لكن السؤال الأعمق يبقى: هل تحققت الأهداف التي خرج من أجلها السوريون، وعلى رأسها العدالة والحرية؟
حتى الآن، تبدو الإجابة أقرب إلى النفي، في ظل واقع معقّد لم يُنصف بعد تضحيات من دفعوا أثماناً باهظة.
ومع ذلك، يبقى الشعور بأن لحظةً ما قد انقضت، وأن مشهداً كان يوماً رمزاً للقوة قد تراجع، ما يفتح باب الأمل أمام مرحلة مختلفة. يعبّر كثيرون عن امتنانهم لرؤية نهاية حقبة طغيان، ويتطلعون إلى أن تحمل الأشهر القادمة انفراجات حقيقية في حياة السوريين، وأن تتضح ملامح العدالة، فيُوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ويُكرَّم من قدّموا التضحيات في سبيل ما يرونه ثورة عظيمة.
وفي خضم هذا الأمل، تبرز رسالة واضحة: إن ما وصل إليه أي موقع أو نفوذ اليوم، لم يكن ليكون لولا تلك التضحيات الكبيرة التي دفع ثمنها أناس كثر. وبين الذاكرة الثقيلة والطموح بالمستقبل، تبقى المسؤولية قائمة في أن يُصان هذا الثمن، وأن لا تُنسى جذور الحكاية.

Social Links: