لماذا فشلت المعارضة السياسية في تمثيل ثورة عظيمة غيرت وجه العالم ــ رياض الصوفي

لماذا فشلت المعارضة السياسية في تمثيل ثورة عظيمة غيرت وجه العالم ــ رياض الصوفي

 

عندما انطلقت ثورة الشعب السوري وانتشرت المظاهرات بين المدن كانتشار النار في قش يابس, لم تستأذن الجماهير المنتفضة أي مفكر سوري أو رجل سياسة أو رئيسا محتملا في المستقبل لمجلس وطني أو إئتلاف قوى معارضة.. انطلقت الثورة من بين أصابع أطفال في درعا وحملتها الأحلام مع الحناجر والصدور العارية إلى كل مكان في وجه أقذر آلة أمنية موجودة على وجه الأرض اختارت الاعتقال واغتصاب النساء والقتل بالرصاص الحي منذ الأيام الأولى..

تابعت الثورة حراكها السلمي على الأرض رغم تطور الحل الأمني لعصابة النظام إلى شن حرب شاملة على الشعب استعمل فيها الأسلحة الثقيلة والدبابات والطائرات وأسلحة محرمة دوليا كالكيماوي وأسلحة مطورة لتقتل بغباء وهمجية كالبراميل والخراطيم المتفجرة..

في المقابل اختار نجوم المعارضة المعروفين من مثقفي الخارج وبعض معتقلي النظام في الماضي أن يشكلوا الهيئات السياسية المختلفة في الخارج والابتعاد عن نبض الشارع الثائر في الداخل, في خطوة حكمت عليهم بالارتهان منذ اللحظة الأولى لرغبات وأوامر الدول التي احتضنتهم ومهدت لاحقا إلى التدخل في تشكيل هذه الهيئات بتعيين أو إبعاد أفراد حسب نتائج الصراعات الدولية التي أثرت في مسار الثورة على الأرض بحرفها من السلمية والعصيان المدني إلى التسليح المنفلت وتشكيل الفصائل المسلحة المتناحرة بديلا مدمرا عن خيار الجيش الوطني الحر..

شخصيا حضرت الكثير من الاجتماعات التمهيدية والحوارات المتفائلة التي سبقت تشكيل كل جسم معارض جديد, وتكررت نفس السيناريوهات والنتائج بدءا من مؤتمر أنطاليا وصولا إلى تشكيل الهيئة العليا للمفاوضات.. ضغوط دولية لتوسيع المعارضة, ضم هيئات وأحزاب جديدة لتحقيق شمولية التمثيل, ضمانات شفهية بدعم المعارضة دوليا والعمل على إسقاط النظام, أداء سياسي متخبط ثم أخيرا فشل كبير دون تقديم مبررات والانتقال إلى تشكيل معارض جديد..

بالعودة إلى أسباب فشل المعارضة السياسية في تمثيل ثورة عظيمة غيرت وجه العالم, قد يذكر كل منا عشرات الأسباب الصحيحة منها على سبيل المثال لاالحصر التنازع على السلطة, التنافس والتناحر السلبيين, الفساد في هيكلة المؤسسات وسطوة المحسوبيات, تغليب الحزبية على الوطنية, ارتهان القرار الوطني للدول الداعمة, فقدان دعم الحاضنة الشعبية في الداخل, اختراقات النظام لصفوف المعارضة, بروز المشروع الانفصالي للأحزاب الكردية, تعقيدات المشهد الدولي في صراع السيطرة على سورية, تخبط الموقف العربي من الثورة السورية ذلك الموقف الأوروبي والأمريكي.. كلها أسباب صحيحة أثرت على الأداء وقلصت أسباب النجاح ولكن يبقى السبب الرئيسي وراء الوصول إلى هذه النتائج مخفيا ولايتحدث به الكثير من رموز المعارضة الشرفاء والوطنيين الذين لم يتجاوزوا في ردود أفعالهم التعبير عن خيبة الأمل والانسحاب في بعض الأحيان دون مكاشفة ودون شرح للشعب الذي قدم تضحيات تفوق الوصف وارتكبت جرائم في حقه تفوق الخيال..

برأيي الشخصي أن السبب الخفي الذي مهد لهذا الفشل, بل كان الفشل هو النتيجة المنطقية له هو طريقة تشكيل كل هيئات المعارضة السياسية التي اعتمدت بشكل رئيسي على المحاصصات.. محاصصات حزبية وعرقية وقومية ودينية وطائفية وأيديولوجية بغض النظر عن المواقف الوطنية أدت إلى كل الخراب الذي نشهد نتائجه الكارثية اليوم.. محاولة ضم المسيحي فقط لأنه مسيحي والكردي بصفته القومية والدرزي ممثل أقلية وكذلك التركماني والشركسي والاسماعيلي وغيرهم والعلوي محسوب على طائفة النظام وبعض ممثلي الإخوان وهيئة التنسيق وتيار بناء الدولة بصفتهم الحزبية والكتل الديمقراطية وتيار مواطنة بالصفة الأيديولوجية.. هذه الخلطة العجيبة المبنية على محاصصات أعجب لن تنجح في إنتاج مشروع وطني بغض النظر عن الخلاط الذي تمزج فيه هذه العناصر (قطري, سعودي, تركي, أوروبي, أمريكي)..

فكرة إنتاج معارضة تمثل ثورة على الأرض ليست أحجية وليست معضلة فكرية.. بكل بساطة المطلوب جمع شخصيات وطنية فقط (بغض النظر عن خلفياتها الحزبية والفكرية والدينية) وتشكيل ” مجلس قيادة للثورة ” وليس أي تسمية أخرى, أعضاء هذا المجلس يختارهم الشعب الثائر وليس سفارات الدول ويتكلمون باسم الوطن والوطن فقط.. عندما تمثل ثورة فلايجوز أن تقبل بتسمية غير ثائر ولايملي أحد عليك مواقفك إلا الشعب الثائر وتضحياته..

  • Social Links:

Leave a Reply