منذ سنوات تأكد لكل مراقب محايد و مستقل الإرادة ان كفاح الشعب السوري من اجل التحرر والديمقراطية والعدالة قد انحرف عن مساره الطبيعي بفعل عوامل ذاتية وداخلية ودولية ، وكان الوطنيون الديمقراطيون السوريون اول من نبه لتاثير تلك العوامل السلبية ، وأنذر من مخاطر استمرارها اذا لم تستدرك الأمور بإعادة الانتفاضة الشعبية السورية الى هويتها، وجوهر أهدافها المجسدة لتطلعات الشعب السوري في وضع حد لحياة التهميش والاستلاب والاضطهاد ،
ومنذ سنوات وبعد ان راحت اوضاع سورية دولة ومجتمعا ومستقبلا تتسارع في طريق التردي والانهيار ، وشعبنا الصابر الذي قدم اجل التضحيات للخلاص من هذه المِحنة الوطنية يامل في وقف حالة التدهور ،وفي بداية جدية وقاعدة انطلاق مأمونة تكفل له مواصلة السير في الطريق القويم لتجاوز أزمته الكيانية المتفاقمة ،ومن غير شك فان هذه المسوءولية ، وكما يفترض ،إنما تقع على عاتق المعارضات السورية بالدرجة الاولى التي كان عليها ان تضطلع بها ولو بالحدود الدنيا من الخبرة والكفاءة والاقتدار ، وبخاصة منها تلك التي أعطت لنفسها مشروعية تمثيل شعبنا والنطق باسمه وتقرير مستقبله !!! .
فلقد كان المنتظر منها منذ سنوات ، وهي التي ما برحت تكرر ذلك بين الحين والآخر ، انها بصدد اجراء مراجعة جذرية شاملة لأوضاعها :اي لخطابها وروءاها وتحالفاتها وممارساتها التي أسهمت والى حد كبير ، سواء اكانت تدري أم لا تدري او سواء كانت تقصد أم لا تقصد ، في الوصول الى الماساة التي يعيشها وطننا الْيَوْمَ ، غير ان تلك المعارضات ، وكما تعترف بذلك غالبية أفرادها ،ماتزال تدور في نفس الحلقة المفرغة منذ سنوات ، وما تزال تتجاهل حقائق الواقع والتطورات المستجدة وعلى مختلف الاصعدة ، وما تزال في مراجعاتها الشكلية السطحية بعيدة عن تلمس جذور المشاكل الحقيقية والاعتراف بالاسباب التي أدت بها الى الوضع الراهن ودورها في كل ذلك .
وخلاصة القول في هذا المجال ان هذه المعارضات لم تستوعب ولَم تستفد من تجارب السنوات الست الماضية ، فلا هي تخلت عن خطابها الشعبوي الغرائزي ، ولاهي حررت ارادتها وقرارها من الارتهان المطلق لاجندات الدول الأجنبية ،ولا هي تخلت عن تحالفاتها المدانة والمستهجنة مع قوى الارهاب التكفيري وتيارات الاسلام الجهادي التي ارتضت ان تكون واجهات لها ، ولا هي قامت بأية خطوة عملية جادة حتى الان في سبيل استعادة الوحدة الوطنية لشعبنا التي لم تدخر جهدا في المشاركة في تشظيها وتمزيقها ، ولا هي حتى الساعة برهنت عن قناعة أكيدة في اتخاذ الموقف المطلوب للسير نحو الوصول الى هيئة انتقالية تمثل مرحليا إرادة الشعب السوري تنبثق عن موءتمر وطني عام يمثل السوريين بكل مكوناتهم السياسية والمجتمعية و القومية والثقافية والدينية ، مؤتمر ينعقد تحت إشراف الامم المتحدة وبهدف وضع خارطة الطريق للحل السياسي السلمي للمسالة السورية وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصِّلة ، الرامية لبناء البديل الذي يستجيب لتطلعات الشعب السوري من اجل سورية حرة وموحدة وديمقراطية .
قد يرى البعض في حديثنا هذا بعض التناقض ، وقد يرى اخرون ان هناك تقييما يجانب المنطق عند الكلام على مسوءولية ومبررات المعارضات السورية في الوصول الى اوضاعنا الحالية ، اذ كيف يمكن لنا ان نفسر طبيعةالدوافع والمرامي التي حكمت مواقف وممارسات أطراف هذه المعارضات المتعدد ة ؟ هل يرجع سبب ذلك الى ان بعض هذه المعارضات او افرادا منها قد ساروا عن عمد وقصد في هذه الاتجاهات المدمرة لحاضر ومستقبل وطنهم ، والمتعارضة مع كل القيم الخلقية والوطنية والإنسانية ، وانتهجوا هذا السلوك لان غايتهم الاساسية من وراء ذلك كانت مصالحهم الشخصية او الفئوية ، اواحقادهم وعصبياتهم المذهبية والإثنية العمياء والتي حافظت على غلوها بسبب استمرار فوات مجتمعاتنا المتخلفة ؟؟؟ ان هذا المشهد لا بد ان يكون واردا عند استعراض الصورة العامة لمعارضاتنا وخاصة منها تلك التي استقرت في الخارج والذي اصبح معروفا للقاصي والداني دون الغوص في تفاصيله او ضرب الأمثلة المتعددة على نماذجه وحالاته . لكن النظرة الموضوعية التي نحرص على الالتزام بها في تقييمنا لسلوك وحصاىل ممارسات المعارضات السورية وبخاصة الخارجية منها خلال السنوات الماضية ، والتي عبرنا عنها في اكثر من مناسبة ، إنما تقودنا الى الاعتراف ان معظم أطراف المعارضة الخارجية قد اسهمت وبفعالية في اجهاض مشروع ثورة شعبها التحررية نتيجة قصور وعيها وخلل روءيتها وطفولية خطابها وعبثية ممارساتها وعدم استنادها الى العامل الأساس في انتصار قضيتها ، اي العامل الذاتي وهو وحدة شعبها والثقة به وبقدراته الذاتية اولا ، وقبل الاعتماد على اي عون او دعم اخر، هذا هو العامل الاخطر من وجهة نظرنا فيما وصلت اليه اوضاع المعارضات السورية بعد ست سنوات دامية من انطلاقة انتفاضة شعبنا التحررية . وهذا الطريق الذي سارت فيه معظم أطراف المعارضة السورية حتى الان ، إنما يستلزم منها فعلا اجراء مراجعة شاملة وجذرية ، يمكن ان تمهد لانطلاقة جديدة وفي الاتجاه الصحيح .
وأول ما يمكن استنتاجه كحصيلة لهذه المراجعة كما نعتقد ان العقلانية والمنهج العلمي السليم كانا مغيبين او مفتقدين في مواقف وممارسات تلك المعارضات لانها لم تعمل على أساس وعي موافق ومطابق لمعطيات الواقع السوري ولا الإقليمي،ولا الدولي ، فراحت تخدع نفسها وشعبها بالتوهم بان الحل قادم حتما بعد بضعة شهور ، وان بناء سورية الدولة الديمقراطية العصرية سيتحقق خلال عام او عام ونصف على ابعد تقدير . والاخطر من ذلك انها عملت في نسج تحالفاتها الدولية والإقليمية ، وكذلك مع المجموعات المسلحة الإرهابية ،وحتى ان البعض لم يتورع عن التواصل مع الكيان الصهيوني ، من تطبيق مقولة : عدو عدوي صديقي .
وكي لا نستغرق في حديثنا على صعيد نظري ، او نكتفي بالتوقف عند حدود العموميات نجد من المناسب هنا ان نستحضر بعض الأمثلة الموءيدة لصحة ما ذهبنا ، فنتذكر كيف عملت معارضات الخارج وتحالفت مع المجموعات الإرهابية مثل جبهة النصرة وبقية فروع القاعدة والمجموعات الاخرى التي عملت معها في وفد مشترك في مفاوضات جنيف والآستانة بدعوى انها اي هذه المجموعات تلتقي معها في هدف مرحلي هو إسقاط النظام امابعد ذلك اي ما هو مستقبل ومصير سورية ، فكل يذهب في سبيله وكفى الله الموءمنين شر القتال !!!!
وما زلنا نتذكر جميعا ،بلا شك ، ذلك الموقف المخجل الذي اتخذه العديدون من أطراف تلك المعارضة الخارجية ، الذين كانوا الى الامس القريب يدعون انهم رموز العلمانية واليسار والديمقراطية ، من بيان فيينا الذي اصدرته مجموعة الدول السبعة عشر الداعمة والذي نص على وحدة سورية كدولة ديمقراطية وعلمانية ، حيث بادر هوءلاء الى معارضة هذا النص بشراسة مزاودين في موقفهم على اتجاهات الاسلام السياسي بأنهم لا يوافقون على هذا النص ويطالبون بان تكون سورية دولة مدنية فحسب ، وهكذا ففي الوقت الذي كشف هوءلاء عن مواقفهم الانتهازية ،فقد اتضح ان المنادين بالدولة المدنية و في تعارض مع علمانية الدولة وحيادها تجاه جميع الأديان والعقائد الروحية، إنما يتنكرون اساسا لابسط مقومات الدولة الديمقراطية ويخفون من وراء دعوتهم وتركيزهم على تسمية الدولة المدنية ، شكلا اخر للدولة لا علاقة له بالديمقراطية ، اي بدل ان نشجع الاتجاه الاسلامي الديمقراطي المنفتح على العصر ونتحالف معه، ذهبنا الى الاتجاهات الاسلامية الاصولية والسلفية المنغلقة وغير الديمقراطية ، وعملنا كواجهات لها كما كان الحال في المجلس الوطني وفي الاىتلاف وغيرهما.
اما تلك المجموعات والتشكيلات المعارضة التي كانت توءكد التزامها خلال العام الاول للانتفاضة بالمشروع الوطني الديمقراطي السوري الموحد الهادف الى بناء دولة المواطنة الحرة المتساوية دون اي تمييز اوتهميش او إقصاء بين مواطنيها او مكوناتها القومية والثقافية،فكيف نفسر انقلاب مواقفها لاحقا عندما اتضح انهاعملت على استغلال هذا المشروع الوطني من اجل مشاريعهاالقومية والإثنية والجهوية الخاصة والمستهدفة لوحدة سورية دولة وشعبا ومصيرا .
وهناك مثل اخر ذو دلالة معبرة عن مستوى الوعي الذي ما يزال يوجه عمل معارضاتنا والمتمثل في الندوات التي نظمتها بعض الهيئات واللجان التابعة لأطراف المعارضة، الممولة طبعا من جهات خارجية ، بمناسبة الذكرى الخمسين لهزيمة حرب حزيران ، والإنسان يفاجأ بل ويمتلكه شعور الخيبة والأسف والخسران عندمايجد ان هذه النخب الفكرية والسياسية تقيم أسباب هذه الهزيمة ونتائجها وتأثيراتها التي ربما تمتدالى واقعنا العربي الراهن ، بأنها تعود حصرا الى انهيار الجبهة السورية ،وان انهيار هذه الجبهة يعود الى البلاغ 66 ودوافعه ومن كانوا وراءه ، اي ان حرب حزيران التي شاركت فيها ثلاث جبهات عربية :مصرية وسورية واردنية ، وان الجبهة الاساسية فيها اي المصرية كانت قدانهارت كما هو معروف في الْيَوْمَ الاول من هذه الحرب وأعقب ذلك انهيار الجبهة الاردنية في الْيَوْمَ الثالث ليتبعها انهيار الجبهة السورية في الْيَوْمَ الخامس ، فهذه الحرب إذن كانت هزيمة شاملة للأقطار الثلاثة التي اشتركت فيها ، ولَم تكن هزيمة عسكرية صرفة بل كانت في الواقع هزيمة مجتمعية شاملة لها بل وللوضع العربي كله وللنظام الإقليمي العربي ومستوى استعداده تجاه القضية المركزية للأمة وهي القضية الفلسطينية ،هذا من جانب ،ومن جانب اخر فكيف نقنع أنفسنا بان مفاعيل انهيار الجبهة السورية في حرب حزيران كانت هي السبب في كل ما شهدناه من تراجعات متلاحقة على مدار الخمسين سنة الماضية : من نتايج حرب عام 1973 ،الى اتفاقات كامب ديفيد الى مالحق بالمقاومات الفلسطينية ،الى حروب الخليج الثلاثة التي انتهت بغزو العراق واحتلاله وتحطيم دولته … الى .. فهل ان استمرار حالة التدهور والانهيار في الوضع العربي ،على امتداد هذه الحقبة وحتى الان ،يرجع الى عامل واحد هو انهيار الجبهة السورية في حرب حزيران التي حدثت بسبب البلاغ الذي أعلن عن سقوط مدينة القنيطرة قبل ان تدخلها القوات الإسرائيلية ؟؟؟ انها بلا ريب روءية وعي قاصر ومعاق ما يزال يهيمن على أدمغتنا وما يزال يوجه تفكيرنا وسعينا في كل الميادين ،وعي لا عقلاني صادر عن ذهنية الموءامرة في تقييم الواقع والتعامل مع معطياته .
فكيف يمكن لنا ، اذا كانت هذه حتى الان هي مناهجنا الفكرية في تشخيص علل ومعضلات واقعنا ، وفي صياغة خطط وبرامج تحررنا ،وفي تمتين وصيانة وحدتنا الوطنية ، وفي حرصنا على تقدير واحترام الاخر لصورتنا ؟؟؟ الا تدعونا كل هذه الهزائم والإخفاقات والتراجعات المتواصلة ان ننطلق من الإيمان بحقيقة موضوعية أكدتها كل تجارب الشعوب المعاصرة التي سبقتنا في تحقيق أهدافها ، وهي اننا اذا كنّا عازمين على انتصار قضيتنا التحررية العادلة ، ينبغي علينا اولا ان نكون مؤهلين بوعينا وممارساتنا والتزامنا ، كي نكون جديرين بهذا الاستحقاق .

Social Links: