“الإسلام المتطرف هو عدو المرأة، هو عدو (المثلي جنسياً)، وهو عدو الأمريكي” هكذا نطق (ترامب)، ثم أضاف: ” لن أسمح بان يتعرض المثليون والمسيحيون واليهود للاضطهاد والتهديد في أمريكا، من قبل الإسلاميين المتطرفين الذين يبشرون بالحقد والعنف.” ولعل النقطة التي أراد ان يوضحها (ترامب) هي ان الذين يتبعون الإسلام المتطرف (مهما كانت تعنيه هذه التسمية) لا يرتاحون لمن لا يشاطرهم معتقداتهم مما يدفعهم لاستخدام العنف ضدهم. قد يمثل الإسلام المتطرف كل هذه المساوئ، غير ان سجل المسيحية ليس أفضل منه.
ان حرص (دونالد ترامب) على اليهود من أجل ان لا يكونوا “اهدافاً للاضطهاد والتهديد” هو شعور رائع، ولكن خلال الألفي عام التي مضت وحتى خروج اليهود من الدول الإسلامية عام 1948 بقي اليهود هدفاً للاضطهاد والتهديد على أيدي المسيحيين، اذ ان حياتهم في تلك الأقطار الإسلامية رغم انها كانت مثقلة بكل أنواع القيود وبعض حالات من العنف المتقطع، الا انها كانت أقل دموية مما حصل لهم في الغرب المسيحي المتمدن. هناك العديد من الأمثلة التي أستطيع ان أذكرها في هذا السياق، كالمسيحيين الذين أخذوا يقتلون اليهود بعد ان اتهموهم بأنهم سبب الطاعون او الموت الأسود في القرن الرابع عشر، حتى ان كلمة (غيتو) انتقلت الينا من الأماكن المغلقة التي أجبر اليهود على العيش فيها داخل (البندقية) في العصور الوسطى، وكذلك المذابح التي شجعت عليها الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية لقتل اليهود الكفار. ولكن اذا اعتبر البعض ان الأحداث التي ذكرتها ترجع الى ما مضى من الزمن، الى تاريخ قديم، فما بالكم اذا عدنا الى زمن لاحق، الى عام 1988 ، الى الذكرى الألفية لروسيا المسيحية، اذ انتشرت الشائعات حينها في موسكو ان مذبحة على وشك ان ترتكب ضد اليهود للاحتفال بقدوم المسيحية الى روسيا ، وان البوليس يوزع عناوين أماكن سكن اليهود الى عامة الناس (حينها قررت عائلتي المغادرة والرحيل).
يثير (دونالد ترامب) ومعه اليمين المسيحي الدهشة حين يتهم الإسلام بنشر المخاوف عن (المثليين جنسياً)، في حين ان الجماعة الوحيدة التي اتخذت مواقف معادية لمواجهة شريحة (المثليين جنسياً) هي جماعة (المسيحيين المحافظين) ونشاطهم الممتد لعقود طويلة من نشر الكراهية ضد هؤلاء. ومنذ مدة قريبة جداً ذكر راعي احدى الأبرشيات المسيحية، الذي يطيب له مرافقة (بوبي جندال- مايك هاكابي- تيد كروز)، وهؤلاء الثلاثة كانوا ضمن مرشحي الحزب الجمهوري لانتخابات 2016 مع (دونالد ترامب)، حيث ذكر ذلك الراعي أو القسيس انه وبحسب الكتاب المقدس يستحق المثليون عقوبة الإعدام، وبعد حادثة (اورلاندو) تحول هؤلاء وانتقلوا الى موقع الدفاع عن (المثليين) خوفاً من هجوم الإسلام الراديكالي. رغم ان ذلك لم يمنع أحد المبشرين المسيحيين من نشر فيديو لموعظة دينية له مدح فيها اطلاق النار في (اورلاندو) قائلاً :”الذي نتج عنه ان عدد المثليين نقص 50 فرداً”.
بالإضافة الى هذه التوجهات، يطيب أيضاً لمسيحيين أمريكيين الادلاء بتصريحات تكشف دوماً عن صلة جوهرية بين المسيحية واقتناء السلاح الفردي بما فيها الأسلحة الهجومية المستخدمة في الأعمال الحربية، فيقومون بشن الحملات للدفاع عن الحق الأمريكي الدستوري في اقتناء السلاح فيهجمون لشراء الأسلحة الفتاكة وكأنه ليس هناك من غد يلوح في الأفق. والواقع ان الشتائم والتجريح وحملات الافتراء التي يشنها المحافظون المسيحيون ليس ضد التطرف بل ضد الديانة نفسها يكاد لا يختلف في مدى عنفه وعدم تسامحه عما يتهمون به الإسلام.
قبل حوالي عام تقريباً من الآن حين أقدم ( ديلان روف) على قتل تسعة أشخاص من جماعة كانت تلتقي من أجل دراسة الكتاب المقدس في مدينة (شارلستون) ولاية (ساوث كارولاينا) ، ولكن قبل ان يستحوذ على (ديلان روف) الهيجان القاتل كتب بياناً يعلن فيه الولاء لقضية سيادة العرق الابيض العنصرية ، وأشارا في بيانه الى (مجلس المواطنين المحافظين) الذي يزعم بتمسكه ب”القيم والمعتقدات المسيحية” كمصدر أساسي للمعرفة والالهام. لقد انحدر (ديلان) من عائلة تثابر على الذهاب الى الكنيسة، وكان يلتحق بالمخيمات التي كانت تنظمها الكنيسة في فترة الصيف. فهل قام (ديلان) بقتل رفاقه المسيحيين لأنه كان مختلّاً، ام لأن المسيحية هي ديانة عنف؟ والاجابة هي بالنفي طبعاً لكلتا الحالتين، اذ لا تمثل كل من الحالتين وضعاً استثنائياً، كما انهما لا تخاطبان حالة متأصلة من العنف في المسيحية، فالمسيحية ليست أبدا ديانة شر. ولا توجد اية ديانة يمكن القول ان العنف او السلم كامنان فيها، ملازمان ومتأصلان لوجودها، فالعنف أو السلم يرتبطان مباشرة بما يريد ان يفعله أتباع كل ديانة، فاذا كانت الظروف والاوضاع تدفعهم الى العنف، فهم سيمارسون العنف تحت أي رداء او لباس ديني ليبرروا فيه سلوكهم وليتجنبوا تحمل أي مسؤولية تتعلق بذلك النشاط. كذلك الأمر بالنسبة للديانة اليهودية التي تقترن في أذهان الناس بسعة الاضطلاع او العزلة فهي كذلك تستطيع ان تصبح عنيفة. فعيد الأنوار أو (الهانوكا) هو العيد المفضل الذي يحتفل فيه العلمانيون اليهود تعبيرا عن اقتتالهم وانتصارهم العسكري، كذلك يجب ان لا ننسى (يشاي شليسيل) الذي طعن ستة من المثلين أثناء مسيرة لهم في القدس، وهي ثاني حادثة يرتكبها ضد هذه الجماعة. وسنضيف الى هذه القائمة (باروخ غولدشتين) أيضاً، فقد قتل 29 مسلماً وهم يقومون بأداء الصلاة. فهل نعتبر فعله ذلك استثناء، أم ان هذا العمل يحدد الخصائص المتأصلة والكامنة في الديانة اليهودية؟
حتى البوذية التي يقترن اسمها بالدعة والسلم يمكن ان تتحول الى دموية، وما عليكم في هذا الخصوص الا النظر نحو (سيرلانكا) حيث الأغلبية البوذية أشعلت حرباً أهلية ضد الهندوس. أو انظروا الى البوذيين في (ميانمار) كيف اضطهدوا (الروهينغا) المسلمين.
لا يوجد ديانة يتأصل فيها العنف، كما انه لا يوجد ديانة يتأصل فيها السلم. فالدين، أي كان، تتبعه التأويلات والتفسيرات وحينها سنجد كل ما هو جميل أو كل ما هو بشع، أو خليط من الاثنين معاً في حال نضجت نظرتنا الى الأمور.

Social Links: