ديناميكية البناء اللغوي، مستويات وأصوات السرد.
في خطين زمنيين مختلفين يمثلان مستويين سرديين تنطلق أحداث سيرة حياة محيي الدين بن عربي وسيرة سيرته كمخطوط بعد فراغه من تدوينه. وكلا المستويين جاء بضمير المتكلم.
الأول سيرة ابن عربي بصوت ابن عربي نفسه، ولذلك كان البناء اللغوي للسرد يمثل أسلوب ومفردات عصر ابن عربي كمؤلف ضمني، لا لغة عصر الكاتب محمد حسن علوان، وهذه نقطة مهمة تسجل لصالح الرواية فنياً رغم بعض وجهات النظر التي قرأتها يستهجن فيها مطلقوها هذه اللغة (الأثرية) وأنها لا تصلح لهذا العصر؛ وكأن المطلوب أن يكتب ابن عربي سيرته بلغة اليوم.!
المستوى الثاني هو سيرة السيرة، أو سيرة المخطوط عبر الزمن بأصوات أخرى متعددة، بعضها معلوم كسودكين وابنه طاهر وحفيده إسماعيل، وآخرين كثر منهم “عثمان أفندي” أمين مكتبة السلطان “أحمد أرطغرل”، و “عبدالقادر الجزائري” الذي وصله المخطوط دون تخطيط أو قصد مع كتاب “الفتوحات المكية” من ضريح “جلال الدين الرومي”. وبعض تلك الأصوات كان قد أكتُفي بذكر لقبه كأبي الفداء وأبي حاتم. وبعضها كان مجهول الهوية واللقب تماماً كالشاب الذي أوصل المخطوط إلى مدير المتحف الحربي في دمشق بعد أحداث حماة الشهيرة في العام 1982 ثم انتحر بعد ذلك. وأخيرا الدكتورة اللبنانية المقيمة في باريس عندما اشترته من الشاب السوري اللاجئ في بيروت عام 2012. وكانت كل تلك الأصوات المتعددة على مدى أحد عشر محطة مكانية تناولت السرد بلغة زمانها الممتد نحو ثمانمئة عام تقريباً وبمفردات وأسلوب كل زمن أولاً، وثانياً بقاموس السارد باختلاف وتباين خلفيته عن السارد السابق. فلغة سودكين تختلف حتماً عن لغة حفيده إسماعيل التي تختلف عن لغة عثمان أفندي، ولغة عثمان تختلف عن لغة الشاب الحموي الذي انتحر، وهي تختلف حتماً عن لغة الدكتورة التي وصلها المخطوط في آخر محطاته. ولولا تجنب الإطالة لأوردنا نماذج منها، فأرجو مراجعتها في محلها من الرواية. ما يهمني هنا هو أن أشير إلى قدرة الكاتب بالانتقال الديناميكي بين هذه العصور لغةً وأسلوباً.
سيرة التطهير.
تتناول الرواية سيرة ابن عربي، إنسانياً واجتماعياً في رحلة التطهير “طهر قلبك” بعد أن أقر لنفسه بأنه “قطب الشأن الإلهيّ، وغوث الآن الزمانيّ، مرآة الحق، في (يده) طلسم الله الأعظم، وقسطاس الفيض الأعم” (ص9). أو ربما هكذا أوحت له “فاطمة بنت المثنى” قبل ولادته، وأكدتها جذبتها الأولى بعد ولادته لتتوالى جذبات انتظر حدوثها منذ برزخ الأرحام وحتى اكتمال تطوافه على أركان الأرض ليثبت الله قلبه بأوتاده الأربعة. سيرة ابتدأها بكشف الكشف، “سيرة الولي الذي اختاره الله لما اختاره، وأمره بما أمره. كتبها تحت ضوء المصباح الذي لا يكذب، حتى إذا اختلف الناس في أمري وجدوا ما يحتجون به في شأني” (ص10). سيرة زاخرة بكل متناقضات الحياة. لهوها وجدّها. انقطاعات الذكر وتجلياته، واتصالات العشق وهيامه. مجالسة الملوك والوزراء والقضاة، والدراويش. مريد يتبعه فيخلع عليه خرقته، ووتد يجاهد النفس ويطهر القلب للحصول على بركة تثبيته. طالب علم يأخذ بيده إلى أول الطريقة في درسه وخلوته حتى اشتداد عوده، وشيخ يحرص على ملازمته والنهل من علمه. حرص على زهدٍ مبالغ فيه لدرجة التجويع والمبيت في قبر مفتوح، وانغماس في ملذات الحياة من مأكل ومشرب لدرجة السكر والرقص والمجون. وكأن هذا التطهير لن يتم إلا بإخضاع الجسد والروح والعقل لكل هذه التجارب الحادة في متضاداتها وتنافراتها الموضوعية. فهل كان حقاً يحتاج لكل هذا الخوض في غمار التجربة المادية وهو الذي تكشف له برزخ الحياة وبرزخ الموت “أعطاني الله برزخين: برزخ قبل ولادتي وآخر بعد مماتي. في الأول رأيت أمي وهي تلدني وفي الثاني رأيت ابني وهو يدفنني (…) رأيت فتيل دولة المرابطين يطفئه الموحدون في مرسية قبل ولادتي، ورأيت التتر يدكون بغداد دكاً دكاً بعد مماتي” (ص13).
“البدانة الروائية”.
رغم أن العوالم الروائية تفرض نفسها على الكاتب إلا إن أغلب ما نراه هو نوع من التنافس على كتابة “الرواية الضخمة” التي يطلق عليها الناقد “د. سعيد يقطين” مصطلح “البدانة الروائية”، فنجده يتساءل “هل حجم الرواية هو المحدد لقدرة الروائي على ابتداع العوالم التخييلية؟” ويضيف: “كثيرا ما أقرأ رواية ضخمة، فأجدني واقعياً أمام روايتين لا رواية واحدة”. وإذا كانت “موت صغير” هي واقعياً روايتين لا رواية واحدة.. رواية السيرة، ورواية سيرة السيرة؛ فهي هنا، ومن منظور فني بحت، بحكم أن هذه السيرة عمل تخييلي يستدعى شخصية تاريخية لتقوم بالسرد، فإن ذلك يستلزم وجوداً مادياً للسيرة كمخطوط يتحقق وجوده في انتقاله عبر الزمان والمكان إلى أن يصل لأيدينا.
البدانة في “موت صغير” لا تتكشف هنا، في الحكايتين أقصد، وإنما في الكثير من الأحداث الثانوية الزائدة عن حاجة الرواية كما في الثلاثمئة صفحة الأولى، وفي السفر التاسع، الأجزاء المتعلقة بكشف مصير الخليفة الموحدي “يعقوب بن يوسف” الذي اختفى فجأة ولم يُعرف مصيره فعدوه ميتاً وخلفه في الحكم ابنه محمداً. ففي فصول ذلك السفر، وبعد أن أبلغته “نظام ابنة زاهر الأصفهاني” بأنها وتده الثالث وعليه أن يسافر إلى “ملطية” لأن فيها وتده الرابع والأخير؛ أخذ السرد يتوالد خلال فصول السفْر، فيحلم ابن عربي بصوت رجل مسن يصلي، وتعانده بغلته فيتركها تقوده، لإيمانه بأن “الإشارات لا تحدث عبثاً والكشوفات لا تنزل سدىً” (ص452). فما هو الكشف المهم في مصير الخليفة وتحول السفر نحو البقاع؟! وماذا سيضر الرواية لو تُرك مصيره مفتوحاً على كل الاحتمالات التي ورد ذكرها في بداية السفر الخامس؟! بينما نجد، على النقيض من هذه البدانة، “نحافة” – إن صح التعبير – وعدم اهتمام بالحرث العميق في البعد الإنساني لمعاناة بدر في جزء الرحلة المفقود سرداً من البقاع وحتى ملطية بقدم أكلتها الغرغرينا. قفز على هذا الجزء من الرحلة واكتفى فقط بذكر الفترة الزمنية “فلم نكد نصل إلى ملطية بعد شهر وأسبوع إلا وقد استحالت قدمه اليمنى قطعة سوداء هجرها الدم وصار يجرها وراءه جراً” رغم إنه يعلم مسبقاً خطورة حالة بدر “قرصته قرب كعبه فلم يشعر بما فعلت، أوجست من ذلك خيفة وحدست ما وددت أنه لم يصدق”(ص468). ولو لم تكن هناك “بدانة” ظاهرة لما تجرأنا على هذه المقارنة.
المحرر الأدبي بين الحاجة وتطوير الأدوات الكتابية.
كحال معظم الروايات العربية، لا تخلو رواية “موت صغير” من بعض السقطات الفنية، سواء ما يتعلق بالبناء اللغوي أو بناء مشهد ما تأسيساً وتأثيثاً. سأعرض هنا مثالين، الأول من سيرة ابن عربي، والثاني من سيرة مخطوطه.
المثال الأول بصوت ابن عربي كمؤلف ضمني وكسارد في نفس الوقت “جلستُ في باحة الدار وأنا مشغول الذهن أتأمل الحديقة ولا أستطيع أن أركز ذهني في شيء (…) صمتت مريم قليلاً وتشاغلت أنا بتأمل سقف الحجرة” (ص257). نلاحظ هنا أنه أسس مشهداً هو باحة دار أثثها بعناصر ذكر منها حديقة، ولكن سلوك الشخصية لا يتناسب وطبيعة المكان لأنه ببساطة نسي أنه جالس في باحة الدار، وراح يتشاغل بتأمل سقف الحجرة.!!
في المثال الثاني، يقول السارد (أبو حاتم) “أنهيت صلاتي واستندت على الجدار حتى أكمل تسبيحي، ولطفيّة تطوف على نوافذ البيت لتتأكد من إغلاقها وكأن القنابل تتسلل من النوافذ ولا تسقط فوق الأسقف” (ص488). يجد المتلقي هنا نفسه أمام صورة ذهنية تختلف تماماً عن الصورة المراد إيصالها له. وانطلاقاً من أن لكل مفردة معنىً دلالياً خاصاً بها، إذ لا يوجد ما يُعرف المرادفات اللغوية، لأنه لا مبرر أصلاً لوجود أكثر من مفردة لذات المعنى، وهذا عبث يخرج اللغة عن وظيفتها. فالسقف هو الجزء السفلي من أي غطاء يحدد فراغاً، أي انه الجانب الداخلي العلوي لا الجانب الخارجي. الجانب الخارجي الذي لا يحدد فراغاً هو “السطح” أو ظهر البيت. وهنا نتساءل، في كلا المثالين، وما شابههما، هل يحتاج الروائي العربي إلى محرر أدبي أم إنه أكثر حاجة لتطوير أدواته الكتابية.؟!

Social Links: