نجحت الحملة العسكرية الروسية في إنقاذ بشار الأسد من مصير الاطاحة به، غير ان الكرملين اكتشف لاحقاً انه بدأ يفقد نفوذه على تابعه الأسد الذي يقوم بحمايته، لأن التابع بدأ يستعيد ثقته بنفسه وأنه قادر على البقاء دون حماية.
ولكي تستعيد روسيا فعاليتها وتأثيرها فقد رفضت ان تقدم له الدعم الجوي اللازم لكي يتمكن من شنّ هجوم على آخر معقل للثوار في (ادلب)، وذلك بحسب المشرعين الروس ومستشاري (الكرملين).
وهذا الموقف الروسي الذي يرمي الى تقوية الجهود لتأسيس مناطق خفض التوتر من أجل التوصل الى وقف إطلاق النار أخذ يحدث صدعاً في العلاقات مع الأسد، حسب بعض المسؤولين، فقد تفشل جهود روسيا تلك، في الوقت الذي يزايد التوتر مع الولايات المتحدة والتي كانت لحد الآن تساند الخطوات السلمية لروسيا باعتبارها توجها دولياً يركز على هزيمة الدولة الاسلامية في سوريا.
بعد عامين تقريباً من قيام بوتين بإنقاذ الأسد من الهزيمة وقلب ميزان الصراع لصالحه عن طريق توفير الحملات الجوية ضد قوات فصائل الثوار، يواجه بوتين اليوم مأزق ارغام الأسد على قبول شراكة رمزية لاتفاق تقاسم السلطة يتيح وضع حد للصراع الجاري منذ أكثر من 6 سنوات ويشرعن الوجود العسكري الروسي. ومع تزايد قوة الأسد في فرض سلطته يزداد ايضاً تردده في تقديم اية تنازلات لجماعات المعارضة اثناء محادثات السلام المرتقبة بإشراف الأمم المتحدة في جنيف الشهر القادم.
لقد أصبحت علاقات روسيا مع الأسد أكثر توتراً في الظرف الحالي لأنه بات ينظر اليه بكونه عرقل، وعن قصد، المحادثات المتوقفة في جنيف، كما يقول (اندريه كورتونوف)، رئيس المجلس الروسي للقضايا الدولية، وهي جماعة بحث أسسها الكرملين ومقرها (موسكو)، ويتابع (اندريه) قائلاً:” ان روسيا ليست مستعدة للسماح للأسد بشنّ حرب حتى النصر.”
ان قوات الأسد تتقدم نحو المدينة الاستراتيجية (دير الزور) في المنطقة الشرقية والمحاصرة من قبل الدولة الاسلامية منذ 2015 والسيطرة عليها يؤمن التحكم في الحدود مع العراق بالإضافة الى كونها غنية بمصادر الطاقة والثروة الزراعية، وإذا نجحت قوات الأسد في الهجوم على المدينة بحيث تستطيع بعد ذلك ان توجه تركيزها على (ادلب) في الشمال الغربي من البلاد. رغم ان مثل ذلك الهجوم لا يمكن تحقيقه دون مساندة القوة الجوية الروسية. ويقول (فراس ابي علي) الباحث المتقدم في مركز المعلومات في بريطانيا:” يريد الروس الظهور بأنهم المسؤولين عن موكلهم (الأسد) والذي كما يبدو لن يسمح بهذا الامر دون توجيه ضربة له…لن يسمح بهذا الأمر ما دام يحقق مكاسب على الأرض.”
حالياً تركز القوات السورية على محاربة الدولة الاسلامية وكما يقول (رامي عبد الرحمن) مؤسس ومدير (المرصد السوري لحقوق الانسان) ومقره في (بريطانيا) :” ليس بإمكان قوات النظام السيطرة على (ادلب) لأن ليس لديهم المقدرة على فعل شيء ما، في نفس الوقت الذي تتركز فيه الأنظار على الدولة الاسلامية”
ادلب
يعزز الجناح السابق ل (القاعدة) قوته في (ادلب) بينما تقوم القوات التي تدعمها الولايات المتحدة، وقوات النظام السوري بمهاجمة الدولة الاسلامية على عدد من الجبهات مما سيتيح للأسد ان يقدم مبرراً لاحتلال ادلب لطرد الإرهابيين منها. يقول (ابي علي) من مركز المعلومات البريطاني:”استراتيجية الروس الآن هي ان لا يسمحوا للأسد باستعادة ادلب الآن” بينما “استراتيجية الأسد هي الانتظار فيما يتعلق بادلب حتى يتم للجهاديين السيطرة عليها كلياً”
ان ادلب هي آخر مدينة تتميز بتواجد كبير للثوار منذ نجاح الحملة الروسية والإيرانية لمساعدة المليشيات في استعادة السيطرة على حلب ذات الأهمية التجارية والاقتصادية في اواخر العام الماضي.
تقول (ايلينا سابونينا) الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط من (المعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية) والمستشارة لدى الكرملين: لن تحقق قوات النظام في حال قيامها بهجوم رئيسي أي نجاح دون الدعم الجوي من قبل الطيران الروسي، وتتابع “ان القيادة السورية أخطأت الحساب فيما إذا كانت روسيا ستقدم المساعدة في عملية استرجاع (ادلب)”.
في 24 تموز أعلن الرئيس (ترامب) انهاء البرنامج الذي كانت تقوم به ال CIA لكونه يؤدي التبذير الهائل من قبل الثوار، الذين يقاتلون ضد نظام الأسد، بفواتير شحنات السلاح. ولقد توصل كل من (ترامب) و (بوتين) الى اتفاق اثناء لقائهما في قمة مجموعة العشرين في تموز الماضي لوقف إطلاق النار على طول الحدود مع الأردن في جنوب غرب سوريا.
وسياسة (ترامب) الداعية الى التعاون مع روسيا تواجهها معارضة قوية من قبل النواب الأمريكيين من كلا الحزبين والذين وافقوا على مشروع قانون في الأسبوع الماضي يشدد على العقوبات ضد روسيا كما انه يعطي الكونغرس الصلاحية لمنع ترامب من رفع العقوبات، وان كان ترامب قد أشار الى انه سيوقع على القانون الجديد وبذلك يتجنب المواجهة مع الكونغرس المصمم على تجاوز وإلغاء أي فيتو على القانون قد يصدر عن ترامب. وطالبت روسيا بتخفيض عدد العاملين في السفارة الأمريكية في روسيا ب 755 موظف، أي حوالي الثلثين من العاملين في سلكها الدبلوماسي.
وقام (بوتين) بإبداء المديح حول الاتفاق مع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار في سوريا وصرح في مقابلة مع التلفزيون الحكومي الروسي بان الغريمين:” ما زالا يعملان حتى الآن وفي هذه الأوضاع الصعبة على الوصول الى نتائج”.
كما ان وزير الخارجية الأمريكي (ركس ثيليرسون) أكد على ان إدارة ترامب تسعى لتعزيز جهود وقف إطلاق النار ” لخلق الشروط المناسبة لبدء العملية السياسية في جنيف”.
وذكر ثلاثة من الدبلوماسيين الغربيين في موسكو، الذين أصروا على عدم الإعلان عن أسمائهم، ان روسيا مصممة على إيقاف التصعيد في العمليات القتالية الذي قد يهدد تأسيس مناطق خفض التوتر، رغم ان أحد المسؤولين الأمريكيين عبر عن شكوكه بقدرة بوتين على كبح جماح الأسد، وان كان (فرانتز كلينتسيفيتش) نائب رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الروسي قد صرح ان روسيا تشدد على الأسد ان لا يقوم “باتخاذ خطوات مستعجلة”.

Social Links: