بنية العولمة؟ ــ فالح عبد الجبار

بنية العولمة؟ ــ فالح عبد الجبار

 

القسم _ 7 _

ه: العلاقات الدولية 

الخاصية الخامسة التي يمكن تلمسها تتعلق بتغير بنية العلاقات بين الدول في إطار النظام العالمي.

لقد كان النظام العالمي الكلاسيكي مسندا، دوما، بدولة

محورية أو مجموعة دول محورية تتفاوت ادوارها تبعا لتباين الطاقات الاقتصادية والعسكرية المتغيرة.

كان القرن التاسع عثر، قرن هيمنة بريطانيا، والقرن العشرون (جله على وجه التقريب) قرن هيمنة الولايات المتحدة. لكن توزيع القوى الاقتصادية/ التكنولوجية والعسكرية، في اضطرابه وتذبذبه المتواصل، أدى إلى نشوء قطبية ثنائية (الحرب الباردة) ثم تفككك هذه القطبية، وزوال العوالم الثلاثة، دون أن يتفتح بعد على صيغة جديدة مستقرة، رغم الانفراد الاميركي الراهن الذي يبدو، حسب تقديرات كثيرة، انتقاليا. هناك قراءات مستقبلية ترى امكانية صعود أوروبا مجدد، أو نشوء عالم متعدد الاقطاب لا أحاديه، خصوصا في حال نمو الصين وتعافي روسيا مجددا، وتقدم المانيا واليابان إلى مواقع جديدة. إن العولمة قد قوضت النظام السياسي العسكري السابق، وتدفع باتجاه آخر، رغم ان معالم الوضع الجديد لم تتبلور بعد.

و: النظام الثقافي العالمي

الخاصية السادسة في ظل انطلاقة |العولمة هي احتدام التوتر الثقافي على نطاق كوني. فثورة: الاتصالات والمعلومات تفتح صندوق (بأندورا)، كما يقال، الضاج بكل انواع الثقافات٠

تتباين الثقافة من حيث اطرها التنظيمية الى ثلاثة مستويات:

قومي، ما دون قومي، وما فوق قومي.

ويبدو ان نظم الاتصال والوعي المكثف بتنوع العالم، وحق مختلف المكونات الثقافية لأي إطار، في التعبير عن الذات، دفع كل الجماعات المحتشدة في الاطر السياسية للدولة القومية الى الاندفاع الى المسرح.

معروف أن الثقافات القومية نمت على اشلاء انحلال الثقافات الصغيرة المميزة للمجتمعات الزراعية قبل القومية. واتخذ هذا الانحلال، فى حالات شتى، شكل فرض ثقافة عليا قسرية، تبسط نظاما معرفيا يعتمد لغة موحدة، ونظام انتاج وتوزيع الثقافة.

ومثلما أن الثقافة القومية حطمت عزلة الجماعات الصغيرة المغلقة، ودمجتها، فان العولمة تحطم بدورها عزلة الدولة القومية في اتجاهين: اتجاه الانفتاح رموز ثقافة كونية، واتجاه تشظي

الوحدة الصوانية للثقافة القومية.

وإذا تذكرنا أن هناك ما ينوف على ثمانية آلاف مجموعة لغوية/ ثقافية في العالم، فلنا أن نتخيل مدى طايع هذا التشظي.

يذكي هذا الوضع نزعات قومية ثقافية، مثلما اذكى الغزو الكولونيالي السافر نزعة قومية سياسية (=الاستقلال) والغزو الاقتصادي نزعة قومية اقتصادية (حمائية، تأميم).

إن التضاد الثقافي القومي ليس بالظاهرة الجديدة طبعآ؛ فهومن نتاجات القرن التاسع عثر ونجده محتدما تقريبا في سائر الدوائر القومية  دول) على شكل صراع بين تياري الاصالة والحداثة، في صورة اصالة سلافية روسية، او اصالة يابانية، أو اصالة عربية، بإزاء التغريب الأوروبي.

الجديد في احتدام النزعة الثقافية القومية انها تجري في إطار جديد لم يعد بالوسع التقوقع أو الانسحاب فيه امام نظم الاتصال الالكترونية التي تلج كل زوايا المعمورة.

يتميز بعض هذه النزعات باحتجاج دفاعي (الأصولية الاسلامية والمسيحية هي إحدى صوره) يفتقر إلى أي وضوح او رؤية مستقبلية، ويمثل، بالتالي صرخة الخاسرين.

هل يمكن ان تتشكل ثقافة شاملة، كونية؟ وهل تستطع الثقافات الإقليمية (الأوروبية، الأميركية اللاتينية، الآسيوية، العربية) ان تخدم بمثابة وسيط انتقالي نحو توليد حقل ثقافي مشترك، أعمّ، كما يعتقد (انطوني سميث)، منظّر القومية المعروف؟

أخيرا، حاولنا، في هذا المبحث تسوير مفهوم العولمة اعتمادا على معيار اساسي هو علاقة الظاهرة بالدولة القومية، حجر الاساس في معمار العالم (حتى الأن)، مثلما سعينا إلى عرض تجليات ومظاهر العولمة من ناحية علاقة ذلك بهذا الحجر الاساس، مستقيين الأمثلة من تجربة اوروبا الغربية (وهي محدودة دون أدني ريب).

في خاتمة هذا البحث لا بد من القول ان العولمة globalization هي عمليات موضوعية في طور محدد تكنو – الكتروني من تطور الحضارة الصناعية الرأسمالية، وهي حافلة بالتناقضات والصراع، شأن اية عمليات تاريخية. غير أننا لا نلج في هذا الحقل عمليات موضوعية، جامدة، مكررة، على غرار عمليات الطبيعة التي لا فكاك منها. فنحن بإزاء موضوعية ناجمة عن الفعل البشري المنفتح على امكانات وخيارات٠ فالتاريخ، حسب قول ماركس، من صغ البشر، وإن كانوا يصنعونه في شروط معطاة، منقولة من الماضي.

إن الوضع الفكري الراهن في العالم يلقي دثارا سميكا يعيق التأمل في مسارب هذا التاريخ الجاري امام الابصار. فالماركسية بصيغتها السوفيتية على الأقل تهاوت وانزوت. ومذاهب ما بعد الحداثة، بإطلاقها مبدأ النسبية واللاادرية، ترسخ حالة اللايقين. حتى الليبرالية المنتشية بظفر نهاية التاريخ تتهاوى تحت وقع تشاؤمية “صراع الحضارات”.. وإلى ان يزول غبش اللايقين هذا، يصعب تبلور خيارات عقلانية، تتجاوز هتافات الاحتجاج أو صيحات الاعجاب، المنادية بسقوط العولمة او حياتها.

 

لندن

ابريل (نيسان) 1998

  • Social Links:

Leave a Reply