أشرنا في المقدمة إلى ان نشوء النزعة القومية عالميا كان لاحقا لنشوء الدول القومية في الموجة الأولى، ولكنه كان سابقاً لنشوئها في دول الموجتين الثانية والثالثة. في الحالين جاء تشكل الدولة القومية مترافقا، كنتيجة ولاحقا كسبب، للانتقال من التنظيم الزراعي إلى التنظيم الصناعي للمجتمع، اي عصر تطور الرأسمالية.
ويبدو لي ان المنطقة العربية تميزت، شأن مناطق أخرى بأمرين:
(1) إن النزعة القومية كانت وما تزال سابقة لنشوء الدولة – الأمة العربية الشاملة.
يلاحظ (هيرست) في فصل مستقل مكرس للدولة القومية ان تعدد السلطات الذي ميز العهد ما قبل الصناعي هو الواقع الذي عملت الدولة الحديثة على اختزاله “Hirst and Thompson, Globalization in Question”.
(2) ان هذه النزعة سابقة أيضا لعملية الانتقال من التنظيم الزراعي الى التنظيم الصناعي للمجتمع.
بتعبير آخر، ان النزعة القومية هنا لا تعبّر عن تحول اجتماعي فعلي، عن تطور الرأسمالية، او المجتمع الحديث، الخ، بل تشكل نوعا من الاستجابة لمؤثرات العالم المحيط.
لقد كانت الامبراطورية العثمانية دولة تقليدية، متعددة القوميات، متعددة الإثنيات، متعددة الأديان، تمتد على عموم العالم العربي (عدا المغرب) وعلى أجزاء غير قليلة من شرقي ووسط اوروبا.
ولو استثنينا الأناضول، لوجدنا أن سائر المقاطعات العربية كانت خاضعة لحكم أسر وسلالات غريبة تنحدر من النخب العسكرية، وتتمتع بقدر كبير من الاستقلالية التي انتهت في بعض الحالات إلى استقلال فعلي (مصر محمد علي، بايات ودايات الجزائر وتونس). هناك مناطق ورقاع اخرى خضعت لحكم المشايخ (رؤساء قبائل) أو عوائل الاشراف (المتحدرين من قريش). وكان ثمة اساءات قليلة في تلك الأماكن التي يحكمها ولاة معينون من الباب العالي مباشرة.
لن يجد الدارس لهذا الكيان السياسي اي مفهوم للمواطن الفرد، او قانون محدد (دستور) او إطار إقليمي محدد للدولة، او هيئات سياسية خاضعة للاختيار والمحاسبة، إلخ، او أيا من المظاهر الحديثة المتعارف عليها، بل سيجد أفرادا جماعيين (قبائل، عشائر، طوائف دينية، طوائف حرفية) وسيجد لكل جماعة أعيانا وأشرافا يمثلونها، بدرجة ما من التمثيل المباشر. إنه عالم نظام الملل.
لقد كانت الامبراطورية العثمانية تترنح تحت وقع تحديات الغرب المتفوق عسكرياً حضاريا)، والعجز عن ضبط النزوع القومي المتصاعد في الأجزاء الأوروبية، ونزعات اللامركزية في بعض مناطق العالم العربي (مصر، تونس، الجزائر، الجزيرة العربية، السودان)، التي انطوت على بذور وعي ذات اثني، وهو سابق لوعي الذات القومي، بالمعنى التاريخي للمفهوم.
إن الحل التاريخي في مركز الامبراطورية العثمانية لم يكن ليختلف، من حيث الجوهر، عن الحلول المتبناة في رقع أخرى: مصر محمد علي، ويابان القرن التاسع عشر: تدخل كثيف للدولة لإعادة تنظيم الوحدة السياسية، بإعادة تنظيم الجيش الدائم، وبناء المرافق الإنتاجية، وخلق جهاز تعليم حديث، مشفوعا بنظام مواصلات معاصر، تعديل نظام الملكية، بناء مؤسسات دولة حديثة (دستور، برلمان، جهاز تنفيذي معاصر، إلخ).
هذا الانتقال لم يتم على يد “طبقة وسطى”. أو “طبقة رأسمالية ديناميكية”، بل على يد الدولة.
إن محض الانتقال من الشكل الأسري للحكم إلى الشكل الدستوري، يعني نقض أشكال تقليدية من الولاء، والانتماء والاندماج، ويعني أيضا استبدالها بأشكال جديدة. إن إرساء الدولة على اساس دستوري يستتبع نقل مصدر السلطات والتشريع ومرجع الولاء والانتماء، من الأسرة الحاكمة إلى الشعب، ومن الشريعة والحكم بالفرمانات العليا، إلى مصادر جديده للتقنين والتشريع. إن نقل السيادة، وصلاحية التشريع، وحق الحكم إلى الشعب او الأمة يفتح الباب على مصراعيه للنزعة القومية في الحال. وهذا ما أدركته جمعية العثمانيين الشباب (تأسست عام 1865) والتي بدأت جمعية ليبرالية – دستورية لتنتهي إلى حركة قومية تركية. وهذا ما أفصحت عنه بوضوح جمعية تركيا الفتاة التي خلفتها. وقد اندمجت النزعة القومية التركية باتجاه دستوري- ليبرالي، وتراكبت مع مفاهيم إسلامية لمصلحين صاغوا تصوراتهم تحت تأثير موروثهم الثقافي الإسلامي والموروث الثقافي الأوروبي.
هذه الحركة، كما هو معروف، طورت اتجاهين: لا مركزي، يستهدف إعطاء المجموعات الإثنية غير التركية حقوق استقلال ذاتي (بما في ذلك العرب)، ومركزي متشدد (الاتحاد والترقي).
ولنلاحظ ان الطباعة، والتلغراف، وسكك الحديد، اي مجمل نظام الاتصالات الحديث عهد ذاك، قدم شبكة من القنوات المادية للتنظيم والتعبئة، وكسر عزلة نظام الملل. فيما قدم نظام التعليم الحديث، ونظام المدارس العسكرية، والجيش النظامي، المادة البشرية للتغيير: الطلاب والضباط.
ان تطورات مماثلة جرت في مصر وإيران، رغم تباين الأوضاع السياسية بعض الشيء. وعلى اية حال، فإن التوافق الزمني للثورة في ايران عام 1906 والثورة الدستورية على السلطان عبد الحميد في تركيا عام 1908 مثير للانتباه حقا.
لقد تركت هاتان الثورتان، عهد ذاك، آثارا عميقة على الفكر السياسي السني والشيعي، وسط المثقفين الحديثين ورجال الدين التقليديين على حد سواء.
وكانتا نتاج تحولات عميقة ترفد اتجاه السير نحو بناء الدولة القومية الحديثة. وكانت المشكلة التركية تتركز في ان المشروع كان يجري في إطار دولة متعددة القوميات ويف إزاء تحديات أوروبية ضارية.
إن مصائر اشكال النزوع القومي العربي في المشرق تربط الى حد كبير بالحركة القومية التركية.

Social Links: