الوضع الراهن لتمثيل الثورة السورية ، والحل المطلوب – وسيم أبازيد

الوضع الراهن لتمثيل الثورة السورية ، والحل المطلوب – وسيم أبازيد

الوضع الراهن لتمثيل الثورة السورية ، والحل المطلوب

وسيم أبازيد

الوضع الراهن لتمثيل الثورة السورية ، والحل المطلوب

مقدمة :

انطلقت الثورة السورية العظمى ، بانتفاضة شعبية عفوية في منتصف آذار 2011 من أجل إسقاط النظام ، الذي استولى منذ عام 1970 على الحكم ، وعلى جميع مفاصل الدولة بمؤسّساتها ومواردها ، وعلى كامل المجتمع السوري بحراكه السياسي والمدني ، وأعاد تركيب الجيش وقوى الأمن على أساس عقائدي يضمن حماية مصالحه وبقاء سلطته ، وليس لحماية الشعب والوطن ، ولوى عنق الدستور السوري ليكون قاعدة قانونية تُـشرعن سرقته للسلطة وللشعب .

أيضاً هذه الثورة ، قامت بِمَعزل عن الأحزاب السياسية السورية التقليدية ، والتي كانت مقسومة الى ثلاثة معسكرات :

المعسكر الأول : يضم أحزاب ما يسمّى الجبهة الوطنية التقدمية ، وهي الأحزاب المتحالفة مع حزب البعث ، لخدمة استمرار النظام ، مقابل منافع استفاد منها قادتها فقط ..

المعسكر الثاني : ويَضم تيارات وأحزاب ، منشقّة عن أحزاب الجبهة ، لرفضها التحالف مع هذا النظام .

المعسكر الثالث : الاخوان المسلمون ، وبعض جماعات تتبع فكر السلفية الجهادية ، أو السلفية العلمية .

وفيما كان النظام يُـسيطر تماماً على الأحزاب الحليفة له في إطار الجبهة الوطنية التقدمية ، كانت لأذرعه الأمنية اختراقات واسعة في صلب التنظيمات السلفية ، في حين كان تنظيم الاخوان المسلمين يَنـشط تماماً في الخارج منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي .

ونتيجة حملات القمع والاعتقال التي طالت معظم المناضلين اليساريين والقوميين المنفلتين من عقال الأحزاب المتواطئة مع السلطة ، وبقايا أفراد لتنظيم الاخوان المسلمين ، والاسلاميين المتمردين على جماعاتهم المخترقة من أمن النظام ، فلم يكن أي وجود لحياة سياسية في سوريا خارج إطار السلطة ..

 وبالتالي فلا يمكن لأي حزب أو فصيل أو تيار سياسي سوري ، من أي توجّه ايديولوجي كان ، أن يـدّعي أي دور في إشعال فتيل الثورة .

ولا يمكن لأي من أصحاب الايديولوجيات ( الدينية أو اليسارية أو القومية ) ، أن يـدّعي لنفسه أي دور في التأثير الفكري وحتى المعنوي على “الجماهير” ، بسبب إفلاسهم الفكري التاريخي ، وفقدان شعاراتهم لبريقها وتأثيرها , ولم تعد جماعاتهم قادرة على التعبئة والحشد بأي حال من الأحوال ، ولا بأي شكل من الأشكال .

جيل الثورة السورية ، هو جيل الشباب ، الذي نشأ في عالم منفتح على كل الاتجاهات ، ومن خلال التقدم التقني ، والاعلام المفتوح ، والتواصل الفعّال ، تجاوز هذا الجيل الانتماءات القبلية والاثنية والمناطقية والدينية وحتى المذهبية ، وكذلك السياسية والايديولوجية ، وانتقل من خلال ثورة معرفية بسرعة الى وعي لذاته ، وحقوقه ، ومستقبله .

لا شك أن بعض المناضلين من الجيل القديم ، ظلّوا على التصاق بالشعب ، ولم يبرحوا مواقعهم ضمن المجتمع السوري ، أولئك هم من شاركوا في الثورة في الصفوف الأولى ، وشاركوا في تقديم التضحيات مع الثوار الشباب ، وساهموا في عقلنة الحراك الثوري ، والحفاظ على مساره الوطني الجامع في بدايات الثورة .

هؤلاء ، استهدفهم النظام بالقتل والاعتقال والتغييب ، كما استهدفتهم القوى السياسية المفلسة ، والتي التحقت بالثورة متأخّرة ، وفقط عندما ظنّوا أن كرسي الحكم بات شاغراً ، وعليهم تحييد الثوار الحقيقيين ، لضمان استحواذهم عليه .

الثورة تكمل أركان نجاحها :

في ضوء الحاجة الملحة إلى قيادة وتنظيم المظاهرات ومختلف فعاليات الحراك الثوري الشعبي ، الذي بدأ عفوياً ، دون قيادة سياسية أو تنظيمية ، وانخرطت فيه قطاعات واسعة من المتضررين من ممارسات النظام ، أفرزت الثورة السورية ، في خضمّ صيرورتها ، أشكالاً جديدة من التنظيم الثوري والحشد الجماهيري ، تمثلت في تشكيل شبكات إعلامية واتحادات وتنسيقيات في مختلف المدن والبلدات والقرى السورية.

 تكونت التنسيقيات بشكل عام من شباب متعلم ومثقفين ، ونشطاء المجال العام ، من سياسيين وحقوقيين ، من الطامحين إلى التغيير السلمي الديموقراطي في سوريا ،  ومعظمهم يتعامل مع وسائل التقنية الحديثة بمهارة واقتدار ، حيث استخدموا بفعالية كل أدوات التواصل الإلكترونية والمعلوماتية ، وتم تسخيرها لخدمة الحراك الثوري ، سواء من خلال التحشيد وتصميم الشعارات أم من خلال تحقيق إجماع عام ، بعيداً عن قيود ورقابة أجهزة النظام الحاكم .

ومع ازدياد وحشية النظام ، وتفاقم اجرامه بحق الشباب الثائر ، شكّل الثوار الشباب مجموعات للدعم والاغاثة ، بجهودهم الذاتية ، وبتكافل اجتماعي عفوي ، مع دعم محدود ( ونظيف ) من بعض الداعمين الوطنيين في الخارج .

ومع بروز ضرورة صياغة المطالب الثورية بشكل سياسي ، بدأت ملامح تشكّل طليعة ثورية  من القادة الشباب أنفسهم ، والذين لا ينتمون إلى حزب معين ، ولا يعتنقون أيديولوجيا معينة .

ولأن المهام الوطنية أصبحت جامعة وشاملة ، بعد أن عمّت الثورة كامل مساحة الوطن السوري ، سارع القادة الشباب الى تشكيل اتحادات ثورية وطنية ، لعل أهمها : اتحاد تنسيقيات الثورة السورية ، ثم تشكلت الهيئة العامة للثورة السورية ، كما تشكل المجلس الأعلى لقيادة الثورة السورية .

الى هذا الحد ، كانت الثورة تنمو ، وتكتمل كل أركان نجاحها ، متوّجةً بهيكل سياسي تنظيمي “ثوري” ، كان عماده الأساسي شباب الحراك الثوري المدني السلمي في الداخل .

دور المعارضة ، في الثورة السوريّة

ومقدّمات الاستحواذ على الثورة ومكتسباتها :

 وجدت أحزاب المعارضة التقليدية السورية ، بمختلف أطيافها الليبرالية واليسارية والقومية والإسلامية ، نفسها متأخرّة عن الحراك الثوري بخطوات ، بل وجدت أن لامكان لها في الهيكليّة الثوريّة الجديدة ، فلم يكن أمامها سوى اتّباع إحدى حيلتين :إمّا تبنّي الخطاب الثوري الراهن وطي برامجها السياسية المتقادمة والمتخلّفة عن مطالب الجماهير ، أو تبديل جلدها ، لتبدو مقبولة بوجه ثوري جديد .

ولم يختلف الوضع بالنسبة لأزمة تلك المعارضة التقليدية ، ان كان في الداخل أو الخارج ، تلك الأزمة التي وجدت نفسها في مواجهتها أمام استحقاقات الثورة .

فراحت تستعجل عقد اللقاءات والمؤتمرات ، في الداخل والخارج ، بدون رؤية سياسية واضحة ، وبلا أهداف محددة ، سوى التسابق على حجز مكان متقدم ، يتيح لها اقتناص أكبر نصيب من الغنائم ، اذ بدا لهم أن أوان اقتسامها قد بات قريباً .

تلك الأشكال من الحراك السياسي الانتهازي ، شكّلت مقتلاً للثورة ، وتجاوزاً خيانيّاً لهياكلها الثورية الطليعية ، والتي كانت على وشك الاكتمال ، لتكون قادرة على القيام بكل متطلّبات نجاح الثورة ، واتمام كافّة المهام الثورية الرئيسية ، بكل محاورها ، السياسية والتنظيمية والاجتماعية .

في مرحلة انطلاق الثورة ، استفادت جماعة الاخوان المسلمين ، من جاهزيّتها التنظيمية والسياسية ، مستغلّة عوامل عدة توافرت لها دون غيرها من الأحزاب السورية المعارضة ، فمن “المظلومية” التاريخية ، الى دعم بعض الدول اللامحدود لها ، فوجدت مناخا ملائما ، ودعماً سياسيا وماديا هائلا ، ليشعروا بأحقيّتهم بـ “حصّة” أكبر من مردود الثورة السياسي ، وانجرفوا وراء هذا الاعتبار ، بمحاولتهم السيطرة على كل مفاصل الثورة ، ورغم محاولاتهم استمالة التنسيقيات ، واتحاد التنسيقيات بالمال ، إلا أنهم لم يحققوا نجاحاً كبيراً في اختراقها ، فبدأوا بتوظيف الأموال في تشكيل هيكليّات موازية للأطر الثورية في الداخل ، تضمن الولاء لهم ، وتنفذ أجنداتهم ، بما في ذلك تشكيل المجالس المحلية .

ومع بداية أولى محاولات إنشاء تكتّلات سياسية ثورية من الوطنيين في الخارج والداخل ، حاولت اكمال الدور الوطني المطلوب منها لدعم الثورة ، تمت محاربة تلك المحاولات ، وقطع كل الطرق عليها لإفشالها .

وبالتوازي مع محاولاتهم للاستحواذ على الحراك الثوري في الداخل ،  كانت تجري بشكل محموم عمليات استنساخ ” مجلس وطني سوري” على غرار الليبي ، يضمن هيمنة سياسية لفصيلهم على المعارضة السورية في الخارج أيضاً ، وتم بالفعل بدعم اقليمي ، ورضا دولي ، تشكيل “المجلس الوطني السوري” بتاريخ 2 تشرين الأوّل / أكتوبر 2011 .

لقد جرى من خلال هذا المجلس عملية خداع كبرى ، لشباب الحراك الثوري ، عن طريق تمثيلهم ( بشكل وهمي ) فيه ، وعن طريق تعيين شخصية وطنية محايدة في رئاسته ، وتم خداع شباب الحراك الثوري بهذا المجلس ، على أساس أنه سيُخرج شباب الثورة من الأزمة ، ويحلّ كل مشاكلهم ، ويمدّهم بالمساعدات المادية وبالاعتراف الدولي والحظر الجوي وغيرها من الوعود .

كل هذا تم بممارسات غير ديموقراطية وغير شفافة ، لم تعط انطباعاً أن السوريين قادرين على طرح بدائل ديمقراطية حقيقية عن حكم الأسد الديكتاتوري الشمولي .

باقي أطياف المعارضة ، وجدوا أنفسهم في مأزق حقيقي ، فقد كانوا أفراداً بلا هياكل تنظيمية سياسية ، سارعوا بعد الثورة الى التجمّع في هياكل توافقية هلامية وهشّة ، سرعان ما أدت خلافاتهم الايديولوجية الى تفتّتها ، ووجدوا أنفسهم في مواجهة تناقضات معتقداتهم المقولبة مع الواقع الثوري الناشئ ، حيث أن الدول التي وقفت مع الثورة السورية ، هي الدول التي كانت تندرج في معتقداتهم الفكرية تحت تصنيفات ( الرجعية والامبريالية ) ، ووجدوا أنفسهم في صف واحد معها ، ضد نظام كانوا يصنّفونه بأنه برجوازي وطني ، ويطالبونه قبل الثورة بإصلاحات “ليبيرالية” ، لم يستجب لها ، وزجّ معظمهم في السجون .

 فلم يكن لهم من بد سوى التحالف مع تلك القوى “الرجعية والامبريالية” ، ومع ممثليها في الهياكل التي قفزت في وجه الثورة بحجة تمثيلها ودعمها .

كان المطلوب من القوى السياسية المعارضة ، والوطنية الصادقة ، أن تحوّل أشكال نضالها الى النمط الثوري ، وتنحّي عنها جانباً صفة ( سياسي – معارض ) – لأنها مرتبطة بمناخات العمل السياسي الطبيعية وليس الثورية – ، وتقوم بمهام مكمّلة للحراك الثوري في الداخل ، من خلال الدعم اللوجستي والمادي ، واظهار وجه الثورة الحقيقي للعالم من خلال التأثير في الرأي العام العالمي ، ومن خلال تسخير كل العلاقات السياسية ، والامكانات الفكرية ، لخدمة الشعب السوري الثائر ، لكن ما جرى هو العكس ، قامت معظم تلك الأحزاب والشخصيات الوطنية ، باستغلال تضحيات الشعب السوري من خلال الثورة من أجل مصالحها الحزبية ، والفئوية ، وأحيانا الشخصية البحتة .

  • Social Links:

Leave a Reply