كلنا سوريون – زهرة الحاسي

كلنا سوريون – زهرة الحاسي

كلنا سوريون ……
كتبت للرافد زهرة الحاسي………..

لا طائل من التباكي على المقاتلة الكردية بارين كوباني التي سقطت قتيلةً في عفرين قبل أيام، ولا جدوى من الحزن الإلكتروني بعد التمثيل بجثتها في مقطعي فيديو شنيعين، من قبل مقاتلين في القوات السورية المشاركة في حملة “غصن الزيتون” التركية المستمرة للأسبوع الثاني على التوالي. فالعواطف في حد ذاتها عاجزة أمام مشهد عنيف آخر ينجرف ضمن تيار الحرب السورية الذي يأخذ منعطفات متتالية من دون بوادر للتوقف.
وإذا كانت العواطف التي يتم التعبير عنها في مواقع التواصل الاجتماعي، محقة في غضبها بسبب همجية الحدث، إلا أنها في الواقع تمثل التعبير الأسرع عن أحقاد جديدة تتشكل بالدماء والعنف، تمهيداً للحرب السورية في مرحلتها الثانية، مع التسليم بانتهاء الثورة السورية منذ سنوات، بعوامل متعددة منها عسكرة الإسلاميين الذين يلعبون البطولة في مقطعي التمثيل المروعين، والذين شكلوا كتائب تماهى الكثير منها إلى حد كبير مع التنظيمات التكفيرية مثل “داعش” و”القاعدة”، وبعضها تمايز عنها في الوقت نفسه، ناهيك عن إحجام الولايات المتحدة عن دعم تلك الجماعات المعارضة للنظام، وتوجيهه نحو دعم الأكراد كشريك ضد “داعش”.
يتجلى هذا الإحساس العام باللاجدوى للكلمات والعواطف أمام بطش الأفعال، في ردود الأفعال الإلكترونية عبر السوشيال ميديا نفسها. بعضها أتى باهتاً وراضخاً بل وحالماً بالعودة إلى حقبة ما قبل الحرب في البلاد، حينما كان هذا المستوى من العنف “قصصاً” من أماكن بعيدة من العالم أو في معتقلات النظام السوري التي لا يجرؤ أحد على التفكير فيها أو الكلام عنها أصلاً. والبعض الآخر من التعليقات جاء مروعاً في تبريره للجريمة، عطفاً على عنصرية عرقية ضد الأكراد، كما أن هناك من أعطى الجريمة نفسها بُعداً “تاريخياً” كالقول بأن “الأكراد عندما أتوا إلى سوريا قبل مئات السنين قاموا بعمليات تعذيب عرقي ضد العرب”. أما في الجانب الكردي، فإن الدعوات للانتقام كانت بارزة بشكل واضح… وتدور الدائرة.
والحال أن الحديث عن الوحشية والذكورية والإسلاموية ونهاية الثورة، في التعاطي مع المشهد، قاصر بالضرورة. ليس في تجاهله للعنة السوريين المستمرة مع هذا النمط من العنف المتراكم لدرجة تحولها إلى قَدَر. بل لأنه يتجاهل معطيات أساسية في سير الحرب السورية مجدداً نحو منعطف زلق آخر، تحولت فيه القوى السورية المحلية التي تقتل بعضها بعضاً وتمثل في الجثث، كما في الفيديو، إلى قوى وكيلة لقوى خارجية متنافسة على النفوذ.
وإن كان الصراعان الأقدم والأطول في سوريا، يتجهان إلى النهاية، أي الحرب ضد “داعش” والثورة ضد النظام، إلا أن الحرب والصراع لا يغادران البلاد فعلياً بل ينتقلان إلى المستوى الثاني فقط، مع تغير أجندات الأطراف، ومحافظتها على الدرجة نفسها من العنف الظاهر في مقطعي الفيديو الأخيرين، واللذين يمكن تلمس نماذج مماثلة لهما  طوال سنوات الحرب السورية، مع اختلاف هوية القائم بالتعذيب أو التمثيل، كالنظام أو “داعش” أو المعارضة أو حتى القوات الكردية نفسها.
ويجب القول هنا، إن مقطع الفيديو والتعليقات عليه، إثبات آخر على أن فكرة نهاية الحرب الأهلية في سوريا، والتي تكررت بشكل مبتذل طوال الأشهر الأخيرة، لم تكن صحيحة تماماً في النهاية. فسوريا التي مزقتها الحرب، توقفت عن الوجود كدولة بالمعنى الطبيعي لصالح تحولها إلى ساحة معركة بالوكالة يتبادل فيها الأطراف الولاءات والتحالفات. وحتى لو كانت الديناميات التي تقود الصراعات المتداخلة في الحرب السورية، تتجه إلى نهايتها، فإنها لا تولّد مستقبلاً سلمياً ومنظماً للسوريين الذين يعانون معاناة طويلة. وبدلاً من ذلك، تنشأ صراعات جديدة فوق أنقاض الصراعات القديمة، مدفوعة بهذه الكمية من الدم السوري المسفوك الممتزج مع غضب وأحقاد عرقية وتاريخية، ما يخلق شكاً عميقاً في ما إذا كان المشاركون في الحرب السورية قريبين فعلاً من “استنزاف أنفسهم”.
كمية الفظائع المتوالية منذ العام 2011، من أي طرف كان، لا تدع مجالاً كبيراً للغفران والمصالحة. وحتى لو انتهت الحرب، بالاسم، ستبقى آثارها النفسية والاجتماعية ماثلة لأجيال، كأحقاد لا تموت. هذا، إن تخلت الأطراف المتنازعة عن فكرة القتل الجماعي والرغبة في إبادة الآخر وتصفيته كحل ينهي تلك “المشكلة البسيطة”، مع إدراك كل طرف بأن الطرف الآخر لا يمكن أن يغفر له مستقبلاً.

  • Social Links:

Leave a Reply