بحث موجز في تاريخ السياسة – يونادم يونادم

بحث موجز في تاريخ السياسة – يونادم يونادم

بحث موجز في تاريخ السياسة
يونادم يونادم

القسم-١

– لماذا لا يمكن للمستبد ان ينتمي الى عالم السياسة:

يحكى ان الخليفة (هارون الرشيد) كان يتنكر بهيئة شحاذ متسول لكي يكشف ماذا تقول عنه الرعية، ولاسيما جماعة المتملقين ممن يعشقون الالتفاف والركون حول قوة السلطة، ولهذا ما كان بإمكانه اكتشاف حقيقة الأمور الا بهذه الطريقة الشيطانية، ويروى عنه أيضا، اعلان حكمه على (شهرزاد) بالموت وهي التي سحرته بقصصها تتلوها عليه كل مساء طوال ألف ليلة وليلة، فأجبره الاستمتاع بها والاستماع اليها الى تأجيل تنفيذ الحكم حتى تزوجها. هذه الحكاية تقدم صورة معبرة عن الاستبداد، وهو نظام يخلقه الاحتلال ويعتاش على الخوف، وتصدر أحكامه المطلقة من نزوات النظام المستبد اليومية.

في نظام حكم استبدادي تنطلق الأحكام من ميول الطاغية نفسه، رغم ذلك فالاستبداد ليس نظاما تغيب عنه العدالة، اذ هيمن الاستبداد عموما داخل المجتمعات التقليدية حيث تسيطر وتتحكم العادات الاجتماعية وتكون شروط العدالة مقبولة ضمن ذلك النظام الطبيعي للحياة. السلالات الحاكمة تبرز ثم تسقط، وكما يقول المثل الصيني: “حسب ما تمليه إرادة السماء”. غير ان الحياة بالنسبة للفلاح لم تتغير كثيرا، وكان كل شيء يتوقف على إرادة الحاكم.

(الاستبداد) مقولة تحتوي على الكثير من المفارقات، ولقد سيطرت، بشكل او آخر على الحضارات غير الأوروبية، أنظمة استبدادية، حيث يعتبر الاستبداد اليوم، مع الدكتاتورية والتوتاليتارية، أحد اشكال الحكم، ومن المؤكد ان مثل هذا الوضع كان سيلقي الذعر في قلوب ابناء اليونان الذين صاغوا هويتهم على أساس تمييز أنفسهم عن حياة الاستبداد الذي كان شائعا في المشرق، ويدل هذا التباين على مركزية السياسة في المشهد الحضاري لدرجة ان معنى السياسة اخذ يتغير مع كل تغيير في الثقافة او الظروف والاوضاع. ومن المهم ايضا ان ننظر نحو القيمة التي اضفاها الكلاسيكيون الاغريق على مفهوم السياسة، لقد عرف عن الاغريق بكونهم لا ينتمون الى المشرق وأبدوا اعجابهم وتقديرهم لثقافة الحضارات التي نشأت مع الامبراطوريات المصرية والفارسية رغم ازدرائهم لطريقة حكمهم التي سموها “الاستبداد” لأنها لم تكن تختلف عن العلاقة بين “السيد” و “العبد”

واحتقروا عملية سجود اعضاء الرعية للحاكم. واليوم بعد مرور أكثر من 2000 عام نرث نحن نفس المشاعر وردود الفعل من عملية “السجود” و”الانبطاح”.

ان جوهر “الاستبداد” يكمن في انه لا يمكن لأي شخص ان يستأنف الحكم، لا في الواقع ولا من خلال القانون، ضد السلطة المطلقة للحاكم المستبد، وسلوك الرعية ينحصر في اسعاد الحاكم المستبد. فلا وجود لبرلمان ولا وجود لمعارضة ولا وجود لصحافة حرة او قضاء مستقل، باختصار لا وجود لصوت جماهيري سوى صوت الطاغية، ولا غرابة ان مثل هذا العجز يجعل الطغاة مصدرا من مصادر التنوير الروحي ويترسخ رد الفعل ضد عالم تتحكم فيه نزوة المستبد فيلجأ الرعايا من اصحاب الوقار الى الانسحاب يجللون أنفسهم برداء الصوفية او الرواقية او اي شكل آخر من طرق التقهقر حين يتكشف جوهر الحياة في عالم روحي يتجاوز عالم الحواس تتحول فيه الحياة الاجتماعية والسياسية الى مجرد اوهام تخنق العلوم والتقدم التقني، وقد مرّت على اوروبا 3 مناسبات هامة من هذا النوع انهارت في حالتين منها كل الانجازات. الحالة الاولى ظهرت مع وجود المدينة -الدولة في اليونان الكلاسيكية والتي غرقت في الاستبداد بعد وفاة الاسكندر الكبير. والثانية ظهرت بين الرومان نتيجة انتصاراتهم ونجاحاتهم في تكوين امبراطورية يعمّها عدم التناسق والاختلاف فتحتاج الى سلطة حاكم مستبد يمنعها من التشرذم والانهيار. لقد انجبت التجربة الاولى العالم الرواقي وغيره من فلاسفة الانطواء عن العالم الواقعي، وفي التجربة الثانية انجبت بذور المسيحية. ومن تزاوج مملكتي المسيحية والبربرية في الغرب برزت سياسة القرون الوسطى التي ادت الى تشييد عالم السياسة لعصرنا الحديث القائم على التمييز بين الحياة الخاصة والحياة العامة، الحياة الخاصة المتمثلة بالعائلة وبمعتقدات وقناعات وافكار وخيارات كل فرد، وهذه الحياة الخاصة تتطلب الإطار العام للدولة وبنية قانونية تستجيب لتلك الحياة الخاصة. ان السياسة قادرة على البقاء والاستمرار ما دامت قوانين الحياة العامة تعترف بكونها محدودة ولا تستطيع تجاوز تلك الحدود، او كما صاغها (بركليس) في عزائه للأثينيين إثر حرب (البولوبونيز):” نحن احرار ومتسامحون في حياتنا الخاصة ولكن في الشأن العام نحن نتمسك دوماّ بالقانون”. غير ان الحدود الفعلية التي تفصل بين القوانين وسلوك الناس، بين الحياة العامة والحياة الخاصة هي في حالة تغيير متواصل، في حالة حركة دائمة.

خلقت السياسة في بلاد الاغريق طرقا جديدة في التفكير وفي ابداء المشاعر بالإضافة الى انها وضعت الفرد في علاقة مع الآخرين. وكان المواطنون يختلفون من حيث الثروة والجمال والذكاء ولكنهم كانوا متساوين كمواطنين وحصل ذلك لأن المواطن كان عقلانيا، والعلاقة المناسبة بين الكائنات العاقلة هي الاقناع الذي يختلف عن العلاقة الأوامرية لكونه يتيح المساواة بين المتحدث والمتلقي، ويقدم (افلاطون) رؤيا نبيلة لهذا الشكل من الحياة السياسية. فبعد اصدار الحكم بموت الفيلسوف (سقراط) لأنه أفسد عقول الشبيبة، رفض عرضا لمساعدته في الهرب من (أثينا) لأن الهرب لا ينسجم عقلانيا مع دعواته التي أطلقها طوال حياته معبرا فيها عن التزامه بحياة المدينة. “إذا اقترفت عملا جبانا في الهرب فكيف سأدافع بعد ذلك عن فضيلة الشجاعة امام الناس!” حتى طريقة تنفيذ حكم الموت تعكس قناعته الأساسية بان العنف لا يمكن ان يكون علاقة تتناسب والمواطنة فقام بشرب كأس من شراب (الشوكران) السام.

اليوناني كان ينصاع عن قناعة وبحريته الشخصية للتقيد بقوانين مدينته وكان يفتخر بهذا الامتثال، بل يمكن القول ان هويته كانت ترتبط بمدينته، وأقسى عقاب قد يواجهه كان النفي، الذي كان بمثابة اعلان وفاة او موت مدني يفرض على رجال الدولة ممن قد يهددون الدستور. ونجد في حياة الاغريق الشروط العامة للحرية: الفرد يعيش حياته بين افراد متساوون ولا يخضعون لغير القانون، يتداولون الحكم ويتداولون الخضوع للقانون، وهم من اوائل الشعوب في التاريخ ممن كوّنوا مجتمعات على هذا الأساس. وهم طبعا من اوائل الشعوب التي أبدعت ادبا يكشف عن مثل هذه التجربة. والسياسة كانت النشاط الخاص لهذا الكائن الجديد الذي يدعى “مواطن” ولكن الاغريق من الطراز الكلاسيكي كانوا يصرون على ان: الاستبداد في المشرق لا يمكن اعتباره سياسة.

الواقع كان، بالطبع، أكثر تعقيدا، فقد خاض الاوليغارشيون والديمقراطيون معارك قاسية داخل المدن، والمزارعون وصلوا الى حافة الاملاق وفقدان المحاصيل سيدفعهم باتجاه العبودية. والمساواة داخل المدن لم يقابلها علاقات متساوية بين المدن مما جعل الحروب مزمنة.

لقد كان الاغريق انسانيون ولكن من صنف يختلف عن الانسانيين الذين صاغتهم المسيحية والمنتشرون اليوم في العالم الذي نعيش فيه، لان افتراضهم الاساسي حول الانسان ينطلق من كونه حيوان عاقل، وان معنى الحياة موجود في ممارسة العقلانية، وحين يرضخ الانسان لعواطفه فسينحدر وجوده الى نوع أدني، ان سر الحياة يكمن في معرفة الانسان لذاته، وارتقى مستوى الانسان حين بدأ يتداول في قضايا القانون والشؤون العامة فتوصل الى صياغة أرقى اشكال التعبير عن ذاته ولم يكن بمقدوره التمتع بذلك الا من خلال الحياة في مدينة.

ويتطلع الانسانيون غالبا نحو اسلافهم الاغريق، وكانت نظرتهم عن العالم تنطوي على استنتاج استثنائي، استنتاج يثير القلق حسب مقاييس العصر الحالي. اذ بما ان بعض الافراد اقل عقلانية من الآخرين فانهم، وحسب التقييم السائد لديهم، اقل انسانية، والعبيد بشكل خاص هم أكثر المتضررين من ناحية قواهم الذهنية مقارنة بالأسياد. لقد امتلك الاغريق خيالا رحبا واسعا لاكتشاف العالم ولم يواجهوا صعوبة في تخيل النساء وهن يقومون بأداء مهام متعددة: محاربات الأمازون، او الأمازونيات وهم شعب من النساء المقاتلات، وكنّ أول من سخّر الحصان لأغراض القتال كما تروي الأسطورة وتبرز الأمازونيات في عدد من الثقافات كالميثولوجيا الإغريقية. ثم هناك النساء اللواتي يدفعن ثمن الحرب بفلذات أكبادهن وبأزواجهن، وانتهاء الحرب يعني بالنسبة لهن أملا في استمرار الحياة الأسرية الهادئة المنتجة، لا شيء أبغض على قلب الثكالى من الأمهات والأرامل من الزوجات،أكثر من الحرب الضروس التي تختطف في وقت قصير أملا كبيرا في حياة كل واخدة منهن. كما ان مسرحية (ليسستراتي) هي واحدة من ثلاث مسرحيات كتبها “أريستوفانيس” مركزاً فيها على مشاكل المرأة في المجتمع الأثيني على عهده.

لم تنشأ القوانين والتوجهات السياسية للمدن الاغريقية من داخل قصر الطاغية او المستبد، بل من خلال الحوار الجاري الحر بين مواطنين متساويين داخل اروقة السوق التجارية التي كانت تستخدم ايضا كساحة للحوار والتداول في السياسة. لقد تمتع المواطنون الأغريق بالمساواة امام القانون (والمساواة كانت كلمة مرادفة للديمقراطية) وكذلك المساواة في حق الكلام امام الجمعية. وداخل مدينة كبيرة بحجم (اثينا) كان يحضر الاجتماعات الالاف من القادمين، وكان اغلب المتحدثون ينحدرون من الطبقة الارستقراطية اوممن درسوا فن الكلام او من النبلاء والجماعات المؤيدة لهم. في ظل هذه الديمقراطية كان يجري ملء الشواغر في المكاتب العامة عن طريق القرعة، اما المكاتب الرئيسية فكانت يشغلها أفراد منتخبون أو من العائلات المتنفذة. لقد كتب (ثيوسيديدس) عن حرب البيلوبونيز، ونتعرف عن طريقه على كيفية عمل الديمقراطية، فمثلا عندما يكتب عن حلقة للنقاش في (اثينا) حول موضوع ما، كموضوع معاقبة (الميتليين) الذين قاموا بثورة ضد هيمنة الأثينيين، حين طرح القائد الشعبي (كليون)، بعد الاحتلال العسكري، قضية الحكم بقتل الرجال وبيع النساء والاطفال كعبيد، ثم دعوته الى الواقعية التي عبر عنها بالقول ان من يريد بناء امبراطورية عليه ان يتهيأ لارتكاب الفظائع ، ولكن خصمه (ديودوتس) دافع عن الرحمة والاعتدال من منطلق ان القسوة ستؤدي الى اعمال عصيان ضد هيمنة اثينا والى صراع موت او حياة فانتصر طرحه الفكري والعقلاني هذا عند اختتام المناظرة. والمواطنون الذين كانوا يشاركون في النقاشات كانوا ينتمون الى عائلات تشكل الوحدات الانتاجية لذلك العالم القديم.

(يتبع)

  • Social Links:

Leave a Reply