حتى وإن رحل الأسد – نبراس دلول

حتى وإن رحل الأسد – نبراس دلول

حتى وإن رحل الأسد

نبراس دلول

لاشك أن التهديدات الأميركية في الأيام الأخيرة بشن ضربة عسكرية ضد سوريا قد أحيت أمالاً عديدة لدى الكثيرين بأن ينتج عنها إسقاط للحكم السوري ، أو أقله دفعه للقبول بالتنحي.

فعموماً، وخلال الأيام القليلة الماضية، كثرت المطالب بضرورة أن تكون الضربة الأميركية ضربةً شاملةً تؤدي لتلك النتيجة المتمناة، وكله طبعاً يأتي ضمن المقاربة التي تربط بين المقتلة السورية ووجود شخص بشار الأسد في الحكم. وبجولة سريعة على المواقف التي حفلت بها منصات التواصل الإجتماعي وبيانات بعض الأحزاب السورية إلى جانب بعض الدول الإقليمية والدولية، نستشف سريعاً هذا الربط الذي يتحول بدوره إلى مسوغ وحجة. فالكثيرون يطالبون بإسقاط النظام أو دفعه للتنحي وفق هذه الرؤية التي يريدون لها أن تكون بوصلة عمل، ومفادها: هناك بشار الأسد، إذاً هناك حرب ومقتلة.. ليس هناك بشار الأسد ، اذاً ستنتهي الحرب وستتوقف المقتلة. فهؤلاء (الكثيرون) لازالوا يربطون بين المقتلة السورية ووجود شخص بشار الأسد على رأس السلطة السورية، هذا على الرغم من اننا امام معطيات وحيثيات ميدانية تختلف جذرياً عما كانت عليه في العام 2011.

حقيقةً إن هذه المقاربة تبدو للوهلة الأولى جميلة وتريّح العقل من عناء التمحيص والتفكير، لكن صِحتها ” النسبية ” انتهت في العام 2011. أما منذ أن كثر السلاح ، ثقيله قبل خفيفه، بيد تنظيمات عديدة (جلها سلفي تكفيري) ، ومنذ أن بات لهذه التنظيمات دول ترعاها وتمدها بالسلاح والعتاد والمال، ومنذ أن بات لهذه التنظيمات عمليات تفجيرية وانتحارية (نهاية العام 2011) ، فإن المقتلة السورية لم تعد مرتبطة بوجود النظام السوري ورئيسه من عدمهما.

فحتى لو تنحى بشار الأسد اليوم قبل الغد، فإن المقتلة السورية لن تنتهي، وإنما ستمتد وتتوسع وتطول. ذاك أن الحكم السوري ومنذ نهاية العام 2011 وماشهده من تكاثر التنظيمات المسلحة كالفطر ، قد بات طرفاً في لعبة متعددة الأطراف. إذ لم يعد النظام المسلح يواجه شعباً أعزل ينزع عنه مشروعيته، وإنما صار يجدد مشروعيته كلما ظهر تنظيم مسلح يقتل الناس على الهوية الدينية ويفرض برنامجه الذي لاينتمي لماتوصل اليه السوريون من نمط حياة.

يعتقد الكثيرون، دولاً وأفراداً، أن تنحي الأسد اليوم سيعقبه في اليوم التالي وقفاً لقعقعة السلاح تزامناً مع دخول ” مثقفي ” الإئتلاف الوطني إلى دمشق رفقة هيئة المفاوضات العليا ليديروا سوريا من أقصاها الى أقصاها. هذا في الوقت الذي تخبرنا فيه التجارب الدولية المعاصرة ، قبل المعطيات الداخلية ، ماهو عكس هذه الصورة ” الرومانسية ” التي يحاول المحور المناهض للأسد من أفراد ودول رسمها لنا.

فلقد أُسقط صدام حسين بعد عشرين يوماً ، ليسافر بعدها العراق في رحلة مع الموت والقهر واللا أمن لسنوات طوال. وبينما غادر القذافي الحياة والسلطة بعيد أشهر ، فإن علي عبدالله صالح قد غادر حكم اليمن بشكل أسلس في نفس الفترة، لكن في كلا البلدين ، كما في سابقهما العراق، لم ينتج عن هذا الرحيل السريع عن السلطة انتقال ديمقراطي ولو بالحد الأدنى. بل على العكس، فعلى الرغم من رحيل أولئك الزعماء عن السلطة في فترات قصيرة وسريعة نسبياً ، ودون أن يكون هناك تلك الكمية الرهيبة من التنظيمات المسلحة ، فإن السلاح انتشر وظهرت الفوضى وامتدت فصول المقتلة العراقية والليبية واليمنية إلى يومنا هذا وبدرجات متفاوتة. فانتشاره وظهوره لم يكن مرتبطاً بوجود هذا الزعيم أو ذاك في السلطة، وإنما بالتفاعلات الداخلية بعضها بعضاً وفي تفاعلها مع الخارج الإقليمي والدولي.

فمنذ سقوط بغداد في التاسع من شهر نيسان عام 2003، أبانت المنطقة عن بنية داخلية مهترئة – ناجمة بالدرجة الأولى عن عقود من الإستبداد السياسي – تتصدرها عصبيات عشائرية حيناً، وطائفية مذهبية حيناً أخر. وقد تلاقت هذه البنية مع انكشاف المنطقة على عواصف المصالح الدولية وصراعاتها ونهمها للسيطرة على موقعها الجيوسياسي وثرواتها. كما و ترافق هذا الإنكشاف وتلك البنية مع عامل شديد الأهمية فيما وصلنا إليه، ألا وهو صعود التيارات الدينية السلفية من سنية وشيعية، إضافة للتقوقع المذهبي والعشائري نتيجة غياب الديمقراطية والحريات السياسية وتلاشي قنوات المشاركة الشعبية في صنع القرار السياسي على مدى عقود.

من هنا نفهم تماماً لماذا كانت موجات العنف التي أعقبت رحيل مبارك ضئيلة ، وفي تونس بعد رحيل بن علي غير محسوسة. بينما كانت موجات العنف إعصارية مدمرة في كل من ليبيا واليمن وسوريا وقبلهم في العراق. فبينما تتمتع كل من تونس ومصر ببنية داخلية مهترئة إلا أنها متجانسة دينياً ومذهبياً ولغوياً ( في تونس دين واحد ومذهب واحد وقومية واحدة، بينما في مصر ينتمي أكثر من 90% من شعبها لدين واحد ومذهب واحد) يصعب الإستثمار الخارجي بها ، فتفاعلاتها الداخلية غير صدامية بالمعنى الذي تجلى في بقية البلدان العربية.

فحقيقة ماحدث ويحدث في كل من العراق وليبيا واليمن وسوريا يشبه تماماً ماحدث في جمهورية يوغسلافيا السابقة أثناء ” ربيع أوربا الشرقية”. فموجات الإحتجاجات الشعبية التي اجتاحت أوربا الشرقية نهاية ثمانينات القرن الماضي كانت في معظمها سلسة ، بينما فقط في يوغسلافيا استحالت نفس تلك الإحتجاجات ، رغم تشابه الظروف والثقافة والدوافع، إلا

مجازراً وقتلاً ومذابحاً. فالإنقسامات الداخلية في يوغسلافيا على أساس العرق والدين كانت قد لعبت دوراً محورياً في المقتلة التي حدثت في تلك البلاد طيلة عقد كامل.

من هنا، ومن الحالات والتجارب الماثلة أمامنا ، نلاحظ أن الرحيل المبكر والسريع لرؤوساء الأنظمة لايختلف كثيراً عن رحيلهم المتأخر ، اللهم إلا في الشدة والدرجة لا في النوعية. فطالما أن بلداننا مرهونة للعوامل الثلاث المذكورة أعلاه ، فإن العنف والمقتلة سيستمران سواء آرحل بشار الأسد اليوم ، أو لو كان رحل في عام 2011.

أما من مقلبٍ أخر، فلاننسى أن أحداث السنوات السبع الماضية في سوريا تشير لنا إلى عدم واقعية الربط الميكانيكي بين بقاء الأسد والمقتلة السورية. فعدا عن العوامل الثلاث المذكورة أعلاه، فإننا أمام وقائع عنيدة فحواها انقسام الجغرافيا السورية بين كثير الفصائل المسلحة التي رفعت سلاحها بين بعضها البعض ونشرت القتل حتى بين حواضنها بغية التفرد والسلطة، هذا بعيداً عن صراعها مع الحكومة السورية. فمن اقتتال داعش من جهة وأحرار الشام وجبهة النصرة من جهة ثانية في الرقة العام 2013، إلى اقتتال جبهة النصرة وأحرار الشام في ريفي إدلب وحماة أواسط العام 2017 وليس انتهاءً باقتتال جيش الإسلام مع فيلق الرحمن في الغوطة الشرقية في ذات العام ، واقتتال جبهة النصرة وداعش في مخيم اليرموك في العام الفائت أيضاً. هذه الإقتتالات المتنقلة ومحاولة إلغاء الفصائل الإسلامية التكفيرية بعضها بعضاً ونشرها الفوضى والتصفيات، لم يكن بشار الأسد طرفاً فيها، وبالتالي تبدو مقولة انتهاء العنف والمقتلة برحيل الأسد أسخف مقولة ” رومانسية ” غير واقعية في المشهد السياسي الدولي.

وبعيداً عن كل ذلك، ظهرت في سوريا معادلات سياسية عسكرية دموية ، لم يكن بشار الأسد طرفاً فيها، وذلك كما في الصراع الدموي على الشمال السوري. فمنذ الهجوم على مدينة رأس العين (سري كانييه) الكردية في خريف العام 2013 من قبل فصائل مسلحة على رأسها جيش أحفاد الرسول، وصولاً إلى اجتياح القرى الكردية في منطقة عفرين من قبل فصائل درع الفرات التكفيرية المدعومة تركياً بداية العام الحالي 2018، ومابينهما من اقتتال داعش ووحدات الحماية الكردية في عين العرب/كوباني خريف العام 2014، وتكرار اقتتالهما في محافظة الرقة في العام 2017 .. أقول مذ ذاك لم يعد العنف والمقتلة السورية مرتبطاً فقط بشكل ميكانيكي بوجود الأسد في الحكم من عدمه. فالاقتتال الدموي بين الفصائل الإسلامية بعضها بعضاً ، واقتتال بعضها مع الوحدات الكردية (وهذه كلها على مساحات جغرافية واسعة تتجاوز نصف مساحة سوريا) ، هذه كلها تشير بوضوح الى انعدام هذه الرابطة السببية الميكانيكية بين وجود الأسد في السلطة واستمرار المقتلة.

من هنا، سواء أضرب الأميركيون سوريا، وسواء أكانت هذه الضربة تحمل في طياتها رحيل الأسد من عدمه ( مع قناعتي بانها لن تكون كذلك) فإن المقتلة السورية أبداً لن تنتهي بهذه الرومانسية التي تناسب فقط المتثاقفين والشعراء، لا الوقائع القائمة. بل إن المقتلة برأيي ، ووفق كل الحيثيات المذكورة أعلاه، ستزداد وتتعمق وتتوسع وتخرج عن أي سيطرة في

السنوات المقبلة، وذلك طالما أن بنية سوريا وانقساماتها العامودية كبنية وانقسامات العراق وليبيا واليمن ، وطالما أن سوريا جزء من منطقة مكشوفة على الصراعات الدولية، وأخيراً طالما أن سوريا تشهد كما شقيقاتها صعوداً للحركات الدينية التكفيرية الرجعية.

إن المنطقة، بما فيها سوريا، لازالت مفتوحة على العنف والقهر، طالما أن المفاعيل والأسباب البنيوية لمايحصل لازالت قائمة، وطالما أن النظام الدولي لم يحسم هويته بعد.

  • Social Links:

Leave a Reply