(داعش) و(قسد) مجددًا – عبد الرحمن مطر

(داعش) و(قسد) مجددًا – عبد الرحمن مطر

تتزامن جريمة اختطاف (داعش) لعشرات العائلات من مخيم هجين بريف دير الزور، مع مرور عام على استكمال (قوات سورية الديمقراطية/ قسد) وقوات التحالف الدولي، تدمير الرقة، وتنفيذ اتفاقات التسوية الشهيرة بين (داعش) و(قسد) التي تم بموجبها فتح ممرات آمنة لخروج مقاتلي التنظيم إلى جهات جنوب وشرق الفرات، حيث تتمتع (داعش) اليوم بقدرة عالية على تجميع الصفوف وتنفيذ الأعمال القتالية، بعد مرور عام على إعلان واشنطن هزيمة التنظيم الإرهابي، الذي ما انفك يرتكب جرائم عديدة بحق أهالي المنطقة، كان آخرها شن هجوم على مخيم هجين، واقتياد عشرات العائلات، معظهم أطفال ونساء، إلى مناطق أخرى، وإحراق المخيم الذي يقع ضمن مناطق سيطرة ميليشيا (قوات سوريا الديمقراطية)، أداة الولايات المتحدة وعصاها الغليظة في وادي الفرات/ شمال شرق سورية.

ليس حدثًا عابرًا! فقد تُركت هذه المناطق من دون أي دعم أو اهتمام، وبلا حماية أمنية فعّالة كما يجب، كي يواجه سكانها مصيرًا أسود. وكان يمكن منع حدوث هذه المصاير المريرة، لو توفر شرط الإيمان بواجب حماية المدنيين في المنطقة. وهو الواجب الذي تضطلع به كل من (قسد) وقوات التحالف الدولي، ممثلة بالولايات المتحدة، باعتبارها القوة التي تفرض سيطرتها على مناطق الجزيرة السورية، شرق الفرات وجنوبه، وهما تتحملان كامل المسؤولية القانونية عن أي أحداث تطال المجتمعات المحلية، ومن واجبهما فرض الأمن وتوفير ظروف السلامة العامة، حتى في ظل الحرب.

لكن ما جرى في مخيم هجين هو اختبار لتلك الواجبات المناطة بـ (قسد) والأميركيين، على حدّ سواء، وكذلك الحلفاء الذين يُقدمون دعمًا لميليشيا (قسد)، مثل السعودية والإمارات لدعم الحرب ضد (داعش)، ودعم ما يسمى بسياسات الاستقرار في المنطقة، بتوجيه من البيت الأبيض. وقد أثبتت التجربة أن الدعم الذي تتلقاه (قسد) لم يكن سوى إغداق المال على ميليشيات إرهابية، ترتكب انتهاكات جسيمة بحق المجتمعات المحلية، وتعرّضها لمزيد من الأمراض والأوبئة، واستمرار وجود جثث الضحايا تحت الأنقاض، من دون أن تبذل أي جهد في تأمين الرعاية والرقابة الصحية، وصولًا الى تسمم مياه الشرب!

تكشف عملية حصار واقتحام مخيم هجين من قبل (داعش)، ثلاثة أمور اساسية، يتعين علينا النظر فيها باهتمام:

أولاها هشاشة القدرة القتالية لميليشيا (قسد)، في أيّ مواجهة مباشرة مع (داعش)؛ فالمخيم يقع ضمن الأراضي التي تسيطر عليها (قسد)، وتديرها، وتضع عليها حراسة أمنية وعسكرية. فشلت الحامية في فك الحصار، وفي مواجهة العناصر الإرهابية، ودحرها. بل على العكس من ذلك، فقد هربت. وهذا يحيلنا إلى حقيقة المعارك والمواجهات التي جرى الحديث عنها، إبان عمليات “تحرير الرقة”، وهي معارك كان يتحدث عنها طرف واحد هو (قسد)، من دون أن تكون هناك وثائق: أدلة أو شهود، أو مصادر إعلامية أخرى. وكنا نقول دائمًا إنها مفبركة، ولم تجر مواجهات حقيقية بين (داعش) و(قسد).

ثانيها أن تنظيم (داعش) ما يزال يتمتع بقوة تهديد إرهابي، في ظل حرب شاملة عليه، وتوفر منظومات رصد للقوة الجوية الأميركية القادرة على كشف تحركات التنظيم الإرهابي، ولكن المرجعيات السياسية والأمنية الأميركية، كالعادة، تترك للجماعات والتنظيمات الإرهابية ليس حرية الحركة فقط، وإنما التمدد، والتمركز في المناطق التي توجد فيها، وتنطلق منها عملياتها القتالية. الاستمرار في منح (داعش) الفرصة لإعادة بناء التنظيم، والقيام بعمليات عسكرية، هو جزء من استراتيجيات الولايات المتحدة بالإبقاء على فلول (داعش)، كفزاعة دائمة، تبرر استمرار حربها على الإرهاب، وإبقاء سيطرتها على منابع النفط السورية.

أما الثالث فهو التنصل من المسؤولية القانونية، أو تعمّد تجاهلها، حيال الجرائم ضد المدنيين، سواء تلك التي تنجم عن أخطاء لوجستية أو تضليل في المعلومات، كما دأبت على فعل ذلك (قسد)، حيثما حلّت، وحيثما تطلَّبَ تدخلًا جويًا أميركيًا، بما في ذلك الجرائم التي ترتكبها مجموعات وتنظيمات إرهابية أخرى، في مناطق سيطرة الولايات المتحدة، وهي جرائم (داعش) وروسيا والنظام الأسدي، وخاصة تلك التي تجري تباعًا في مناطق دير الزور وريف الحسكة والرقة. ونشير هنا إلى أن هناك مصادر أوردت أدلة على تورط ميليشيا (قسد) في سيطرة (داعش) على مخيم هجين، من خلال انسحابها في محاولة للالتفاف على (داعش) وتطويقها. وفي اعتقادنا، أن مجرد تخلي (قسد) عن واجباتها في حماية المخيم يُعدّ شراكة في الجريمة التي أدت إلى اختطاف 130 عائلة، بينها 90 امرأة.

تجرأ تنظيم (داعش) على القيام بجريمة اختطاف مماثلة لما قام به في السويداء، بحق عشرات النساء والأطفال من قرية الشوبكي، دون أن تحدث أي ردات فعل عسكرية حاسمة، من قبل أطراف الحماية (النظام الأسدي في الجنوب، وقسد في هجين) ما يعني أن هناك خللًا  متعمدًا في نظام الحماية الأمنية، ترك المجال مفتوحًا أمام (داعش) لترتكب العديد من جرائم الاختطاف والقتل، بحق المدنيين، وهذا لا يخدم في الحقيقة سوى النظام و(قسد) بصورة رئيسة، لضمان خدمتهما لما يسمى الحرب على الإرهاب. وهذان الطرفان ليسا سوى تنظيمين إرهابيين أيضًا، يرتكبان الجرائم بحق المدنيين، وإن تفاوتت نسبة الانتهاكات وشدتها وفظاعاتها. كما أن وجود هذه الجرائم واستمرارها هو استمرار للإرهاب ولأسبابه المتعددة. وهو يخدم الاحتلال الروسي ومحاولته التفرد بوضع الحلول التي يريد فرضها في سورية، بعيدًا عن قرارات الامم المتحدة.

تلعب روسيا اليوم دورًا مهمًا أيضًا في تعويم تنظيم الدولة (كما تعوّم الأسدية)، وتجعل منه طرفًا مقبولًا يمكن التفاوض معه كشريك، يساهم في منح روسيا والنظام شرعية التمكن من تنفيذ سياساتهما المتصلة باستعادة السيطرة على مناطق الجنوب السوري، وكذلك المناطق والمعابر الحدودية، ويأتي في هذا السياق الحصارُ القاتل المفروض على مخيم الركبان، وكذلك التوصل إلى اتفاق بين النظام و(داعش)، بشأن ريف السويداء، برعاية روسية.

كل الدعم الممنوح لـ (قسد)، لم يقد إلى توفير أبسط أسس الحماية الأمنية للمدنيين، ناهيك عن أن جميع المشروعات المتصلة بالاستقرار والتنمية ونشر الديمقراطية، والمجالس المحلية والخدمية في المنطقة، قد فشلت فشلًا ذريعًا. وقد تكون عملية اختطاف المدنيين من مخيم هجين، هي عملية مشتركة بين (داعش) و(قسد)، لتعزيز استمرار الاستعانة بميليشيات صالح مسلم في المنطقة، في ظل التفاهم الروسي – التركي، حول الشمال السوري، بموافقة أميركية، لن تتأخر في طيّ صفحة استخدام (قسد).

الدليل على احتمال تورط (قسد)، يكمن في سيرة التفاهمات والاتفاقات السرية التي عُقدت مع التنظيم في الرقة، واحترمها الجميع، بما في ذلك الولايات المتحدة.

عمليات اختطاف المدنيين، من بيوتهم ومخيماتهم ومن الشوارع وأماكن أخرى، لم تتوقف ضد السوريين، تلك هي واحدة من صنائع النظام الأمني الأسدي، طوال نصف قرن، وما تزال قائمة. فيما لم تدخر (جبهة النصرة)، و(داعش) فرصة لارتكاب تلك الأفعال الإجرامية، ببشاعة ترقى إلى الأسدية بل تتجاوزها، كما يفوق التلميذ معلمَه. لن يتغير الحال طالما أن المجتمع الدولي لا يزال يراهن على استمرار القتل والاختطاف في سورية، اختطاف البلاد، والحريات، واختطاف الحياة.

  • Social Links:

Leave a Reply