المنطقة العمياء في المسار السياسي السوري
د. سميرة مبيض
بعد مرور عام على انعقاد مؤتمر قوى الثورة و المعارضة في الرياض ٢، و الذي كان متوقعا له انتهاء مهامه خلال ستة أشهر الى عام بحيث يتقاطع زمنيا مع مؤتمر سوتشي الذي جرى في بداية عام ألفين و ثماني عشر لكتابة دستور في ظل الاسد و عهده، لم تتم المهمة و تلوح عتبة سياسية سورية جديدة بمعطيات و واقع مختلفين و استراتيجيات و رؤى مختلفة. بعد أن فشلت محاولات روسيا بجمع الرياض مع سوتشي و الاشهار عن مصالحة علنية بين الاسد و المعارضة.
تعرقل هذا المسار لا يعني نجاتنا الكلية منه، لكن يعني أننا دفعنا بالزمن للأمام أملا بمخارج خلاقة أقل ما ينتظر منها أن تكون إعجازية لتعالج الأسباب العميقة لهذا المآل المؤسف.
فلا زال الانتقال السياسي يرتبط باللجنة الدستورية، و بالاتفاق على المبادىء الرئيسيّة التي سترسم وجه سوريا المستقبلي و ربما أصبحت العديد منها متداولة و معروفة لدى الجميع لكن لا زالت الحلقة الواصلة بين انتهاء عمل اللجنة الدستورية و الانتقال السياسي نقطة عمياء لدى السوريين من كافة الأطراف و رهان خطر للجميع، فهي خطوات دون أرضية صلبة قد تمر فعليا الى انتهاء حقبة الاسد و بدء عهد سوري جديد يفتح الأفق للنهوض بالمستقبل و قد تمر الى تأبيده و نحو تحنيط المستقبل في ظله كمصير معظم دول المنطقة.
لذلك فلا النظام و لا معارضته يظهران قبولا أو رفضا واضحا للسير في المنطقة العمياء، التي تمتلك خيوطها الدول المؤثرة في القضية السورية بشكل رئيسي و يحاول كلا الطرفين التأثير نحو تحقيق هدفه فالنظام و من هم في صفه من المعارضة يأملون بإصلاحات بسيطة و انتخابات معادة و تقاسم للسلطة و مصافحة بين الاسد و من يقبل بها، و المعارضة الساعية للتغيير الحقيقي تأمل بالتزام دولي بالقرارات المعلنة و بوجود حل يدرء شر بقاء النظام و رموزه. بين السكتين تتراوح الآراء الى أن يحين وقت العبور الى ما بعد اللجنة الدستورية.
يمر ذلك للأسف دون ادراك لأسباب هذا التردي، فدأبت تحليلات مآلات الثورة المتعددة، و المكررة على أن تتكىء دوما على العامل الخارجي بتحميل الأمم المتحدة أو المجتمع الدولي لهذا المآل و ذهب البعض لتحميل المبعوثين الدوليين نتاج الخراب الحاصل في سوريا و كأن الأمر بيد شخص أو عشرة أو مئة، و ان كان كل من هؤلاء قام بمهمة لكنها تصب في إطار مسار دولي عام لم يؤدي الى ازاحة نظام الأسد الى هذا اليوم على الأقل، لكن اغفال حقيقة وجود عامل ذاتي سوري ليس محمودا، بل ان انكاره أو الجبن عن مواجهته خطأ جسيم بحد ذاته.
فلا بد من التحلي بالجرأة الكافية و بالابتعاد عن التضليل و ما يستجر وراءه من مديح أجوف و رضى كاذب لطرح هذه العوامل على منابر الحوار و التعمق بها، ليس لجلد الذات بل للتوصيف و العلاج، سعيا لتحقيق أهداف ثورة محقة بما انطلقت به و ان حرفت معظم وسائلها و آلياتها و منها على سبيل المثال لا الحصر:
غياب الفاعلية التنظيمية: تبين بوضوح أثر الخمس عقود الماضية على إمكانية وجود عمل سياسي منتج منتظم فكثير من السوريين يفضلون أرطال الكلام و ساعات النقاش و أسوأ الشتائم و اللحاق كقطيع ببوق طائفي من هنا و آخر قومي من هناك على اتخاذ قرار عملي و منجز بالاضافة الى عمليات التسويف و التأجيل رغم أن الوقت كان أسوأ عامل ضد الحراك السوري و ووقف دوما بمصلحة النظام.
التماهي مع الأسلمة: لم يوفر أحد حجة لتبرير حرف مسار الثورة لصالح النظام، و الذي تم بالتوافق بينه و الدول الغير الداعمة للتغيير في سوريا، بهدف تحويل حراك الشعب المحق للتطرف و الارهاب و تماهى معه كثيرون و استجابوا و حملوا السلاح تحت رايات القرون الماضية، لماذا لم يرفضوا و كم كلفة رفض الانجرار كانت ستكون نسبة الى خسائر اليوم التي تقاس بمليون شهيد و خراب بلد و لما تنتهي بعد.
الباطنية و فقدان الثقة: قلة هم واضحو الانتماءات و التوجهات، فوجود تيارات باطنية تعني أن كل شخص ممكن أن ينتمي لها و يعني أن الثقة مهزوزة بالجميع فإذا أضفنا لها نسبة اختراقات النظام و التي لا تقل عن عشرة بالمئة في كل مجموعة فإمكانية الثقة تنخفض الى أقل من أربعين بالمئة أي أن شخصا من ثلاثة على الأقل يظهر غير ما يعمل لاجله في الشأن السوري.
الفساد والاستنفاع كسلوك مكتسب: ليس من مهرب من الاعتراف مما رأيناه و شهدناه من سلوكيات التغاول على المال، المنصب و الراتب المرافق له، والتي بدت كفاقة عقود لم تنتهي.
ارتباطات مذهبية وقومية: تشهد الثورات و التغييرات السياسية عادة تحالفات، اتفاقيات، مصالح مشتركة و هذا أمر مفهوم، لكن ما شهدته الثورة السورية هو انتماءات فوق وطنية مذهبية كانت أم قومية دفعت بكثيرين للقبول بالارتهان الكامل على حساب مصلحة الوطن السوري لصالح آخر سواء كان أمة قومية أم مذهبية. في حين أن الدول المتدخلة من هذا الباب كانت و لا زالت تتدخل لمصالح أوطانها فقط و لا تقيم وزنا لأي أمة قومية كانت أم مذهبية و لكن كثيرين فضلوا الكذب على أنفسهم لغاية اليوم و سيكذبون في الغد أيضا.
غياب إدراك الواقع الإقليمي و الدولي و انحياز للماضي اكثر من العمل للمستقبل: في انقطاع زمني واضح، يتناول كثيرون القضية السورية من نافذة الخمسينيات متجاهلين أن التغيرات السياسية في المنطقة و العالم و المجتمع السوري تفرض نفسها و تتطلب خطى تبدأ من هنا نحو المستقبل و هو السبيل الأمثل للوفاء لما يستحق الاحتفاظ به من الماضي.
على هذا كله يأمل كل مخلص أن نتجاوز هذه المنطقة العمياء بجهد و عمل يحيلها لمصلحة الشعب السوري و نخرج من دوامة شائكة كثير من جدرانها بنيت بأيدي السوريين و ازالتها ايضا لن تأتي الا بأيديهم.

Social Links: