عندما يتطرّق الحديث إلى موضوع الصورة، يرتسم في مخيلتي مشهدٌ تلفزيوني كوميدي قديم، يَظهر فيه الفنان السوري، فهد كعيكاتي (أبو فهمي)، مع المصور في حالة جدال. يمسك أبو فهمي بالصور التي يقدّمها له المصور، ويقول له: شو هاي بابا؟ مين هادا الشخص البشع الذي في الصورة؟ يقول المصور: هاد أنت يا أبو فهمي. يقول أبو فهمي: بلا مزح بابا. هلق هادا الرجل الكئيب البشع هو أنا؟ فيقول المصور: هذه صورتك؛ ولا تؤاخذني، إذا ربنا خالقك بشع، أنا أيش ذنبي؟!
والواقع أن عملية التصوير، في أيامنا القديمة، كانت لها حكايات، وشجون، وكثيراً ما كان الواحد منا يُمْنَى بصورةٍ لشخص بشع، ومنفّر، ولكنه يشبهه! وأنا أذكر أن عمّتي الكبرى التي تقيم في حلب زارتنا في بلدتنا معرتمصرين، سنة 1968، وإذ رأت صوري التي حَضَّرْتُها من أجل تقديمها للقبول في الصف العاشر، نفرت واشمأزت، وقالت لي: أنت، ما شاء الله، فتى وسيم، تفتح العين من العمى، ولكن مصوّر بلدتكم الذي تعوزه المهارة جعلك تبدو في الصورة وكأنك تعرّضت لتهديد بالضرب، والتهديد سبب لك نوعاً من المغص.. ثم وَعَدَتْني، وأقسمتْ بالله، بأنها ستأخذني، في أول زيارة لحلب إلى المصور الأرميني ديكران، وتصوّرني صورة تُظهر وسامتي في أحلى تجلياتها.
والحقيقة أن المصور الشهير ديكران كان يلعب دوراً معاكساً لدور المصور الذي أظهرَ الفنان أبا فهمي مكتملَ البشاعة، والآخر الذي أظهرني مرعوباً وممغوصاً.. يتفنن ديكران في تجميل الشخص الذي يصوّره. وفي بعض الأحيان، يجعل عينيه زرقاوين، أو خضراوين، مثل نجوم السينما الأميركان.
كانت عملية الحصول على صور شخصية، قبل التطورات التقنية الكبيرة التي شهدها مطلعُ الألفية الثالثة، مسألةً تكتنفها صعوباتٌ جمة، وتستغرق وقتاً طويلاً يمتد بين التقاط الصورة وتحميضها، ثم تسليمها لصاحبها.. وبالنسبة لسكان المدن والبلدات الصغيرة، يتطلب الأمر سفرتين إلى حلب، الأولى لالتقاط الصورة، والثانية لاستلام الصور، هذا إذا لم يحصل طارئ يجعل المرءَ يسافر لأجلها مرة ثالثة!
وكانت الصور، بسبب ندرتها وارتفاع تكلفة الحصول عليها، تُوْلَى الكثير من اهتمام الناس، ولذلك توضع صورُ الرجال أرباب الأسر ضمن إطارات “براويظ” مذهّبة، وتعلق في صدور غرف الجلوس والاستقبال، وقلما توضع صورة لربّة المنزل، أو صورة لها مع زوجها أو ذويها، باعتبار مجتمعاتنا ذكورية، وهي “حرمة”..
مع مرور الزمن؛ أخذت مهنة التصوير تتطوّر. ذات مرة كنت في حلب، ودخلتُ الحديقة العامة، وكانت تُعْرَفُ باسم المَشْتَل، فشاهدتُ مجموعة من الشبان يقفون على نسقٍ بالقرب من تمثال أبي العلاء المعري، القريب من مدخلها الرئيسي، وثمّة مصور جوّال يلتقط لهم صورة، وما أثار دهشتي أن الكاميرا، بمجرّد أن انتهى المصوّر من التقاط الصورة، أصدرت صوتاً يشبه الصفير، تَرَافَقَ مع خروج الصورة الملتقطة من أسفلها.. ومن يومها، سرى بين الناس مصطلح “الصور الفورية”، وأصبحتْ محلات التصوير في كل مكان، حتى في البلدات الصغيرة، تضعُ عند مداخلها إعلانات من قبيل: احصلْ على صور هوية أو صور جواز سفر خلال ساعتين.. وفيما بعد أصبحت الصور تعطى على نحو فوري.
المرحلة الأكثر تطوّراً وتقدّماً يمكن وصفها بكلمة واحدة هي “مذهلة”، فاليوم يحمل كل إنسان في جيبه جهاز هاتف هو كومبيوتر متكامل، مزوّد بشاشة، وكاميرا، وميكروفون، وبلوتوث، وستوديو، وكيبورد، وماوس.. متصل بالإنترنت، يستطيع أن يُصوّر، ويُحمض، ويختار درجة الدّقة التي يريدها، ثم يعالجها فيجعلها ذات طبيعة صيفية أو شتوية، ويعيد تلوينها و”تهشيرها”، ولا يحتاج الأمر منه أن يتركها يوماً أو يومين حتى ينشرها، وإنما يستطيع نشرها على “فيسبوك”، أو “تويتر”، أو “إنستغرام”، ويرسلها إلى مئات الأشخاص، في الدقيقة نفسها.. بعد أن يزوّدها بما يشاء من الصور والفيديوهات. فتأمل!

Social Links: