يتمحور البحث حول إعلان الرئيس ترامب قرار سحب قوات أمريكية مِـن نقاطها وقواعد تموضعها في السرير الشرقي للفرات الأوسط، وانعكاساته على المثلث الواصل بين ظهير القلمون وبادية السماوة وصولاً إلى قاعدة الملك سعود في حفر الباطن التي تشكل الحصن الأهم ونقطة العمليات المتقدمة لأمن العمق الخليجي[1]، أمام طموحات ورثة مشروع تصدير انقلاب خميني، هذا كله ضمن حالة تضخم والتمدد الإيراني في المنطقة المذكورة.
- قرار البيت الأبيض الخاص بسحب قوات مِـن سوريا وأفغانستان
في تصريح مفاجئ أعلن الرئيس الأمريكي قراره بسحب قوات بلاده التي تتموضع في سوريا وأفغانستان[2]، ما أحدث ردات فعل على ما يوصف بِـ السياسات المتطايرة لِـ ترامب[3] ودائرته الضيقة، هذه الردات التي كانت في مستويات داخلية أمريكية، وخارجية دولية أظهرت طبيعة صراع إرادات وسياسة كسر عظم تزداد في صلب الإدارة الأمريكية، أشارت بعض المعطيات إلى أن قرار سحب القوات اتخِذ في مستوى ضيق شارك فيه صهر الرئيس ودائرته[4]، ولم يعرض _أصولاً_ على وزارتي الدفاع والخارجية[5]، ما أظهر القرار كأنه ضغط على خصوم البيت الأبيض في الداخل الأمريكي في الدرجة الأولى، ثم إحداث فجوة في السياسات الدولية.
- استقالة وزير دفاع الولايات المتحدة جيمس ماتيس
يشير قرار الوزير ماتيس الاستقالة في عقب توجه ترامب إلى سحب قوات ـبلاده مِـن سوريا وأفغانستان إلى وجود صراعات تصل إلى حد تصدع في مراكز صناعة السياسات الأمريكية، تنحو بالاتجاه الإجباري للأحداث، وهو انفضاض أقرب حلفاء الرئيس الأمريكي مِـن حوله، وهذا ناجم عن عدم ثقة بالسياسات العشوائية، والارتجالية التي يمارسها البيت الأبيض مِـن ناحية، وعدم رغبة مِـن أصدقاء ترامب ومقربيه في التورط في حربه مع باقي الأجهزة السيادية الأمريكية سواء في مجلسي التشريع، أم الاستخبارات الداخلية والخارجية، وكذلك القضاء.
هذا كله يؤكد سياسة الفعل وردة الفعل التي تعانيها المؤسسات الأمريكية، في محاولة إثبات وجودها أمام انكماش تأثيرها في ملفات دولية حساسة، في حالة “مُحدَثَة” أمريكية لا يعانيها الشرق الأوسط وحده، بل ما خرجت به اتفاقات يالطا بعد الحرب العالمية الثانية، مِـن فرض وجود أمريكي في أوروبا واليابان والكوريتين، بما يخلف فجوات في السياسات الدولية ستتجاوز حالة انهيار القطب الشرقي “مجلس السوفيات الأعلى”، نحو حالة فوضى كبرى غير محسوبة العواقب، وخصوصاً في ظل واقع “سابق” خيم عليه تسليم حكومات، وأنظمة، وكيانات دولية بِـفكرة “الإيمان المطلق” بِـتفوق الولايات المتحدة الذي لن ينتهي.
- سحب القوات الأمريكية (حقيقة إعادة الانتشار مِـن شرق الفرات)
استناداً إلى معلومات ميدانية ستنفذ القوات الأمريكية إعادة انتشار قواعد رئيسة خلفية، وليس الانسحاب انسحاباً كلياً، ونُحَدد معطيات خاصة بِـ مواقع ستخليها القوات الأمريكية كهدف أول:
أولاً- شرق الفرات: تخلي القوات الأمريكية مواقع على الضفة الشرقية للسرير الأوسط في نهر الفرات فقط، من دون أن تشمل القوات كلها الموجودة في شرق الفرات، وستكون العمليات على شكل إخلاء فرق مقاتلة مواقعها داخل أراضي “الدولة السورية”، لمصلحة تعزيز التمركز في بادية إقليم الفرات الأوسط، وغرب دجلة داخل أراضي “الدولة العراقية”.
- قاعدة التنف: تنسحب قوات أمريكية مقابل تعزيز عمقها القتالي والاستطلاعي في قاعدة عين الأسد/ القادسية “صحراء الأنبار”.
2- نقاط الإسناد “الخفيفة والمتوسطة” في محيط الشدادة: تُخلى مقابل تعزيز العمق القتالي والاستطلاعي لقاعدة القيارة في عمق عمليات الموصل/ سهل نينوى.
3- قاعدة ديريك/ المالكية: قامت القاعدة بمهمات تنسيق مع عناصر تنظيم “PKK” المعروف بحزب العمال الكردستاني، وما تزال القاعدة نقطة خلاف ولم يحسم أمر إخلائها.
مناطق الإخلاء في الشمال الشرقي السوري “خط عمليات سنجار” ستؤدي إلى فرض عمق عملياتي وقواعد اشتباك جديدة على أطراف إقليمية منها الجيش التركي الذي سيجر _بهدف المحافظة على أمن دولته القومي_ إلى مواجهةٍ مفتوحة على خط داخلي عميق مع “PKK” من دون أن يغفل عن تنظيف ظهير قواته على محور طويل للعمليات خشية تدميرها مِـن الخلف، وكذلك تثبيت الوضع في كردستان العراق لِمصلحة الاتحاد الوطني الكردستاني، وإجبار بيشمركة “الحزب الديمقراطي الكردستاني/ أنصار مسعود برزاني” على نقل عملياتهم إلى العمق السوري بديلاً من خسارتهم الشمال العراقي.
ثانياً- وسط آسيا: بعد الاتفاق الذي رعته دولة الإمارات، بين الاستخبارات، والجيش الأمريكي مِـن طرف، وممثلي حركة طالبان مِـن طرف آخر، قرر الرئيس الأمريكي سحب جزء كبير مِـن قوات بلاده العاملة في أيساف “قوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان[6]“، وهذا قد يفرض معطيات جديدة منها إجبار مليشيات إيرانية على سحب جزء مِـن جهدها في الشرق الأوسط، لحساب ملء فراغ ناشئ في أفغانستان أوجده الانسحاب الأمريكي وقد يستخدم لتعزيز موقع طالبان، ومعهم التشكيلات كلها ذات البعد “السني” كَـ تنظيم الدولة، وبقايا القاعدة.
الانسحاب الأمريكي مِـن أفغانستان يهدد “فعلياً” اتفاق قزوين[7] الذي بنى تفاهماته على أساس استقرار تؤمنه عوامل عدة منها القوات الأمريكية في أفغانستان التي لا يمكن تعويض فراغها إلا بِإيجاد قوات بديلة لـملء الفراغ الذي يغري الحركات الراديكالية لِاستعادة نشاطها في عموم آسيا الوسطى// أو استرضاء الأمريكان وإبقائهم، مقابل توسيع مصالحهم واستفادتهم مِـن الاتفاق الذي تجاهل مصالحهم في آسيا الوسطى[8]، ويبدو أن لهذا التجاهل أثر في السياسات المالية التي ترسم جزءاً مهماً مِـن طريقة صناعة القرار السياسي لدى إدارة ترامب.
- العلاقة بين سوريا وأفغانستان بِـقرار سحب القوات الأمريكية، وإعادة تموضعها
القرار الأمريكي بسحب قوات وتغيير تموضعها القتالي والاستطلاعي سيؤدي إلى خلق فوضى، وفراغ مدروس في الشرق الأوسط، ووسط آسيا، مع العلم أن الدول المشتبكة، والمشتركة في الملف السوري، هي الدول المشتبكة نفسها، والمشتركة في الملف الأفغاني، وبعبارة أخرى هي ثلاثي آستانة “روسيا وتركيا وإيران”.
القرار في سوريا:
آ- الشمال الشرقي: تغيير نظام نشر القوات الأمريكية لا يشمل سوريا وحدها، بل تغيير قواعد الاشتباك الدولي على عمق الحدود السورية “الشمالية” مع تركيا التي ستجد نفسها مجبرة على الغرق في مستنقع “استدراج” في حال لم تعتمد على تحالفات حقيقية ووازنة على الأرض”.
ب- شرق سرير نهر الفرات وجنوب شرقه: التخلي الأمريكي عن المنطقة المحاذية لسرير النهر في ضفته الشرقية “خط الحدود السوري العراقي” وصولاً إلى بادية الركبان يفتح مجال عودة نشاط حركات هلامية، منها تنظيم الدولة الذي ادخر جزءاً مِـن مجهوده لساعة كَـهذه يملأ فيها فراغاً صحراوياً على مفترق حدود لنظاميين متأكلين، وكذلك يسمح بتحويل المنطقة التي تمتد حتى بادية السماوة “الاستراتيجية” إلى منصة حقيقية لتعبئة الحركات الطائفية التابعة لإيران وانطلاقها باتجاه العمق الخليجي الذي يبدأ مِن مثلث (التنف “السوري”، طريبيل، الكرامة “الأردني”، بادية السماوة العراقية).
القرار في أفغانستان: لا يهدد الحكومة “الهشة” والعاجزة في أفغانستان، بل يشمل وسط آسيا وشرقها كله الذي سيعاني ارتدادات وهزات أمنية ستجبر دولها على إعادة تفعيل علاقاتها مَع تنظيمات راديكالية في وسط آسيا وفتح قنوات تواصل معها، لِـكف جزء مِـن شرها المتطاير.
- الأمن القومي العربي (الخليج ما بعد قرار إعادة التموضع الأمريكي)
لا يبدو الخليج العربي ودوله “إلى الآن” تحت تأثير مباشر لقرار الولايات المتحدة بسحب قواتها مِـن شرق الفرات، ولكن هذا لن يكون في المدى المتوسط والبعيد، لأن الخليج العربي في عين العاصفة القائمة التي يشكل طموح نظام إيران “الشرير” أحد أوجهها القبيحة.
سحب القوات الأمريكية مِـن سرير الفرات يمثل حالة انكماش السلاح البري الأمريكي ونسف نظرية نشر قوة ثقيلة على الأرض بهدف السيطرة المباشرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي الأسبق أيزنهاور “صانع سياسة ملء الفراغ”[9]، ما يعني اتجاهاً إجبارياً لحدث “شرق الفرات” وتخلي القوات الأمريكية عن سيطرتها واستطلاعها في عموم محاور جنوب قاعدة عين الأسد/ القادسية (القاعدة التي ستعيد القوات الأمريكية انتشارها مِـن سوريا إليها بحسب معلومات مصادر عراقية خاصة) وهذا يعني ترك بادية السماوة العراقية ساحة لِـتنظيمات ومجموعات طائفية تنشط في البادية المذكورة التي تعدّ بوابة أمن الخليج وعمقه المتقدم الذي يمنح لأي تشكيلات تتمركز فيه قدرة الوصول إلى مناطق حساسة سواء في الكويت، أم العربية السعودية خصوصاً في نطاق حفر الباطن الذي تشكل فيه قاعدة الملك سعود الجوية نقطة عمليات أمامية.
مع العلم أن تنظيمات راديكالية “شيعية” أمثال حزب الله العراقي تنشط في السماوة، سبق ونفذت فيها عمليات إجرام وخطف[10]، بِسكوت حكومة المنطقة الخضراء أو تجاهلها أو دعم مِـنها.
- إيران ونظامها في القرار الأمريكي القاضي بسحب قوات مِـن سوريا
بِوجهين يأتي قرار ترامب الذي قد تستفيد منه إيران إلى الحد الأقصى، وقد تدفع نتيجته ثمن تمددها غير المنضبط في عمق الأراضي العربية منذ 2003 حتى اليوم، إذ سيستمر إلى أن يجري تفتيته أو يترك ليحقق غايات مشروع خميني في تصدير انقلابه المشؤوم على المنطقة وعلى الاستقرار والسلام الدولي.
الوجه الأول: الانسحاب الأمريكي وإخلاء الساحة الأمامية لإيران في سبيل أن تملأ ميليشياتها الخليج العربي، والأردن بالفوضى كما فعلت في سوريا، ولبنان، والعراق واليمن.
الوجه الثاني: الانسحاب الأمريكي هو اعتراف بعجز أمريكا عن مواجهة إيران وتركها لتتمدد أكثر مِـن حجمها الذي تملكه ما يعني استنزاف قدراتها، وتحول ميليشياتها إلى تنظيمات مستقلة تهدد وحدة النفوذ الإيراني في المنطقة، ويعني موتاً سريرياً لِمشروع تصدير الانقلاب.
في الحالتين كلتيهما العرب هم الدافع الأكبر لِفاتورة الفوضى الدموية، ومعهم شعوب المنطقة، وبناءً على الحالتين السابقتين تكون أي محاولة دفع “مِـن دول عربية” لملء الفراغ الأمريكي بتشكيلات قبلية، أو مليشيات تتبع لِأنظمة الحكم في سوريا والعراق “بهدف منع تمدد داعش وأخواتها” هو خدمة جديدة لإيران التي يراها مراقبون أنها الأب الفعلي للتنظيمات الشريرة كلها مِـن أي مذهب أو طائفة.
وبهذا يكون خيار دعم التوجهات الدولية لفرض تسوية تفضي إلى تقليم أصابع إيران في سوريا، وإطاحة ذراعها المتمثلة في نظام آل أسد، خياراً سليماً، وقانونياً ومنهجياً يشكل حجر زاوية في السماح للدولة السورية باستعادة عافيتها عبر التفاهم مع كل مكونات الدولة “الجديدة”، وسحب أي ذريعة للتطرف، وكذلك الأمر في العراق الذي تشهد ساحته تفككاً وضياعاً تاماً لبوصلة الحكم التي تمثلها مجموعات الأحزاب الإيرانية القابضة على مفاصل الدولة الميتة.
وعليه: يبقى القرار الأمريكي المتمثل في السياسات المُحدَثة التي يطلقها الرئيس ترامب عبر قراراته التنفيذية المتطايرة “بحسب مراقبين”، غير واضحة الأهداف، وتترك مجالاً لخيارات متعاكسة تجعل الحلفاء والخصوم في حالة ترقب وشد يؤثر في مجمل السياسات الدولية ذات الشكل الثابت منذ انهيار جدار برلين.

Social Links: