
يعيش العالم مرحلة مخاض عسيرة بعدما ما بدا واضحا أن النظام الليبرالي الذي سطر طيلة عقود السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدول قد وصل إلى مرحلة الانهيار، مما يستوجب البحث عن بدائل يكون في مقدمتها سنّ نظام جديد يتكيّف مع متطلبات الفئات الضعيفة والمهمشة. ولئن تعدّدت أسباب الاحتجاجات فان كل شعاراتها بدت موحّدة في كل الدول التي تعيش على وقع مظاهرات شعبية تطالب بتحسين الأوضاع الاجتماعية، فان الفاعل الرئيسي في تأجيجها لم يكن كلاسيكيا قائما على مطالب البروليتاريا بل على فئة أخرى هي البريكاريا التي تثور ضد سياسات أقصتها ولم تؤمّن لها عملا مستقرا يضمن لها مقوّمات الحياة.
تونس – تنوعت التوصيفات التي أطلقت على الحركات الاحتجاجية التي اجتاحت عددا من دول العالم، بمختلف قاراته، وبشقيه المتقدم والنامي، والعربي والغربي، من فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية إلى إيران والسودان ولبنان العراق والأردن وتونس، وحتى أميركا دخلت دائرة الحنق الشعبي من سياسات الحكومة والضرائب وقوانين الرعاية الصحية، وغيرها كثير من الدول التي تعلو وتنخفض فيها موجة الغضب الشعبي، إلّا أنها تلتقي كلها ضمن مظهر مشترك يرتبط بما أطلق عليه جاي إستاندينج الأستاذ بجامعة باث البريطانية، غضب “البريكاريا، هذه الطبقة الجديدة الخطيرة”.
يعرّف إستاندينج البريكاريا بأنها طبقة وسطى، برزت من الانفتاح الذي عززته العولمة، تتألف من عدد كبير من الأشخاص غير المستقرين، الذين لا يمتلكون وظائف قارّة. والملايين من الشباب المتعلمين المحبطين، غير الراضين عن أوضاعهم، والملايين من النساء اللواتي يشعرن بالظلم، والملايين من المصنّفين ضمن فئة “المعوقين”، والملايين من المهاجرين في جميع أنحاء العالم، والملايين من الذين يشعرون أن حقوقهم الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية مهدورة، وأنهم أغلبية مقهورة. ومازالت هذه الطبقة اليوم في طور التكوّن، وهي مقسمة داخليا إلى عدة فئات غاضبة.
هذا الإحساس يجمع بين مختلف المحتجين في العالم ضدّ سياسات الحكومات التي تثقل كاهلهم بالضرائب وتجعلهم غير قادرين حتى على توفير المتطلبات الحياتية. ويحذر جاي إستاندينج، في كتابه الطبقة الجديدة الخطيرة، “لأول مرة في التاريخ، ليس لدى اليسار أي أجندة تقدمية. لقد نسي مبدأ أساسيا. لقد تم بناء كل حركة سياسية تقدمية على غضب واحتياجات وتطلعات الطبقة الرئيسية الناشئة. اليوم، هذه الطبقة هي البريكاريا. ويجب على السياسيين الحذر، إذ أنّ هذه الطبقة الجديدة خطيرة، وأن يستجيبوا بشكل أفضل لمطالبها إذا ما أرادوا تجنّب عواقب وخيمة”.
من البروليتاريا إلى البريكاريا

لئن دأب العالم منذ عقود على أن تكون طبقة البروليتاريا، الطبقة العاملة الصناعية التي أسست ديمقراطية القرن العشرين الاجتماعية، فاعلا رئيسيا في كل تحرك أو انتفاضة أو ثورة، فإن الحراك الذي يربك النظام العالمي والدول اليوم تقوده طبقة البريكاريا. وعلى عكس البروليتاريا، تُعرّف علاقات الإنتاج في فئة البريكاريا من خلال شعار “الجهد في العمل” الواسع، مع مجموعة متنامية من الأنشطة غير المدفوعة الأجر التي تعتبر ضرورية إذا ما أرادت الاحتفاظ بالوظائف والحصول على دخل محترم.
شاركت طبقة البريكاريا في أوروبا في معظم مسيرات “أورو ماي داي”، ونظمت بعض الاحتجاجات. لكن هذا النشاط أصبح يتغير بسرعة، كما هو الحال في إسبانيا واليونان، في أعقاب الانتفاضات التي تقودها البريكاريا في الشرق الأوسط، والتي تعمل على تحديد مطالبها.
من أحدث الدلائل، التي تشير إلى تشبث الحاملين لفكرة البريكاريا بوجوب تحسين أوضاعهم، تمثل في إقدام العشرات من المحتجين التونسيين على قطع مسافة 350 كيلومترا سيرا على الأقدام من مدينة المكناسي التابعة إلى محافظة سيدي بوزيد (وسط غرب البلاد) إلى العاصمة تونس للمطالبة بحقهم في العمل إثر نجاحهم في اختبارات توظيف منذ أكثر من عام.
في تونس، التي كانت منطلقا لثورات الربيع العربي في يناير 2011، تبلغ نسبة البطالة قرابة 15 بالمئة ويناهز عدد العاطلين العمل 650 ألفا أكثر من ثلثهم من حاملي الشهادات العليا. ويعتبر العديد من الخبراء، أن هؤلاء العاطلين عن العمل هم من كانوا وراء تأجيج الثورة التونسية، إلا أنهم لم يجدوا هياكل أو نقابات تدافع عن مطالبهم ولذلك يحاولون دائما الاحتجاج بابتكار أسماء متنوعة ومختلفة لحركات احتجاجية بسبب شعورهم بالإحباط الناجم أساسا من إدراكهم أن فئات أخرى ركبت على ثورتهم فحسّنت أوضاعها وضاعفت أجورها على عكس ما حصل معهم تماما حيث بقي أغلبهم فاقدا لعمل آمن.

ويستدل العديد من المراقبين على ما يحصل في العالم من بوادر ثورات اجتماعية للتأكيد بأن البريكاريا توسعت أكثر فأكثر في السنوات الأخيرة بسبب عدم تحوّل الحكومات بتوفير فرص عمل إلى حقيقة.
ومن أهم الأدلة على كل هذه التطورات أن التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية كشف في مطلع عام 2018، أن نحو 200 مليون شخص في العالم لا يتمتعون بعمل أمن ومستقر، في حين يظل نحو 4 مليارات شخص دون أي ضمانات اجتماعية أو صحية أو إعانات لمواجهة المرض والفقر والعوز، بحسب ما تشير إليه تقارير منظمة العمل الدولية.
وأظهر أحدث استطلاع للرأي عقب تحركات حركة السترات الصفراء في فرنسا أن ثلاثة أرباع الشعب الفرنسي ليس سعيدا بالطريقة التي يدير بها الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته البلاد، وأن أغلبية تريد أن ترى مزيدا من الإجراءات لتحسين دخول الأسر.
وعلى الرغم من أن التحركات الاحتجاجية التي عاشت على وقعها جل المدن الفرنسية كانت مؤطرة من نقابات ومن قبل حركة السترات الصفراء، إلا أن كل الدلائل تشير إلى أن موجة الغضب المتنامي على السياسات الليبرالية الكلاسيكية في فرنسا هي نابعة بالأساس ممن يطلق على تسميتهم الفقراء البيض وهم السكان الأصليون الفاقدون لفرص عمل آمنة.
ورغم أن فرنسا تعد مزيجا من الجنسيات بسبب هجرة العديد من الوافدين عليها طلبا للشغل، فإن أحدث بيانات العمل الفرنسية تؤكّد أن إجمالي عدد العاطلين في فرنسا يقارب الثلاثة ملايين عاطل وهو رقم ضخم في بلد يعد من أكبر القوى العالمية اقتصاديا وسياسيا.

وبنفس النسق تقريبا، تغذّت مخاوف الديمقراطيين في الولايات المتحدة من مخاطر ثورة الطبقة المتوسّطة والفاقدة لفرص عمل إزاء سياسات الرئيس دونالد ترامب الموغلة في الرأسمالية الليبرالية. وأكدت هذه التحديات الديمقراطية نانسي بيلوسي فور عودتها التاريخية إلى رئاسة مجلس النواب الخميس، بحصولها على موافقة الأغلبية الجديدة يقولها إنها ستسعى على عكس سياسات ترامب إلى حماية الطبقة المتوسطة.
في إيران أيضا، وإن اختلف السياق الخاص بخصوصية النظام الديني، فإن السياق العام للاحتجاجات التي تشهدها البلاد منذ نهاية العام 2017، لا تختلف عن نظيراتها في العالم، من حيث التنديد بالغلاء والفساد والسياسات الخاطئة.
وفي إيران تحديدا، يتوضح معنى ما ذهب إليه جاي إستاندينج، بأن انعدام الأمن الاقتصادي قد يقود هذه الطبقة إلى القيام بأي شيء، وهو ما حدث في إيران حين تجاوز المحتجون الخطوط وتحدي الآلة القمعية للباسيج والحرس الثوري بالدعوة إلى إسقاط نظام المرشد الأعلى في سابقة نادرة منذ اندلاع الثورة الإسلامية في إيران قبل ثلاثة عقود.
وتسعى الفئات الشابة الفاقدة لفرص عمل إلى إحداث تغيير لأن صبرها نفد من وعود حكومة طهران، وهي لا تختلف عن فئات أخرى في مختلف أنحاء العالم حيث يسود الشعور بعدم الأمان الاقتصادي. ويشير جاي إستاندينج إلى أن انعدام الأمن يعزز التطرف، بكل أنواعه.
وعلاوة على المخاطر التي تمثلها هذه الطبقة الجديدة على مستقبل النظم السياسية الحاكمة في العديد من البلدان، فإن أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية المتردية أدت وفق العديد من الباحثين في علم الاجتماع إلى انسياق أعداد كبيرة من أفراد البريكاريا وراء مخاطر أخرى يبقى من أهمها الانتماء إلى تنظيمات إرهابية أو عصابات إجرامية.
ويفسر علماء الاجتماع، نزعة العنف بشعورهم بالإحباط واليأس ورغبة في الانتقام لا من منظومة الحكم فحسب بل من الدولة التي لم تنجح في تأمين فرص عمل آمنة وغير هشة.
مجتمعات السوق المفتوحة
لئن تختلف تسميات البريكاريا من دولة إلى أخرى، وتتنوع شعارات الاحتجاجات من مجتمع إلى آخر، يوجد إجماع لدى العديد من المتابعين لنسق تطورات الأحداث في العالم أن كل شعارات التحركات الاحتجاجية بها بصمات البريكاريا التي باتت تصنّف في كثير من الدول على أنه تهديد لأمن البلاد.
وأصبحت أوضاع فئة البريكاريا تشغل حيّزا مهما من اهتمامات المعنيين بالتخطيط للسياسات الأمنية، خاصة في بعدها الاجتماعي، ويتم إدراج تضخم هذه الفئة، ضمن قائمة التهديدات الأمنية التي ستتعرض لها الدول الأوروبية، خاصة في ظل عدم استقرار الأوضاع الاقتصادية بها.
وعلى عكس التصنيفات الكلاسيكية، للطبقات الاجتماعية فإنه يصعب وفق العديد من المفكرين تصنيف أفراد طبقة البريكاريا، حيث يصفهم جاي ستاندينج بأنهم “لا ينتمون إلى أي مجتمع مهني أو حرفي. ليس لديهم ذاكرة اجتماعية، ولا آمال مستقبلية كما أنهم يلقون اللوم على الحكومة العاجزة عن توفير الأدنى المطلوب لضمان فرص عمل آمنة لهم”.
ويضيف جاي ستاندينج “نحن بحاجة إلى أن نكون جريئين، وأن ندرك أنه في مجتمعات السوق المفتوحة التي يكون فيها العمل المرن غير المستقر أمرا شائعا، فإن انعدام الأمن الاقتصادي، وهو أمر لا يمكن تحمله، لن يساهم في إيصال التأمين الاجتماعي ولا المساعدة الاجتماعية إلى البريكاريا”.

ويرى أن السبيل الوحيد لتوفير الأمن الاقتصادي الكافي هو من خلال توفير دخل أساسي لكل مقيم قانوني في المجتمع، كما أن الطريقة الوحيدة للحد من عدم المساواة في الدخل في مجتمع السوق المفتوح هي ضمان التوزيع العادل لرأس المال.
وكما جاء في الكتاب، فإن جودة الوقت هي إحدى العوامل المهمة. نحن بحاجة لسياسات لتحقيق المساواة والوصول إليها. لا يوجد سبب لوجود مجتمع يتمتع فيه الأثرياء بالنصائح الفنية حول كيفية إدارة حياتهم بشكل مربح بينما لا تستطيع هذه البريكاريا التمتع بذلك. هذا شكل من عدم المساواة الهيكلية، غير المستمدة من الجدارة أو الكسل.
ويطرح ستاندينج عدة أسئلة، تطرحها أيضا فئات المحتجين والغاضبين بمختلف اللغات والشعارات: لماذا يمكن للنخبة الوصول إلى الكثير من مساحة الجودة بينما تواجه البيروقراطية انكماشا ثابتا في الفرص؟ ولماذا تتعرض البريكاريا للدمار في حين أن الأثرياء يتمتعون بالحماية؟ في خفض الإنفاق العام في المدن في الولايات المتحدة، فإن بعض خدمات مكافحة الحرائق تقيّد نفسها بحماية المؤمّن، تاركة الأشخاص غير المؤمّن عليهم ليحترقوا. لماذا يمكن للسلطة الحصول على ائتمان أرخص بكثير من تلك التي لا تحتوي على عقود عمل طويلة الأجل؟ نحن نعرف الأسباب وتلاحظ فئة البريكاريا ذلك مع غضب متزايد. يجب على السياسيين أن يستجيبوا بشكل أفضل إذا ما أرادوا تجنب عواقب وخيمة.
فقد معظم الديمقراطيين الاجتماعيين في العالم رؤيتهم الشاملة. تلاءمت خطاباتهم في القرن العشرين مع صور مجتمع صناعي مغلق، وليس مع مجتمع مفتوح تنخرط فيه نسبة متزايدة من الفئات الاجتماعية. ومع تعقّد الوضع الاقتصادي العالمي وعجز الساسة على ابتكار مفاهيم وبدائل جديدة تحل محل الليبرالية التي ساهمت بالنهاية في مسح المجال للأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية في أوروبا والغرب أو الأحزاب الدينية الإسلامية في الدول الإسلامية، فإن كل بوادر
وشعارات التحركات الاحتجاجية تشير إلى أن طبقة البريكاريا، مصممة بوعي أو بغير وعي، على لعب دور مفصلي في تغيير النظام العالمي الذي جعل منها طبقة معزولة يصعب حتى تصنيفها ضمن الطبقات الكلاسيكية المتعارف عليها في كل العالم.

Social Links: