زياد الرحباني عبقري أم مسخ؟- سامر كعكرلي

زياد الرحباني عبقري أم مسخ؟- سامر كعكرلي

انتشر منذ أيام مقطع فيديو يتضمن ما قيل أنه أوبرا لحنها زياد الرحباني، تتكلم عن أمجاد حسن نصر الله أمين عام حزب الله اللبناني، وصحيح أن القناة التي نشرت هذا المقطع عادت ونفت بأن تكون الأوبرا من تلحين زياد الرحباني، وأن الأمر لا يخرج عن البربوغندا الدعائية لحزب شمولي مثل حزب الله اللبناني، ولكن ذلك لم يمنعني من العودة للمواقف السياسية والأخلاقية لهذا الشخص المنتمي لعائلة الرحباني، الذي يزعم بأنه يحمل الفكر الملحد والتي تتلخص بتأييد حزب الله الذي لا يخفي انتمائه لفكر ديني متطرف وفكر ولاية الفقيه.
بالطبع عندما نقول أو نشرح ظاهرة الرحابنة في لبنان، لا يمكن بحال من الأحوال النيل من عبقري هذه العائلة المرحوم “عاصي الرحباني” الذي أسس دون أن يرغب أو أن يدري لظاهرة الرحابنة في لبنان، وبالطبع فإن السيدة فيروز كانت أداة جيدة استخدمها عاصي في مشروعه الفني الذي يتوافق مع رؤيته السياسية، التي هي بكل تأكيد بعيدة كل البعد عن الطائفية، وملتزمة كل الالتزام بقضايا الناس من كرامة وحب، فمن يسمع أعمال “عاصي الرحباني” سواء مسرحيات أو سكيتشات أو حتى أغاني منفردة لا بد من أن يلمس هذه النزعة الإنسانية.
أما فيما يتعلق بظاهرة الرحبانيات فلذلك كلام أخر لا يمكن فصله عن الواقع السياسي في لبنان عند استقلاله.
فعندما استقل لبنان في عام 1946، ظهرت في المجتمع اللبناني مشاكل كانت تتصنع وتختمر خلال سنوات الانتداب الخمس والعشرون سنة، وربما منذ أحداث عام 1860 في لبنان، ومن أهم تلك المشاكل كان موضوع انتماء لبنان، فقد انقسم اللبنانيون لفريقين الأول ينادي بضرورة انتماء لبنان سياسياً واجتماعياً واقتصادياً للدولة الأم سورية، مما يعني الانتماء للمحيط العربي، وكان هذا الفريق بغالبيته الساحقة من مسلمي لبنان، وبين فريق أخر يصر على خصوصية لبنان وعلى ضرورة تمييز تلك الخصوصية، وكان هذا الفريق بغالبيته من مسيحي لبنان وبالتحديد الموارنة، وبدون الدخول بتفاصيل هذا الخلاف ،فقط بات معروفا” للجميع بأنه قد حَّسم لصالح الفريق الثاني وذلك عبر ما بات يعرف بالصيغة اللبنانية، التي قد تظهر بأنها حلاً وسطاً ما بين الفرقين، ولكنها بالحقيقة منحت الفريق الذي كان ينادي بخصوصية لبنان المساحة الأكبر في لبنان في كافة المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ونتيجة لذلك ظهرت ما بات يعرف بالمارونية السياسية، والتي تمثلت بعائلات ارستقراطية مثل عائلات الجميل وفرنجية وشمعون والتي سيطرت على كافة مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والإعلامية في لبنان.
هذه المارونية السياسية لم تكتفي بانتصارها بموضوع تحديد هوية لبنان، ولكنها بدأت تبحث عن أدوات لتكرس هذه الهوية، ومن تلك الأدوات التي وجدتها على سبيل المثال شجرة الأرز الحراجية، والتي أسموها “أرزة لبنان” فبدؤوا النفخ بهذا الرمز والتغني به، حتى أصبح يظن الشخص بأن هذه الشجرة لا تنمو سوى في لبنان، مع العلم بأن شجرة الأرز هي شجرة حراجية تنتشر في كافة الدول المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط، ولعل عدد الأشجار المتواجدة في غابات سوريا شمال مدينة اللاذقية تعادل أضعاف أعداد تلك الشجرة المتواجدة في لبنان، وأيضاً توجد هذه الشجرة في الجزائر المغرب بمساحة ربما تفوق كل مساحة لبنان.
وأيضاً من الأدوات التي استغلتها المارونية السياسية في ترسيخ خصوصية لبنان عائلة الرحباني ، حيث جعلت من نجاح عاصي الرحباني وفيروز وانتشار أعمالهم على كامل مساحة الدول العربية ظاهرة لبنانية خاصة وأطلقوا عليه “الرحبانيات” وبدأ إعلامهم بتكريس هذا المفهوم، وبالطبع كان من المهم عند المارونية السياسية التركيز على أن هذه الظاهرة هي ظاهرة لبنانية مسيحية بالتحديد، ولذلك عملت على استبعاد كل شخص حاول دخول هذه الظاهرة ولم يكن مسيحيا، والأمثلة كثيرة على ذلك مثل استبعاد “عصام رجي”،و”محمد جمال”، و”طروب”، أما المبدع “نصري شمس الدين” فلم تستطع المارونية السياسية إقصائه عن هذه الظاهرة، ولكن عملت كل وسعها للتقليل وجوده، أو التغطية عليه عبر شخص أخر، وأسند هذا الدور لوديع الصافي الطائفي بامتياز ( لا يمكن نسيان مواله الشهير عن المارونية). وبالطبع ما يبنى على باطل فهو ليس باطلا” فحسب بل هشا” ودليل ذلك انفراط عقد عائلة الرحباني وانغماسهم بكثير من الفضائح بعد موت عاصي ومنصور الرحباني.
وبالعودة لزياد الرحباني وإن أدعى بأنه ينتمي لفكر شيوعي أممي فهو لا يخرج عن كونه منتج من منتجات المارونية السياسية، التي عملت على تحويله من مجرد ابن المبدع عاصي الرحباني (والمتلصص على خصوصيات أبيه كما اعترفزياد بذلك في أحد لقاءاته) إلى فنان تربى ضمن أسرة فنية، ولكنه لم يستطع أن يرتقي أخلاقياً وسياسياً لمستوى المبدع عاصي، على الرغم من محاولاته التي بدأها في سبعينات القرن الماضي ببعض السكيتشات والمسرحيات ((نزل السرور، بالنسبة لبكرا شو..) التي سطا فيها على آلام ومعاناة الشعب اللبناني وطبعاً تطرق للاحتلال السوري للبنان ونقده بطريقة تذكرنا بطرق “دريد لحام” الذي سطا على فكر المبدع “محمد الماغوط” وقام ببعض الأعمال الفنية الناقدة بطريقة ساخرة سمجة أصبحت مادة لتندر السوريين، الذين أطلقوا على تلك الأعمال مصطلح “تنفيسات دريد اللحام” وكذلك كانت أعمال زياد الرحباني “تنفيسات” للمجتمع الذي يعاني من أهوال الحرب ومن إجرام جيش الأسد، وكما حظي “دريد لحام” بحماية حافظ الأسد يبدو أن “زياد الرحباني” قد حظي بنفس الحماية، وإلا كيف يفسر سكوت نظام الأسد على انتقادات زياد الرحباني له وهو الذي كان يعتبر لبنان مسرحاً لتصفية معارضيه ومنتقديه الذين يشكلون خطراً وجودياً عليه حيث أنه لم يترك صوتاً حراً إلا وقام بتصفيته بدأً من الزعيم “كمال جنبلاط” و”حسين مروة” و”مهدي عامل” وانتهاءً بالشهيد رفيق الحريري.
وبعد وفاة عاصي الرحباني اعتبر زياد نتاج والده الفني إرثاً له بطريقة توحي بالإفلاس الفني فقام بالسطو على هذا على هذا الإرث الحضاري الفني الرائع ليعبث فيه تلحناً ليزود جملة موسيقية هنا أو إدخال مؤثر صوتي مشوهاً بذلك بعض ما أنتجه والده، وبطبيعة الحال وفي زمن الانحطاط الأخلاقي الناتج عن الاستبداد فإن هذا التشويه كان يلاقي جمهوراً يصفق له. حتى حين قام زياد بعمل مستقل (( وللأمانة نجح ببعض محاولاته))، فأنه لم يفلح سوى بالحول من (( يا حرية يا زهرة نارية يا طفلة وحشية يا حرية)) التي أبدعها عاصي الرحباني إلى (( كان غير شكل الزيتون كان غير شكل الصالون)).
ومن هذا الفهم لظاهرة الرحابنة ومدى تضخيم حجمها يمكننا فهم المواقف السياسية لأفراد هذه العائلة ومنهم زياد الرحباني كأحد أفراد هذه الظاهرة، ويمكننا أيضاً فهم تأييد هذا الشخص المطلق لحزب إرهابي كحزب الله الذي أمعن في قتل أطفال سوريا، والذي منذ فترة قريبة اقتحمت مجموعة “التعبئة الطلابية” التابعة له لجامعة بيروت لتمنع أغاني السيدة فيروز ضمن الجامعة. ويمكننا أيضاً فهم تصريح زياد الرحباني الذي تسبب بخلافات مع والدته عندما قال بأنها تؤيد حسن نصر الله ، مع العلم بأن السيدة فيروز وبشهادة الجميع لم يعرف لها أي تصريح تؤيد به زعيما عربياً ليحاول زياد بذلك جر السيدة فيروز لموقفه السياسي لإحساسه بأنه صغير أمام عملاقين كعاصي الرحباني والسيدة فيروز لينطبق عليه حرفياً المثل القائل: ((سألوا البغل من تكون فقال الحصان خالي)).
سامر كعكرلي
17/01/2019

  • Social Links:

Leave a Reply