كثر الحديث في الأشهر الأخيرة عن إمكانية عودة النظام السوري إلى حضن الأنظمة العربية، خاصة الخليجية التي طردته عام 2012 على إثر ممارساته الوحشية بحق الشعب السوري، وعدم استجابته للمطالب العادلة للشعب السوري بالحرية والكرامة. وتتعلق أهمّ الشروط التي تمّ الحديث عنها لعودته، بإمكانية الحد من نفوذ النظام الإيراني في سورية، وسحب القوات العسكرية للميليشيات الشيعية الموالية من الأراضي السورية.
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن حول هذا الموضوع بداية: هل يستطيع النظام السوري، بتركيبته السياسية والعسكرية والاقتصادية الحالية، الخروجَ من حضن النظام الإيراني إلى حضن الأنظمة العربية؟ وللإجابة عن هذا التساؤل؛ لا بدّ من العودة قليلًا إلى تاريخ العلاقة بين النظامَين السوري والإيراني، وبالتحديد إلى عام 1979 سنة، عام وصول الخميني إلى السلطة في إيران، حيث كان النظام السوري في عهد الأسد الأب أول نظام في العالم يعترف بنظام ولاية الفقيه الإسلامي الجديد، متخذًا الطابع الاستراتيجي للعلاقة بين النظامين، من خلال التعاون في المجالات كافة، ولا سيّما العسكرية والأمنية، بعد أن بدأت تبرز العداوة بين النظام العراقي والسوري البعثيين.
مع اندلاع الحرب الإيرانية على العراق، وقف النظام السوري -بكل طاقاته الاقتصادية والسياسية والإعلامية والعسكرية- إلى جانب النظام الإيراني متفردًا عن بقية الأنظمة العربية كافة، التي وقفت إلى جانب العراق، وكل المحاولات العربية، وبخاصة الخليجية، من تقديم رشاوى مالية واقتصادية وسياسية وعسكرية، لثنيه عن تحالفه الاستراتيجي مع النظام الإيراني في هذه الحرب، باءت بالفشل.
في عام 1982 في أثناء حرب “إسرائيل” على قوات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، ومن ثم خروجها من لبنان إلى عدة دول عربية، لعب النظام السوري الدور الرئيس في تأمين وتسهيل وصول مجموعات الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان عبر البوابة السورية، التي شكلت ميليشيات ما يسمى “المقاومة الإسلامية” من قبل “حزب الله”، التي عمدت إلى تهميش القوى الوطنية اللبنانية الأخرى، إلى أن أصبح لبنان تحت وصاية ميليشيات “حزب الله” لصالح الأجندات العسكرية والسياسية للنظام الإيراني والسوري.
مع اندلاع حرب الخليج الثانية ضد العراق عام 1991، بهدف تحرير الكويت من قبل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ومشاركة قوات النظام السوري فيها، ورفض النظام الإيراني المشاركة فيها كونها بقيادة الولايات المتحدة الأميركية كما زعم؛ لم يهتز ذاك التحالف الاستراتيجي بينهما، مع كل السخاء الخليجي الذي قدم للنظام السوري خاصة ما سُمّي “إعلان دمشق”، وهو عبارة عن تحالف عربي يضم دول مجلس التعاون الخليجي الستة ومصر وسورية (6+2) عام 1991 متضمنًا الدعوة لفكرة الأمن العربي الجديد، وخلافًا للدول العربية المشاركة، لم يراهن النظام السوري على هذا التحالف العربي، واستمرّ في تحالفه الاستراتيجي مع النظام الإيراني، فالأهداف الرئيسية لهذا التحالف -بالنسبة إلى النظام السوري- كانت الحصول على مزيد من المساعدات المالية والاقتصادية من الدول العربية الخليجية، مقابل قيامه بلعب دور الوسيط والمبتز في الوقت نفسه بين دول الخليج العربي والنظام الإيراني في كبح الأطماع الإيرانية في دول الخليج العربي، كما كان يدعي، وهذا دليل راسخ على تماسك العلاقة الاستراتيجية بين النظامين.
في مرحلة الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، تعززت العلاقات بين النظامين، وتقاسما الأدوار في العراق في دعم الميليشيات الشيعية الموالية للنظام الإيراني التي سيطرت على العراق فيما بعد، وما زالت حتى الآن، حيث ردت له الجميل فيما بعد في مشاركتها في حربه ضد شعبه السوري في السنوات السبع الأخيرة.
مع اندلاع الثوة السورية 2011، اتخذ النظام الإيراني موقفًا مختلفًا عن مواقفه من الثورات العربية الأخرى التي سبقتها، فقد أعلن المرشد الأعلى للنظام الإيراني أن التظاهرات في سورية تختلف عن تلك التظاهرات التي شهدتها بقية الدول العربية، التي اعتبرها تظاهرات شعبية محقة، بينما عدّ أن الثورة السورية مؤامرة أميركية صهيونية، تهدف إلى كسر تحالف المقاومة والممانعة في المنطقة، وكاد النظام السوري أن يصل إلى حافة السقوط، لولا وقوف النظام الإيراني إلى جانبه بكل قواه السياسية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية، التي كانت الأكثر فاعلية في استمرار النظام على رأس السلطة، حيث أعلن أكثر من مسؤول إيراني عن الضرورة الاستراتيجية التي تقف وراء دعم النظام السوري بهذه الفاعلية، واعتبر أن الأمر يدخل ضمن الاهتمام الاستراتيجي بالمنطقة العربية التي تمتد من العراق الذي يحكمه نظام موال للنظام الإيراني مرورًا بسورية التي يحكمها نظام حليف استراتيجي وموال أيضًا، وصولًا إلى لبنان حيث ميليشيات “حزب الله” التابعة لنظام ولاية الفقيه، التي تأتمر بأمره ولها السيطرة الفعلية على لبنان، والدليل على ذلك تصريح رجل الدين مهدي طيب عام 2014: “إذا هاجمنا الأعداء، وكانوا يريدون احتلال سورية أو محافظة خوزستان أيضًا، فالأولية الدفاع عن سورية قبل خوزستان، لأننا إذا حافظنا على سورية، بإمكاننا استعادة خوزستان أيضًا، ولكن إذا فقدنا سورية فلن يمكننا أن نحافظ حتى على طهران”.
لقد أنفق النظام الإيراني عشرات المليارات لإنقاذ النظام السوري من الانهيار، فضلًا عن الخسائر البشرية بآلاف الجنود والضباط، بل أصبح لديه جيش من الميليشيات العسكرية الشيعية في المدن السورية كافة، وصولًا إلى تمثيل النظام السوري في المؤتمرات الإقليمية والدولية سياسيًا، وما مشاركة النظام الإيراني في مؤتمرات أستانا إلا خير دليل على هذا التمثيل.
يرى النظام الإيراني في سقوط النظام السوري، وقيام نظام ديمقراطي سوري بدلًا منه، سقوطًا لمشروعه السياسي العقائدي الديني في المنطقة العربية، لذلك قدم كل ما يستطيع تقديمه لبقاء هذا النظام السوري على قيد الحياة.
بالمقابل، لن يتخلى الأسد عن حضن النظام الإيراني، بعد أن جربه في حربه ضد شعبه، وقد وجده دافئًا وسخيًا جدًا في العطاء، طوال السنوات السبع، وبالتالي سيحاول -بكل إمكاناته- الحفاظ على هذا التحالف كحالة من الزواج الأبدي، إذا صح التعبير، ولا انفصال بينهما دون وفاة أحدهما، بينما في الوقت نفسه يسعى ويتوق إلى العودة إلى حضن الأنظمة العربية، ما دام هناك رشاوى مالية واقتصادية يحصل عليها، إنه كحضن زواج المتعة، إن صح التعبير، يغادره متى انتفت مصلحته فيه، أو تعارض مع تحالفه الوجودي مع النظام الإيراني.

Social Links: