فى حين أن حركة المثقفين نسبية لكن حركة الشعب خالدة. المثقفون يناضلون لفترة تبعاً لطاقاتهم ومستوياتهم الفكرية وارتباطاتهم الطبقية، لكن نضال الناس العاديين لا يتوقف، رغم أن المظهر السطحي والمرئي لحركة التاريخ بأن المثقفين هم الذين يصنعون التاريخ.
إن المثقفين وهم يتحركون على مسرح التاريخ المشاهد يجذبون الناس العاديين للنضال، تحدوهم دوافع شتى منها ما هو مليء بالتضحية ومنها ما هو مختلط بالأنانية .
ومنهم وهم الأغلبية من يتوهم انه يصنع الأحداث وهو الذي يفجر الثورات، لأنه في حالة التضحية ونكران الذات، يمتزج عرقه بعرق البسطاء الذين ينفضون الذل عن اكتافهم، ويقدم قطرات دمه التي تمتزج بسيول دماء الشهداء والضحايا، وفي غمرة ذلك يقوم الناس برفعه على أكتافهم، وجعله زعيماً، فمن هؤلاء المثقفين من ينسى هذا العرق والدم الممزوجين بينه وبين الناس، فيتوهم وهم الأكثرية انه هو الذي صنع الناس، وصنع التاريخ.
وهذه الأغلبية من المثقفين هي أغلبية مريضة، تتشكل أمراضها في توقف تضحيتها، وتوقف التضحية تتشكل بألوان شتى، منها الكسل الفكري وعدم رغبة (القائد الكبير) في القراءة وتطوير نفسه ثقافياً، واتجاهه إلى الملذات وبحبوحة العيش بشكل كبير، وهذه لها فواتيرها المادية وانشغالاتها، بحيث إن القائد ينعزل عن مجرى التضحية الشعبي، الذي شارك فيه سابقاً، وان مطالب زوجته أو زوجاته وبيوته، تجعله يبحث عن المال أكثر من اهتمامه بمعاناة الشعب. أو ربما يكون هذا القائد أو المثقف امرأة لها أسبابها الأخرى في الانقطاع عن مجرى الكفاح.
في كل هذه الحالات يقوم المثقف بتضخيم نفسه ودوره، وهذا التضخم وليد الانقطاع والعجز عن المشاركة السابقة، فالتاريخ يمشي أمامه وهو يتخلف، والجمهور الذي كان يقوده راح يسبقه، وتظهر من هذا الجمهور طاقات جديدة وقوى حية تزيد من تعقد ذاته المريضة، إن هذه القوى تطرح أفكاراً ونماذج جديدة، تزيد من إحباطه، ومن هنا يدخل المثقف السياسي المضحي السابق في هلوسة الأمراض السياسية. لأنه لا يقوم بنقد دوره وتخلف قراءاته وفكره وتغيير حياته المرفهة أو المنعزلة أو المتخثرة أو المتعالية لكي تتلاءم مع أفكاره، فروحه العالية المتوثبة لم تتشكل إلا من خلال التحامه مع كفاح الناس، لكنه توهم أنه إنسان خارق.
كل هذه الظروف تدفعه للارتباط بالقوى الاستغلالية التي كان يحتقرها ويدين ممارساتها، وهو هنا يضفي على العلاقات الطبقية الصراعية أوهاماً وخيالات من عنده، ولكن النضال مجموعة من العلوم، تحتاج لمن يشارك فيه إلى أن يتأصل فيها، وعمليات مشاركة القوى الاستغلالية في فوائضها، وإن كان بشكل متفاوت حسب درجة الخدمة التي يقدمها المثقفون المنحلون، تذوب قراءات المعرفة الموضوعية وتطلق القراءات الذاتية الانتهازية، فتجد الموضوعات المقدمة من مثقف التراجع تتوجه بدقة إلي تغييب الصراعات الاجتماعية، والوصول إلى قوانينها، وتتحول إلى أبحاث مثل فوائد المرور في الشوارع، ويتحول إلى مثقف تقني يقدم خبرته للطبقة الاستغلالية التي كان يريد تغيير هيمنتها على الثروة.
إن هذه التغيرات لا تدفعه لكي ينهي خدماته المشبوهة للثورة الشعبية، فهو يجد مثل هذه الخدمات والبقاء في صفوف النضال، يخدمان بعضهما بعضا، فلولا الوجود في المجرى الشعبي ما كان له الصعود، ولولا ذلك ما حصل على امتيازات، رغم أن هذا كله يتحول إلى سم يقدم في أشهى الأكلات.
إن تآكل مثقفي النضال السابقين، لا يتجسد في وعيهم إلا عبر تصورهم إن ذلك كله هو من قبيل عقوق الناس، ومن تخلفهم وعدم مرونتهم وارتباطهم بمنظورات فكرية عفّى عليها الزمن، وتتحول الخبرة ومشاركة التضحية والعمل لديه إلى مجرد علوم تقنية يقدمها المثقف المرتد لأسياده الجدد، ويتكلس ذلك المضمون النضالي لديه، ويتوجه حسب القطب السياسي المؤثر فى سمائه المظلمة، فإذا كان ليبرالياً صار ليبرالياً معادياً بشراسة للدينيين، وإذا كان قومياً دينياً استعرض عضلاته في مواجهة الغرب الكافر أو الامبريالي على الورق.

Social Links: