عن الطائفية ما قبل الإسلام وما بعده.. جذورها تاريخياً وتجلياتها المعاصرة

عن الطائفية ما قبل الإسلام وما بعده.. جذورها تاريخياً وتجلياتها المعاصرة

الكاتب: أحمد الرمح في دراسات تنويرية

 

يغوص هذا البحث في أعماق التاريخ قبل الإسلام مستخرجاً جذور الطائفية ليبين تجلياتها المعاصرة بالاحتراب الحاد بين أبناء المجتمع حتى شغبت على حراك الربيع العربي فكانت أحد أهم أسباب فشله؛ إذ يستخدم الكاتب في بحثه التفسير السياسي للحدث الطائفي ليثبت أن الصراع بين الإخوة الأعداء صراعٌ على السلطة استُخدم الدين فيه ليكون حاملاً لمشروع سياسي حتى يكسب الحاضن الاجتماعي من خلال محاور أهمها:

هل الخلافات في حقيقتها سياسية أم دينية؟.هل الطائفية بدعة إسلامية؟.كيف بدأت قصة الطائفية تاريخياً؟.الصراع بين أبناء قصي بن كلاب واسقاطاته في الصراع على الإسلام.يوم العروبة عند العرب القدماء.حقيقة الأشهر الحُرم.العلاقة بين خلاف أبناء قصي والطائفية في الإسلام.الصراع على الإسلام والسلطة بين الأمويين والعباسيين والعلويين.القرون الأولى: هل هي خير القرون أم أخطرها؟.ما العمل؟.مقترحات للحل.

المدخل:

أكاد أجزم أن خلافاتنا الطائفية والمذهبية والفرقية، تختزن في عمقها خلافاً سياسياً على السلطة، استطاع الخبثاء من الفرقاء كلهم أن يجعلوا لها أصولاً دينية، لتبدو كأنها خلافات على الصواب الديني من خلال خلافات مذهبية، كي يجعلوا لها حاملاً اجتماعياً.

وبذلك يمكنني القول: إن أول من سيّس الدين هم من وضعوا علم العقيدة وكتبها، خصوصاً أن معنى كلمة عقيدة في اللغة اللاتينية يعني الأيديولوجيا، بهذا المدخل أنطلق في تحليلي ودراستي لجذور الطائفية تاريخياً وتجلياتها المعاصرة.

 

تساؤل لا بد منه: هل الطائفية بدعة إسلامية؟.

الطائفية ليست بدعة إسلامية، بل إن الإسلام يعلن براءته منها ومن دعاتها، من خلال آيات عدة منها قوله تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ. الأنعام:159.

لكن الإسلام أُقحِمَ ووُظف في صراع سياسي على السلطة والنفوذ، وفُصِّل عبرَ التاريخ إسلام جديد ليخدم الطائفية ودعاتها، فجاء اعتقال النسخة الأصلية للإسلام على مراحل بدءاً من وفاة النبي واغتيال عمر بن الخطاب حتى مرحلة التسلط الأموي ثم العباسي، وما يزال الإسلام معتقلاً، وما نزال نقدس معتقِليه، وما تزال ثقافة الطائفية وسلوكها فاعلة فينا منذ الصراع الأموي العباسي العلوي حتى الربيع العربي.

ولا يمكن تحرير الإسلام إلا بالوعي بدوره ووظيفته في هذا العصر، بعيداً عن العفن الطائفي وصراعاته التي أخذت شكلا دموياً في العقود الأخيرة.

وللإجابة عن التساؤل المطروح آنفاً هناك إشارات سريعة لا بد منها

قبل الولوج في تحليل جذور الطائفية وتجلياتها المعاصرة، التي ندفع ثمنها فشلاً في مسارات حياتنا كلها؛ سياسياً واجتماعياً وثقافياً، لا بد من إشارات ثلاث سريعة:

الإشارة الأولى

الثقافة الطائفية وأبعادها السلطوية موجودة عند أتباع الأديان السماوية والوضعية كلها، فاليهودية حتى يومنا هذا طوائف متعددة ومتناحرة وكذلك المسيحية، ففي دراسة لباحث قبطي أمريكي نشرت عام 2000 عن البروتستانت في الولايات المتحدة الأمريكية أوضحت أنهم منقسمون إلى أكثر من (2000) طائفة.

وكذلك الطائفية ليست حكراً على الأديان، إنما موجودة في السياسية بالمعنى الحزبي، والانشقاقات الحزبية عن الحزب الأم في أماكن عدة، ليست إلا نوعاً من أنواع الطائفية السياسية، وكذلك هناك الطائفية الرياضية والمناطقية إلخ. وكما نعلم أن اليهودية تقاتلت طائفياً، ودخلت حرباً أهلية بين أبناء سليمان، وقسموا مملكته إلى طوائف، وهذا ثابت في التوراة، وكذلك تقاتلت المسيحية الأوروبية في ما بينها قروناً عدة، وذهب ضحية هذا الصراع الطائفي ملايين الأبرياء، حتى وصلوا إلى لحظة وعي أسسوا من خلالها دولتهم الحديثة التي تطورت منذ معاهدة (وستفاليا).[1]

حتى وصلت اليوم إلى دولة المواطنة دولة الإنسان، التي منعتنا العقلية الطائفية من تحقيقها، وبحسب وجهة نظري إن العقلية الطائفية أحد أسرار تعثر الربيع العربي.

الإشارة الثانية

كل منا حين يتحدث عن طائفة ما، يتحدث عنها من وجهة نظره الطائفية، ومعلوماته عنها غالباً ما تكون من خصوم هذه الطائفة أو تلك، بمعنى أننا نقرأ الطوائف الأخرى طائفياً من دون الحيادية العلمية التي تقضتيها دراسة الحالة، وهذا ينطبق على الجميع بلا استثناء.

الإشارة الثالثة

البحث في جذور الطائفية أخذني بعيداً جدًا، وأدخلني نفق الزمن ليتضح لي أن الأمر قبل الإسلام كثيراً، قبل سقيفة بني ساعدة، قبل صراع علي ومعاوية، ويزيد والحسين، إنما تلك الحوادث ليست إلا تجليات بصورة إسلامية لصراع طائفي جذوره أبعد من هؤلاء جميعاً، وما نحن إلا أدوات في لعبة سياسية وحطب نار لها.

بمعنى آخر: إن الصراعات الطائفية تعود جذورها إلى تاريخ قريش ذاته قبل ولادة الإسلام كثيراً، لكن الصراع انبعث بولادة رسالة الإسلام واشتد كثيراً بعد وفاة النبي الكريم من خلال صراع أموي عباسي علوي، كان الدين أحد وسائله، به شرعن الأمويون فالعباسيون ثم العلويون سلطانهم، ومن ثمّ أحقيتهم في قيادة المجتمع.

ولذلك لا يمكن معرفة حقيقة الصراع إلا إذا عدنا إلى بداية الصراع القرشي، لعلنا ندرك أننا والطوائف كلها حطب نار في صراع سلطوي الدين منه براء، لكن قادة الصراع يستخدمونه لشرعنة وجودهم في السلطة.

جذور الطائفية

جذور الطائفية وعلتها ومرادها سلطوية سياسية، ولم تكن دينية قط، وسأحاول من خلال هذا البحث إثبات ذلك، وهو جهد لا أدعي له العصمة، ولكنها قراءة سياسية تحليلية لما حدث، من خلال قراءتي للإسلام في مدى ثلاثين عاماً.

 

كيف بدأت الحكاية؟

إن من أهم أسباب استمرار الصراع غياب الوعي وفقدان الرشد، فدراسة التاريخ وتحليله سياسياً يوضح لنا خفايا مسكوت عنها، لم يتجرأ أحد من الأطراف على نقدها، نظراً إلى ثقافة تقديس الرموز والدفاع عنها بعصبية طائفية، وهذا ما يدفعني إلى القول إن أبعاد المأساة الطائفية ليس دينية قط، إنما سلطوية سياسية يستخدم الدين لمنحها مشروعية، وليحقق لها حاضنة اجتماعية تستخدمها لتسويغ مشروعيتها السلطوية.

تبدأ القصة من قصي بن كلاب زعيم العرب في قريش، له (6) أولاد أكبرهم عبد مناف ويليه عبد الدار، منح قصي لولده عبد الدار سلطاته كلها وأقصى عبد مناف، بعد فشله في إدارة الصراع مع خزاعى في معركة السيطرة على مكة وزعامتها، ولما آلت الأمور إلى قصي مع خزاعى ونظراً إلى سوء إدارة عبد مناف للأزمة، جعل سلطاته وثقته في عبد الدار، وهذا أزعج عبد مناف كثيراً، وجعله خارج إطار التوريث، ولم يكن راضياً عن هذا التغيير.([2])  وهنا يمكننا القول: إن المادية التاريخية نشأت قبل أن يتحدث عنها (ماركس) بكثير.

بعد موت قصي وتولي عبد الدار سلطات أبيه، انقسمت قريش إلى طائفتين: الأولى شايعت عبد مناف وترى أنه أولى بالقيادة. والثانية انحازت إلى عبد الدار لأنه وارث أبيه. نتيجة الخلاف على قيادة قريش، إذ إن من يقود قريش يقود العرب، وقع صراع بين الطائفتين، أدى إلى حرب بينهما، ثم انتهى بمصالحة تاريخية([3]) واتفاق على الشكل الآتي:

السقاية والرفادة والقيادة السياسية لبني عبد مناف.الحجابة واللواء لبني عبد الدار.دار الندوة (وهو مجلس قيادة قريش) يُدار بالتوافق بين الطرفين.([4])

هنا بدأ بنو عبد مناف يتقدمون العرب، بخلاف ما كان عليه الأمر بعد وفاة قصي، فهاشم كان سفيرهم إلى الشام، وعبد شمس إلى الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل (هو أخ غير شقيق) إلى فارس. فتوافق الإخوة تآلفاً قلّ نظيره، وتآلفوا حتى أن العرب لقبتهم بكؤوس الذهب.

يوم الجمعة

من تآلفهم أن يوم الجمعة كان تسميه العرب يوم العروبة، ولما تصالح القوم بعد حرب، اجتمعوا فيه بالحرم المكي، وتآلفت قلوبهم، وتوحدت كلمتهم، فأطلقوا عليه يوم الجمعة، إذ تتواصل الأرحام فيه وتنتهي الخصومات، وما تزال ثقافة يوم الجمعة سائدة بين الأسر في مجتمعاتنا حتى يومنا هذا.

لما جاء الإسلام أقرَّ العرب على كل شعيرة قيّمة، وجعل شعيرته العبادية الكبرى يوم الجمعة، وأُقرت فيه صلاة الجمعة التي تجمع أبناء البلد كلهم في المسجد الجامع فما ينصرفون حتى يتصالحوا، وكان عرف السلام بعد الصلاة، لتنتهي الخلافات والخصومات.( [5])

 

عودة الصراع بين أبناء قصي

لم تدم حالة التآلف طويلاً بين أولاد عبد مناف وهم (عمرو) هاشم والد المطلب، وعبد شمس والد أمية ونوفل.

ليدبَّ الخلاف مرة أخرى، وكادت الحرب أن تقع، وأصيبت مكة نتيجة الخلافات بأزمة اقتصادية كادت تودي بها، وحدثت مجاعة، ول ابد من حلٍّ لهذا الخلاف، فتقاسم السلطة بين الإخوة الأربعة لم يعد مجدياً، ولا بد من اجتماع العرب على قائد واحد يأتمر القوم بأمره، ويشاور عليّة القوم في أمر المجتمع، ولقد أبدع المفكر الدكتور محمد جابر الأنصاري في توصيف تلك الحوادث وتحليلها في كتابه الشهير (الشورى والديمقراطية) وكذلك موسوعة جواد علي في (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) والمؤرخ الفلسطيني المبدع محمد عزت دروزة في موسوعته (تاريخ الجنس العربي)؛ ولقد اعتمدنا على تأريخهم لولادة الطائفية السياسية تاريخياً.( [6])

جرى التآلف على (عمرو) هاشم واستطاع هاشم بذكائه وحكمته من إنقاذ مكة من مجاعة، فسنَّ هدنة الأشهر الحرم، كي تتواصل القبائل في ما بينها ولا تحاصر قبيلة حتى في الحرب، ويتواصل الناس بأمان من دون خوف، ويصل الحجيج إلى مكة دون خوف من الطريق، كما أبرم هاشم اتفاقات سياسية ذات استراتيجية اقتصادية مع الدول العظمى آنذاك ونجح فيها، كالفرس والروم والحبشة واليمن، وهذه السياسة الهاشمية أنقذت قريشاً اقتصادياً، وأعادت إليها هيبتها بين العرب. وباتت مكة مركزاً تجارياً ومرجعاً سياسياً لهم، وكان سوق عكاظ الذي يُقام في أشهر الحج أشبه بمعرض تجاري للعرب كلهم، إضافة إلى كونه ملتقى ثقافياً لشعرائها، يأتون هناك ليلقوا إبداعهم الشعري بلهجة قريش.

فسطع نجم هاشم وـتآلفت العرب عليه وبارك القرآن ذلك الحدث في سورة قريش لما ذكَّر العرب بضرورة الـتآلف والوحدة في تحضر المجتمع وتقدمه ونموه.

لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ. إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ.

بعد موت عبد شمس تزعم الجناحَ الشمسي ولدُه أمية، الذي بدأت شهوة السلطة تظهر على سلوكاته؛ وبدأ ينازع عمه هاشم المكانة بالمكر والخديعة وشراء الذمم، وعاد الصراع في العائلة الذي وقف منه نوفل وبنوه على الحياد، حتى دارت حرب بين الطائفتين الهاشمية والأموية.([7] )

هنا قد يسأل سائل ما علاقة هذا بالطائفية؟.

أقول: هذا هو سبب الطائفية التي نعانيها وتسببت في إفشال الربيع العربي، والصراع على الإسلام تاريخياً. فالصراع على الإسلام والطائفية فيه سببها ثلاثة هم من تلك العائلة: العباسيون والعلويون والأمويون، هذه الأسر الثلاث هي سبب تلك الصراعات الطائفية كلها منذ وفاة النبي الكريم حتى يومنا هذا.

أما العباسيون فاستطاعوا النجاح بانقلابهم على بني أمية، وذبحوهم بطريقة داعشية، بل نبشوا قبور موتاهم ونكلوا بها بعد انتصارهم وإسقاطهم للدولة الأموية، لكن الطائفة العباسية انتهت بنهاية دولتهم على يد هولاكو، وعمل فيهم قانون حركة التاريخ وسنة الله في الظالمين، ولم يبق إلا جزء يسير من أسرتهم موجودون اليوم تحت كنية العباسي في بلاد الإسلام وأغلبهم انضم إلى الشيعة في الصراع الطائفي مع السنة.

يُتهم العرب السُنة من الفرس الصفويين بأنهم أحفاد يزيد ويحملونهم جريرته وجريمته، وهذا رأيناه اليوم واضحاً في العراق واليمن وسوريا ولبنان، وتفاقم دموياً في الربيع العربي، وساهمت في تكريس هذا الاتهام الحالة الطائفية السُنية غير الواعية، إضافة إلى الخطاب القومي العربي الذي ينسبنا منذ سبعة عقود إلى الأمويين لأسباب قومية بحتة لا دينية.

وننساق نحن بلا وعي في دوامة صراع لا ناقة لنا فيه ولا جمل، خصوصاً بعد أن استطاع الصفويون السطو على الإرث العلوي والسيطرة عليه بنجاح الثورة الإيرانية وتأصيل ذلك من خلال خرافة زواج (شهربانو) بنت كسرى من الحسين بن علي، ليصار كما في رؤيتهم الطائفية التلاقي بين العرق الفارسي الكسروي مع عرق بيت النبوة، وبهذا تكتمل الزعامة الدينية بطعم فارسي، ما يمنح طائفتهم عند قواعدهم الشيعية قداسة دينية وعرقية ومن ثم سلطوية، لا يستطيع أحد منازعتهم فيها. مع العلم أن إيران تاريخياً كانت سنية شافعية حتى استولى الصفويون على مقاليد الحكم فيها، وأجبروا أهلها على التشيع بالقوة. لما جاء الخميني لعب دوراً خبيثاً في إعادة الصراع الطائفي إلى دائرة الدم.

عودة إلى الصراع الأول

تطور الصراع بين أمية وعمه ودارت حرب طاحنة بين الطائفتين هددت مكة وأذهبت هيبة قريش عربياً، فاحتكموا إلى كاهن خزاعى، فحكم بأن يُنفى أمية بن عبد شمس إلى منفى اختياري، فاختار الشام وبقي فيها قرابة عشرة أعوام، وبعد موته عاد بنوه إلى مكة.( [8])

بقيت الأمور مستقرة في مكة للهاشميين، ودار الندوة تُدار بالشورى حتى بُعث الرسول الكريم، وبعد دعوة سرية لسنوات جاء وقت الجهر بالرسالة، ولما علم القوم مآل رسالته سياسياً وسلطوياً، وأنها ستكرس زعامة بني هاشم سماوياً، كانت المعارضة لها شديدة، ساهم في قوة تلك المعارضة أن أبا طالب كان قليل المال، وأن الجناح الأموي ازداد نفوذاً نظراً إلى قوته الاقتصادية، وكان الصراع مريراً ضد محمد، ليس لأنه كذاب فهم يعلمون صدقه، ولكنها السلطة التي كانت ستؤول لأبي سفيان بعد وفاة أبي طالب العجوز من جهة، ولميل العباس معهم وبعض إخوته من جهة أخرى.([9])

هذا يعني أن زعامة الهاشميين ستكون مباركة سماوياً وستؤول إلى محمد حفيد هاشم وعبد المطلب، ولو تذكرنا مقولة أبي جهل في هذا المقام لتوضح لنا الأمر: كنا وبني عبد المطلب كفرسي رهان، أطعموا فأطعمنا، وكسوا فكسينا، وسقوا فسقينا، واليوم يقولون منا نبي فأنّى لنا هذا.

لاحظ أن الصراع كان محتدماً من خلال شراء الولاءات الشعبية كما تبينه مقولة أبي جهل. كذلك لو نظرت في أسماء المعارضة القرشية لمحمد ستجد شيئاً لافتاً، فمن زعماء المعارضة: أبو سفيان وعتبة بن ربيعة والحكم وسعيد بن العاص وعقبة بن معيط، وهؤلاء كلهم أمويون. هنا يظهر الصراع جلياً على السلطة من الأمويين، خصوصاً أن بعض بني المطلب مالوا إلى الأمويين، وأنا أرجح رشوتهم من جهة، والقوة الاقتصادية والاجتماعية للأمويين من جهة، وربما هذا هو السر في حيادية أبي طالب بالصراع.

أين تكمن عظمة الإسلام؟.

الظن بأن عظمة الإسلام تتمثل بالفتوحات خارج الجغرافية العربية خطأ كبير، لأن هذا بحسب وجهة نظري كان توسعاً إمبراطورياً مارسته الإمبراطوريات كلها آنذاك.

إنما عظمة الإسلام تجلت في القيم الإنسانية التي طرحها في مجتمع وجغرافية، الثقافة الطبقية مقدسة بأعرافها، فكيف لهذا الرجل اليتيم والفقير أن يتحول بوحي السماء إلى زعيم من المستحيل مقارعته؟ تُذهب رسالته محاولاتهم في استعادة السيادة أدراج الرياح.

إن العظمة الحقيقية للإسلام تمثلت في ذاك العصر بالعدالة الاجتماعية التي قدمها، المتمثلة حتى في شعائره العبادية التي تجعل حبشياً كبلال وفارسياً كسلمان ورومياً كصهيب يقفون جنباً إلى جنب مع أسياد قريش في الصلاة، وينازعونهم الأمر في الشورى والرأي.

وزخرت آيات القرآن الكريم بهذه القيم الإنسانية ويكفي القرآن دليلاً في هذا أنه بدأ باسم الله وانتهى باسم الإنسان، إضافة إلى حرية الاعتقاد التي أكدها القرآن في آياته لكل إنسان، وعمل فقهاء السلطة وتجار الفتوحات على وأدها بدعوى النسخ، لينسخوا عشرات الآيات الدعوية وآيات حرية المعتقد بآيات القتال الموجودة في سورتي التوبة والأنفال، التي أراها وأظن بأنها تاريخية مخصصة لعلة نزولها، ولا تأخذ الامتداد الزماني الذي تريده السلفية والشيعة اليوم.

هذا الخلل في الفهم هو المنتج الحقيقي للقاعدة وداعش والنصرة وفيلق القدس والفاطميين والزينبيين وسواهم.

وتتمثل عظمة الإسلام بالقضاء على التوارث السلطوي النسلوي والقبلي لقيادة المجتمع، إذ إنه أنهى أرستقراطية أسرية سياسية احتكرت الزعامة عقوداً عدة، في حين طرح الإسلام نظرية الأكثر كفاءة بالقيادة، وألّا يكون واحداً أوحداً إنما خاضعاً لنظام الشورى، وبدد الثروة من خلال فقه الزكاة، ونظّم مسألة الإرث بصورة عادلة بين الأبناء بعد أن كانت المرأة متاعاً يورث للذكور، فقضى على نظام اجتماعي حادٍ، لم يتجرأ أحد على تقحمه لتخرقه رسالة الإسلام.

لقد كان الإسلام ثورة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى عميق لمصطلح الثورة، وكان لأصحاب النبي أدوار متفاوتة في إنجاحها. إلا أن العلة السياسية دأبت على تخريب هذا النجاح من خلال ثورات مضادة مبكرة خطفت الإسلام واعتقلته وقدست لصوصه.([10])

وإني لأقول: إن من وضع كتب العقيدة وفصّل فيها، هو أول من سيّس الدين لأسباب سلطوية، حتى يتخلص من المعارضة السياسية آنذاك، في حين إنك لو تدبرت العقيدة الإسلامية في القرآن الكريم لتجدنَّ طابعها الإنساني واضحاً جلياً:

لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. البقرة:177.

ما علاقة تلك العظمة بحديثنا

المشكلة أن هذه الطفرة الإنسانية سرعان ما استطاعت الطائفية أن تطفئ جذوتها بالصراع على السلطة بين الإخوة الأعداء، وبعد وفاة العظيم محمد مباشرة عادت نغمة الصراع على السلطة سيرتها الأولى، فما إن مرض محمد مرض الموت حتى سارع العباس إلى علي بن أبي طالب ليدفعه نحو السلطة قائلاً:

إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت وإني لأظن محمداً سيموت عاجلاً فهلّا أخذنا البيعة من القوم؟.

لكن علياً طلب التريث في هذه المجازفة من دون أن يخفي شهوته للسلطة، وقد توضحت هذه الشهوة بعد تولي أبي بكر وعمر وحتى عثمان، ولقد كتب حول تلك المسألة الإمام محمد أبو زهرة في كتابه القيم الإمام مالك، وتحدث عن رأي الإمام مالك في الرغبة السلطوية عند علي.([11])

وما قيل حول الإشارات والنصوص التوريثية كله ونسبها إلى النبي، إنما يدخل في إطار شرعنة هذا الفريق أو ذاك للسلطة، إنما الحقيقة كما أظنها تمثلت في الأسس القرآنية، وما قيل في حديث الثقلين أثبتُ زيفه في دراسة لي حول الحديث وبطلانه إسلامياً عند الطرفين السنة والشيعة.

التحق النبي بالرفيق الأعلى من دون أي إشارة أو نص إلى أحد بتولي السلطة، وهذا ما ينسجم مع الخط العام لرسالة الإسلام، ولما تصارع القوم على القيادة في سقيفة بني ساعدة بين القرشيين والأنصار، استطاع أبو بكر قلب الطاولة على الجميع ليمنعها الأمويين والهاشميين وحتى الأنصار، وأوضح في مداخلته أن قيادة اليثاربية المتحالفة تاريخياً مع قريش غير قادرة على حمل تلك المسألة، ولا تتمتع بإجماع عربي، فتولدت طائفية سياسية بقيادة سعد بن عبادة انتهت باغتياله في الشام. وآل الأمر على غير عادة قريش إلى رجل من تيم ثم إلى آخر من عدي هما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فجن جنون بني أمية والعباس لذلك.

كانت قيادة الرجلين من حيث الحدث مهمة جداً، إذ إنها أنهت التوارث السلطوي المقبول عرفاً آنذاك، وهذا إنجاز آخر يحسب للإسلام، عمل على وأده مبكراً بنو أمية ثم بنو العباس، ومن خلال عملية اغتيال دولية راح ضحيتها أعظم رجال الإسلام عمر، تولى الأمويون السلطة من خلال عثمان!.

ولقد روى ابن الأثير وابن عساكر وغيرهما في حوادث السنة الخامسة عشر الهجرية عن الحسن البصري والشعبي: لم يمت عمر حتى ملتُه قريش. وقريش هنا هم طائفة الأمويين الذي وجدوا أن عمر لم يرعَ لهم أرستقراطية، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير حينما استأذنه بلال الحبشي وأبو سفيان فقدم بلال على أبي سفيان، وتركه ينتظر حتى فرغ من حاجة بلال.([12])

هنا عاد الحزب الأموي ليقود العرب وكان الأب الروحي لذلك كله أبا سفيان، هذا الرجل الذي لم يدرس بعقلانية حتى اليوم، وكان ذراعه اليمنى مروان بن الحكم، ليقود الأمويون ثورة مضادة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ورسم أبو سفيان لعثمان استراتيجية حكمه بقوله في ما رواه المسعودي في تاريخه عن الحسن البصري:

لقد حازت إليكم بعد تيم وعدي فتزقفوها تزقف الكرة؟ واجعل أوتادها بني أمية فإنما هو الملك وما أدري ما جنةٌ ولا نار.([13])

كما ذكر المسعودي رواية أخرى: يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة فوالذي يحلف أبو سفيان به ما زلت أرجوها لكم ولتصيرنَّ إلى صبيانكم وراثة.

هذه الرواية تدل دلالة قاطعة على أن الرجل كان يخطط ويتربص حتى نجح بمكره، خصوصاً أن أصابع الاتهام تحوم حوله في قضية اغتيال عمر بن الخطاب، ولقد كتب المفكر عبد الله العروي شيئاً عن هذا.

هذه الإشارات وغيرها كثير في بطون كتب التاريخ، وتحليلي لحوادث التاريخ دفعتني إلى العودة كثيراً حتى قصي وأبنائه مروراً بصراع هشام وابن أخيه أمية وصولاً إلى صراع علي ومعاوية حتى يومنا هذا.

التزم عثمان باستراتيجية أبي سفيان حتى دفع حياته ثمناً لها، في حين انقلب على تعهده لعبد الرحمن بن عوف وهو التعهد الذي أهله لقيادة الدولة آنذاك، بأن يكون منهجه على منهج الشيخين، الأمر الذي رفضه علي، وأرى أن علياً كان محقاً لأن أمور سياسة المجتمع متبدلة.

 

ولاية الأمة

الملاحظ في عهد أبي بكر وعمر أن خلافتهما استمدت مشروعيتها من المجتمع ولم تكن بوصية دينية، بل كانا رجلي دولة بامتياز، فأبو بكر أكد في برنامجه التزامه بأهداف رسالة الإسلام ومصلحة المجتمع وحافظ على هيبة الدولة، وكان يرى مشروعيته من المجتمع، وليست دينية لذلك قال في برنامجه: فإن أسات فقوموني.

أي إن سلطتي منكم وليست من مكان آخر. وكذلك كان الفاروق لما قال: فإن رأيتم اعوجاجاً فيَّ فقوموني.

هذه الطفرة البكرية العمرية تؤكد أن الولاية للمجتمع وهو صاحب الكلمة فيها، ومنه تُستمد السلطة لا من الله، وللمجتمع حق تقويم الحاكم إذا انحرف عما تعهد به ووافق عليه المجتمع، وهذ ما يمكن تسميته ديمقراطية إسلامية مبكرة.

اختلف الأمر كثيراً مع عثمان، فلما أراد المجتمع عزله بسبب سياسته المنحازة إلى بني أمية الذين تسلطوا على مفاصل الدولة، تعلل بألوهية المنصب التي يتبناها طرفا الإسلام اليوم السني والشيعي، فالشيعة ترى الولي الفقيه منصباً إلهياً وهو نائب عن المهدي حتى ظهوره، والسنة ترى المنصب كذلك، ولا تجيز الخروج على الحاكم ولو جلد ظهرك وأخذ مالك، ولقد استمعتُ منذ أيام إلى التيار السلفي المصري رأيهم بأن الحاكم لا ينازع في أمره ولا سلطانه في مسألة الترشيح لرئاسة الجمهورية.

عثمان أسس لتلك الثقافة وألوهية السلطة بقوله: كيف أخلع قميصاً ألبسنيهِ الله؟!. فأسس انحرافاً غير مسبوق وخطراً في مفهوم الخلافة استمر حتى يومنا هذا، حتى محاولات علي بن أبي طالب لم تكن كما فلسفها الشيعة على أنها مشروع تحرر إنساني، بل كان الملك ديدنه، ولقد سكت عن تولي ولده الحسن من بعده، وواجهه بذلك ابن عباس لما اختلفا في مسألة بنك الكوفة، فحاججه علي بأنها أموال المسلمين ولا حق له فيها وسيسأله الله عنها. فأجابه ابن عباس: وهل الله يغضب لأموال المسلمين ولا يغضب لدمائهم التي سفكتها من أجل السلطة.

في ظل هذا الصراع على السلطة وتقسيم العرب والمسلمين إلى شيع وطوائف واستعادة صراع بني قصي في ظل الإسلام استطاع معاوية داهية العرب أن يثأر لأجداده ويستعيد ملكاً مفقوداً لم يكن أبداً من حقهم؛ وتابع بنو أسوأ رجل في تاريخ الإسلام (مروان بن الحكم) في تحويلها إلى ملك عضوض أولغارشي، وقُتل الإسلام وقدّسنا بوصفنا سنة قَتَلَته، الذين حولوه من مشروع عالمي لتحرير الإنسانية إلى مشروع سلطة أولغارشية.

واستعان السلاطين الأمويون والعباسيون والخمينيون ومستبدو اليوم بكهنة الأديان ليختلقوا نصوصاً نسبوها إلى السنة النبوية زوراً وبهتاناً كي يشرعنوا استبدادهم. وشهد العصر الأموي اغتيالاً جديداً للإسلام تمثل بما سُمي تدوين السنة النبوية التي ساهمت في اغتيال الدين وتشويهه والانتصار للاستبداد ضد الحرية، وكًرس مبدأ عقيدة الجبرية إسلامياً، واخترعوا عقيدة القضاء والقدر لتخدير المجتمع من خلال مقولة معاوية:

إن خلافتنا أمر سابق في قضاء الله وقدره فالأرض لله وأنا خليفته؛ فما أخذتُ فلي وما تركت للناس فبفضل مني.

ولما أراد عمر بن العزيز أن يعيد الإسلام سيرته الأولى بعد مناظرة مع الخوارج. عقد الحزب الأموي اجتماعاً طارئاً قرروا فيه اغتياله، وزوجوا زوجته لمن قام بالمهمة بعد نجاحها.([14])([15])

ولكن الملك الأموي المستبد فعلت فيه سنة الله وقانون حركة التاريخ، فأبناء العباس كانوا يعملون ليل نهار خفاءً لاستعادة ملك بات ذا صبغة إلهية، ونجحوا ذات ليلة في ذلك، وانتقموا شر انتقام من الأمويين المكروهين اجتماعياً وذبحوهم بطريقة داعشية كما أسلفنا، لم يعرف لها التاريخ نظيراً، حتى أن أبا العباس السفاح سمي بالسفاح لكثرة سفكه من دماء الأمويين، ونبشوا قبورهم وأحرقوا رفاتهم.

وباسم ظاهري هو استعادة الملك إلى آل بيت النبوة اضطهدوا آل النبي العلويين ومارسوا قهراً وظلماً على الناس ونكلوا بالعلماء والمبدعين حتى حكمت فيهم سنة الله وجاءت نهايتهم على يد هولاكو.

بعد نهاية العباسيين انحصر الصراع بين الأمويين والعلويين، وحتى تستمد كل طائفة مشروعية اجتماعية أطلقوا عليه الصراع الطائفي بين السنة والشيعة، وبما أن الشيعة لم يكن لهم أيديولوجيا ولكي تُشرعَن مطالبتهم بالسلطة استعاروا أيديولوجية المعتزلة مع بعض التعديل.

 

أخطر القرون

القرون الهجرية الثاني والثالث والرابع أحسبها أخطر القرون، ففيها قُضي على ما تبقى من الإسلام الحقيقي، وبقيت منه الشعائر الشكلية، ففي القرن الثاني كان تدوين السنة وسيطرة أهل الحديث حتى بات هناك دين موازٍ للدين الأصلي، وشهدت الطوائف في ما بينها صراعاً على الإسلام، كان للمستبدين دور في إشعاله فالصراع بين المعتزلة وأهل الأثر ذهب ضحيته خيرة علماء الأمة في مسرحية أطلق عليها مصطلح (فتنة خلق القرآن) التي كانت سياسية بامتياز، وسيطر أهل الكلام على الساحة الفقهية وكانوا قريبين من الحكام، ووضع الشافعي كتابه (الرسالة) الذي بات المسطرة الوحيدة في فهم الإسلام سنياً، ووضعت كتب العقيدة للتخلص من المعارضة السياسية بحجة مخالفة عقيدة الأمة.

وفي تلك القرون أسست أهم الطوائف المتخالفة حتى يومنا هذا من الإسماعيلية إلى النصيرية فالشيعة الجعفرية، وجاء العجم ببخاريهم ومسلمهم ورفاقهما ليضعوا كتب الحديث التي باتت منافساً حقيقياً للقرآن، حتى قيل: إن السنة قاضية على القرآن.

ووضعت نظرية المتغلب التي يقول بها جلُّ فقهاء اليوم، وسطروها في كتب السياسة الشرعية، ودار صراع بين الطائفتين المتبقيتين من ذرية قصي بن كلاب، وألحقونا على الرغم من أنوفنا بوصفنا ذرية للأمويين.

ثم انقسم المقسم وتجزأ المجزأ وكلما ظهر وعي في المجتمع وأدوه ببدع جديدة، فتت أهل السنة إلى طوائف تكفر بعضها، فظهرت الماتريدية والأشعرية وأهل الأثر والجهمية والحرورية والمعتزلة، وهذه كلها طوائف، ولو توافقت بالشكل العبادي إلا أنها تختلف في الاعتقاد الأيديولوجي.

وتفتت الشيعة العلويون إلى فرق وطوائف حتى أن الشهرستاني عدّ الفرق الشيعية في زمانه إلى قرابة (36) فرقة تكفر بعضها لأسباب سلطوية ظاهرها الاعتقاد وباطنها السياسة والسلطة.

هذا كله حصل في تلك القرون التي نقدسها ونراها خيرة القرون، وأنا أراها أسوأ القرون ففيها ذبح العلماء الذين نجلهم ونفتخر بهم أمام الغرب اليوم، وفيها أصبح ديننا شيعاً وطوائف كل حزب بما لديهم فرحون.

وما يحدث اليوم كله ليس إلا ارتداداً وتجلياً لصراع تلك القرون على السلطة باسم الإسلام، ولا تصدقوا تلك الدعوات ذات اللهجة الدبلوماسية بأننا مسلمون كلنا، فكل طرف إن تمكن من الآخر ذبحه ونكّل به، وما تفعله إيران أو داعش ليس إلا تعبيراً وتصديقاً لما أقول، وبات عندنا إسلامات، إسلام شيعي وآخر سني، إسلام درزي وآخر علوي وإسماعيلي وبهائي وقادياني وسلفي وأشعري وصوفي ووهابي. ولا يمكن أن يقبل أحدهم بالآخر والله المستعان على ما يفترون.

 

ما العمل؟.

نحن يا سادة نعاني وباء طائفياً، إما أن نتطهر ونتحصن ونتلقح منه، أو سيقضي علينا ليجعلنا أثراً بعد عين، وإني لأتساءل: أليس منا فريق رشيد؟. اليوم التدين السني يتصارع على تزعمه طائفتان:

الأولى: الإخوان المسلمون

وهم أصحاب بدعة الإسلام السياسي يريدون إعادة الخلافة وقيادة المجتمع بأي ثمن، كما تبين لنا من خلال سلوكهم في الربيع العربي، وإني لأظن أن المجتمع بات يتملك شيئاً من الوعي، ولن يسمح لهم بخطف تضحياته، على الرغم من قوتهم الإعلامية وتحالفاتهم الدولية، لكن المؤلم أن نجد بعض المثقفين والسياسيين العلمانيين يقبلون أن يلعبوا دور المحلل الوطني في تسلل الإخوان حتى يتسيدوا المجتمع وقيادة الدولة.

والثانية: السلفية المعاصرة

بمواليدها المشوهين كلهم؛ من القاعدة إلى داعش حتى النصرة وأحرار الشام، وهؤلاء كما تبين لنا لا يؤمنون بمشروع وطني ويكفرون بالمواطنة، ومشروعهم عابر للوطنية، إضافة إلى أنهم مرتزقة يحركهم الداعم حيث يشاء، ويتمتعون ببأس عسكري وبؤس سياسي، وتخلف في إدراك مفهوم الدولة الحديثة وأساساتها، ويؤمنون بالقهر والإكراه ومعاداة العالم كله، في فرض الإسلام واستعادة الزعامة على أمة الإسلام.

يقابل هاتين الطائفتين في الجانب الشيعي، طائفة الشيعة الجعفرية التي خطفت التشيع كله، خصوصاً بعد انتصار الثورة الإيرانية، وبات همها واهتمامها القضاء على السنة العرب أو تشييعهم، وتصدير التشيع إلى العمق العربي من خلال دعم لبؤرهم الشيعية العربية القابلة بالمشروع الفارسي، أو من خلال دعم ميلشيات عسكرية شيعية تدين بالولاء لإيران وتؤمن بعقيدة الولي الفقيه.

وبات المسلمون اليوم ضحية حرب بالوكالة بين طرفين: الأول سني، والثاني شيعي فارسي تدعمه إيران، وما بلادنا ولا أولادنا إلا حطب نار لذلك الصراع السياسي، الدين منه بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

ولا بد لشرفاء ووطنيي المجتمع من أن يشمروا عن سواعدهم، لبدء معركة الوعي والرشد، فوجودنا ومجتمعاتنا ودولنا وديينا أمام مفترق طرق حقيقي، إما أن نؤسس دولة المواطنة بمعناها العميق، ونبرئ الدين من رغباتنا السلطوية. وإما أننا سنبقى مكباً لنفايات العالم والطوائف والصراعات.

وهنا أذكر بخطوات للعمل كل منها له مشروعه المكتوب عندي وأفكاره:

دعم التيار التنويري وتقويته من التيار العلماني دعماً حقيقياً لا تكتيكياً لاستغلاله في معركتهم ضد الإسلامويين.دعم حقيقي لتيار النقاط البيضاء الموجودة لدى الأطراف كلها.وضع منهج واقعي وحقيقي يوضح دور الدين ووظيفته في هذا العصر.إبعاد الدين عن الدولة؛ وترسيخ مفهوم حيادية الدولة وثقافته.القطيعة مع التراث من حيث البحث في ركامه عن حلول لعللنا المعاصرة، وإبداع حلول لمآسينا من الواقع والعصر الذي نعيشه.العبادات ليست محل اجتهاد، فقد أشبعها السابقون بحثاً، ولكن ما سواها من المعاملات وسواها حتى بعض المفهومات العقدية تحتاج إلى اجتهاد معاصر.إنشاء مؤسسات المجتمع المدني مؤسسات حقيقية من أهدافها الاستراتيجية إنهاء حرب الطوائف وتحقيق ثقافة المواطنة.العمل بكل جدية على إنشاء دولة المواطنة.مقارعة الاستبداد والقنوات كلها التي تمنحه استمرار الحياة.ثقافة المشاركة ونبذ ثقافة القطيعة.

المراجع

 

[1] ــ صلح وستفاليا (Peace of Westphalia) هو اسم عام يطلق على معاهدتي السلام اللتين دارت التفاوضات بشأنهما في مدينتي أسنابروك (Osnabrück) ومونستر (Münster) في وستفاليا وتم التوقيع عليهما في 15 أيار 1648 و24 تشرين الأول 1648 وكتبتا باللغة الفرنسية. وقد أنهت هذه المعاهدات حرب الثلاثين عاماً في الإمبراطورية الرومانية المقدسة (معظم الأراضي في ألمانيا اليوم) وحرب الثمانين عاماً بين إسبانيا ومملكة الأراضي المنخفضة المتحدة. ووقعها مندوبون عن إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة فرديناند الثالث (هابسبورغ)، ممالك فرنسا، إسبانيا والسويد، وجمهورية هولندا والإمارات البروتستانتية التابعة للإمبراطورية الرومانية المقدسة. يعد صلح وستفاليا أول اتفاق دبلوماسي في العصور الحديثة وقد أرسى نظاما جديداً في أوروبا الوسطى مبنيا على مبدأ سيادة الدول. مقررات هذا الصلح أصبحت جزأ من القوانين الدستورية للإمبراطورية الرومانية المقدسة. وغالباً ما تعد اتفاقية البرينيه الموقعة سنة 1659 بين فرنسا وإسبانيا جزءا من الاتفاق العام على صلح وستفاليا اللتان جرى التوقيع عليهما في 15 أيار 1648 و24 تشرين الأول 1648 وكتبتا باللغة الفرنسية

  • Social Links:

Leave a Reply