وليد محمود عبدالناصر
أربعون عاماً مرت على الثورة الإيرانية – في شباط (فبراير) 1979، والتي مثلت في حينها نقلة نوعية على أكثر من مستوى، سواء في العالم الإسلامي أو في النظام العالمي بأسره، ومرت تلك السنوات مليئة بالأحداث الجسام والتطورات المهمة التي لم تترك بصماتها فقط على إيران، ولكنها تركت تأثيرات كبيرة على مسار القضايا الإقليمية، في مناطق الخليج والشرق الأوسط وغرب آسيا وآسيا الوسطى والعالم الإسلامي ككل، وكذلك على مجمل أنماط العلاقات الدولية وعلى أدوار القوى الدولية، العظمى والكبرى على حد سواء، في الأقاليم التي تنتمي إليها إيران وتلعب فيها أدواراً مؤثرة.
إلا أن ما نتناوله هنا هو مثال واحد على ما أظهرته الثورة الإيرانية على مدار تلك العقود الأربعة من استمرار لأنماط من السلوكيات اتصفت بها الثورات الأخرى في العالم في التاريخ الحديث والمعاصر للبشرية، وأخص بالذكر منها ما يعرف بـ «الثورات الكبرى»، وفي المقدمة منها الثورتان الفرنسية في القرن الثامن عشر والبلشفية في روسيا في القرن العشرين، أو ما أبدته الحالة الإيرانية من اختلاف وتباين عن تلك الأنماط، ويندرج تحت هذا العنوان العريض معرفة ماذا من الأخطاء الاستراتيجية الشائعة التي ارتكبتها الثورات السابقة عليها كررتها الثورة الإيرانية، وماذا منها نجحت في تجنبه واستفادت من دروس التاريخ وما شهدته الثورات السابقة عليها من تطورات وما واجهته من تحديات نتيجة ارتكاب تلك الأخطاء.
والمثال الذي نتعرض له في هذا المقام هو ما تعهد به آية الله الخميني، والذي تحول من خلال وجوده حراً في منفاه في فرنسا، إلى رمز للثورة الإيرانية، في وقت كان معظم قادة القوى السياسية الإيرانية القادمة من أطياف فكرية مختلفة من اليسار إلى اليمين، والمشاركة في الثورة، قيد الاعتقال في سجون الشاه محمد رضا بهلوي أو مختفين داخل إيران لتجنب الاعتقال، وأصدر الخميني هذا التعهد مراراً وتكراراً قبل انتصار الثورة الإيرانية وفي الأيام الأولى التي أعقبت تولي الثوار مقاليد الحكم في طهران، حيث أكد أن الثورة الإيرانية لن تكرر خطأ الثورات السابقة عليها فيما يتعلق بالمقولة التاريخية الشهيرة: «الثورة تأكل أولادها».
وعلى أرض الواقع، لم يتحقق وعد الخميني، فمنذ الشهور الأولى بعد انتصار الثورة دبت الخلافات فيما بين القوى والشخصيات التي شاركت فيها، وتحولت تلك الخلافات إلى صراعات، وما لبثت الصراعات بدورها أن انتقلت إلى مرحلة مواجهات الشوارع، والتي اكتسبت طابع العنف في بعض الأحيان، ثم انتقل الأمر إلى مرحلة التصفيات، سواء لشخصيات أو لتيارات فكرية وسياسية بأكملها، حدث ذلك ذلك النمط بشكل خاص وبدرجة عالية الكثافة ومتسارعة الوتيرة خلال الشهور والأعوام الاولى التي تلت انتصار الثورة، ولم يستثن منه أي من الأطراف.
فكان هناك من عملوا أصلاً مستشارين للخميني في مرحلة اندلاع الثورة، مثل وزير الخارجية في بدايات الثورة خصوصاً خلال أزمة الرهائن الأميركيين في إيران منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 1979 «صادق قطب زادة» الذي صدر ضده حكم بالإعدام عام 1982 بتهمة التآمر لاغتيال الخميني، وكذلك أول رئيس للجمهورية «أبو الحسن بني صدر»، والذي تم الإطاحة به من قبل البرلمان (مجلس الشورى) في حزيران (يونيو) 1981 قبل أقل من عام ونصف على انتخابه للرئاسة بأغلبية شعبية كبيرة، ومن التنظيمات كانت بداية التصفيات في آب (أغسطس) 1979 بالجبهة الوطنية الديمقراطية، ذات التوجه الليبرالي، بزعامة «متين هدايت دفتري»، حفيد الدكتور محمد مصدق رئيس الحكومة الإيرانية في مطلع خمسينات القرن العشرين، والذي أمم آنذاك صناعة النفط ببلاده، وتعرض نتيجة ذلك لانقلاب عسكري أطاح به دبرته المخابرات المركزية الأميركية بالتعاون مع الشاه السابق محمد رضا بهلوي عام 1953، ثم تعرض تنظيم «فدائيي خلق» (الأقلية) الماركسي اللينيني لنفس المصير، ثم لحق الأمر نفسه بتنظيمات تعبر عن أقليات عرقية أو قومية أو لغوية، بخاصة التنظيمات الكردية، ثم في مرحلة لاحقة جاء الدور على تنظيم «مجاهدي خلق» الذي كان يمثل آنذاك أهم تنظيمات اليسار الإسلامي والذي تم حظره وانتقل للعمل السري وللمنفى في حزيران (يونيو) 1981، ثم طال الأمر في نيسان (أبريل) 1982 رجل الدين آية الله شريعت مداري، المعروف باعتداله وتوجهاته الليبرالية والدستورية، وتنظيمه الحزب الشعبي الإسلامي، حيث تعرض للاتهام بالخيانة وبالتورط في محاولة لاغتيال الخميني وخضع للإقامة الجبرية بمنزله حتى وفاته. ثم انضم لقائمة الأطراف التي لحق بها العصف في عام 1982 أيضاً حزب «تودة» الشيوعي الإيراني ومعه تنظيم فدائيي خلق» (الأغلبية) الماركسي اللينيني، وكان ما سبق على سبيل المثال لا الحصر.
وعلى الجانب الآخر، تعرض رجال دين كبار مؤيدون للخميني ونظريته بشأن «ولاية الفقيه» للاغتيال منذ وقت مبكر بعد انتصار الثورة، وكان من أهمهم آية الله مرتضى مطهري، وهو من أبرز تلاميذ الخميني، والذي تعرض للاغتيال في الأول من أيار (مايو) 1979 من قبل جماعة «الفرقان» الإسلامية، وهو من أكبر المؤيدين لنظرية «ولاية الفقيه» للخميني، ولسيطرة رجال الدين على مقاليد الحكم، كما أنه أول رئيس لمجلس الثورة الإسلامية، والذي أنشئ بعد انتصار الثورة، كما كان مؤسس جمعية «رجال الدين المقاتلين»، والتي ضمت رجال دين مؤيدين للخميني ونظرية «ولاية الفقيه». وبدوره، أعلن تنظيم «مجاهدي خلق»، عقب انتقاله للعمل السري، مسؤوليته عن تفجيرين، حيث استهدف التفجير الأول في حزيران (يونيو) 1981 اجتماعاً رفيع المستوى ضم حشداً من رجال الدين المؤيدين للخميني والذين كانوا يندرجون آنذاك في الحزب الحاكم، الحزب الجمهوري الإسلامي، وأدى بشكل خاص إلى اغتيال رجل الدين الدكتور محمد بهشتي سكرتير عام الحزب ورئيس السلطة القضائية ورئيس المحكمة العليا ورئيس مجلس الثورة الإسلامية، بعد اغتيال مطهري، ورئيس مجلس الخبراء وأحد أهم المنظرين والشراح لمفهوم «ولاية الفقيه»، وكان فعلياً الرجل الثاني في النظام الإيراني آنذاك بعد الخميني، بينما أطاح التفجير الثاني في آب (أغسطس) من العام نفسه بثاني رئيس للجمهورية في إيران بعد الثورة «محمد علي رجائي» ورئيس الحكومة معه رجل الدين «محمد جواد باهونار»، والذي كان أيضاً قد خلف محمد بهشتي بعد اغتياله في منصب سكرتير عام الحزب الجمهوري الإسلامي. وما بين تاريخي التفجيرين أعلن التنظيم مسؤوليته في مطلع آب (أغسطس) 1981 عن اغتيال الدكتور حسن آيات، أحد أهم منظري الحزب الجمهوري الإسلامي آنذاك وعضو لجنته المركزية وكذلك عضو مجلس خبراء الدستور وعضو البرلمان.
إلا أن أبرز المفارقات كانت تعرض الحزب الجمهوري الإسلامي نفسه للحل والحظر، ولذلك قصة. فقد تأسس الحزب بعد فترة وجيزة للغاية من انتصار الثورة الإيرانية في شباط (فبراير) 1979، بهدف تعبئة الدعم لخط آية الله الخميني فيما كان يعرف بـ «السائرون على خط الإمام» والحشد خلف الدور القيادي لرجال الدين في السلطة في حقبة ما بعد الثورة بأجنحتها الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية ولمواجهة التنظيمات السياسية المعارضة لنظرية «ولاية الفقيه» آنذاك، وكذلك لدعم اللجان الثورية النشيطة في إيران آنذاك وللحرس الثوري (الباسداران) ولميليشيا «حزب الله» الإيرانية ولما سمي بتطهير الثقافة والجامعات من التأثيرات «غير الإسلامية».
وقيل آنذاك أن الخميني هو الذي طلب من عدد من رجال الدين المؤيدين له تأسيس الحزب لتوفير مظلة تنظيمية للموالين له، وشملت هذه المجموعة من رجال الدين بهشتي وباهونار والمرشد الحالي علي خامنئي والراحل علي أكبر هاشمي رفسنجاني وعبد الكريم موسوي أردبيلي. وكما ذكرنا فيما سبق فإن التيارات والتنظيمات المنافسة للحزب قد تم حظرها تباعاً، ومن ثم لم يعد الحزب الجمهوري الإسلامي فقط هو الحزب الحاكم، بل أصبح أيضاً الحزب الوحيد، وأدى ذلك فعلياً إلى نشأة عدد من الفصائل داخل صفوفه وإلى تصاعد التباينات في الرؤى بداخله حول عدد من القضايا والتحديات الرئيسية التي واجهتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الثمانينات، فكان هناك مثلاً جناح «المكتبيين» وجناح «الحجتية» بالإضافة إلى أجنحة أخرى، وشهدت الأمور تصفيات متبادلة فيما بين تلك الأجنحة.
وتضمنت الموضوعات التي أثارت خلافات داخل صفوف الحزب الجمهوري الإسلامي الحرب العراقية الإيرانية التي اندلعت عام 1980 وكيفية التعامل معها، وكذلك الجدل حول السياسات الاقتصادية التي يتعين تبنيها ما بين نزوع البعض إلى سيطرة الدولة على المشروعات الرأسمالية الكبرى وتأميمها مقابل من دعوا إلى تبني نهج السوق الحرة، وأيضاً الموقف إزاء العالم من حول إيران وهل يتم تبني خيار الانفتاح على الدول الأخرى إقليمياً ودولياً أو يتم الانغلاق والانعزال عن المحيطين الإقليمي والدولي بغرض تأمين الثورة، بل وصل الأمر إلى بروز خلافات حول المدى الذي يجب أن يذهب إليه دور رجال الدين في مؤسسات الدولة وفي الحياة العامة ما بين الإطلاق أو التقييد في ضوء تجربة السنوات الأولى من الثورة الإيرانية.
وبحلول عام 1987، كان قد تصاعد الصراع بين علي خامنئي، المرشد الحالي ورئيس الجمهورية آنذاك والذي كان أيضاً يشغل منصب سكرتير عام الحزب بعد اغتيال جواد باهونار، ومير حسين موسوي الذي كان يشغل منصب رئيس الحكومة، على دور الحزب وتوجهاته ومحاولات استقطابه، خاصة اتهام خامنئي بأن موسوي يدفع الحزب في اتجاه راديكالي. وتزامن ذلك مع اتهامات بأن الحزب اصبح بلا فعالية وأنه أصبح عبئاً على مؤسسات الدولة بدلاً من أن يكون داعماً لها. والثابت أنه في أيار (مايو) 1987 تقدم كل من رئيس الجمهورية وسكرتير عام الحزب علي خامنئي ورئيس البرلمان (مجلس الشورى) علي أكبر هاشمي رفسنجاني بطلب مشترك للخميني بحل الحزب وهو ما استجاب له الخميني، وهناك من يرى أن الرجلين أسرعا بتقديم هذا الطلب للخميني خلال حياته نظراً للتخوف من أنه إذا رحل الخميني عن هذا العالم فلن يستطيع أحد السيطرة على الانقسامات داخل الحزب أو كبح جماحها. وارتبط حل الحزب بقرار آخر لا يقل أهمية، وأن كان اتخذ بعد القرار الأول بعامين، وهو إلغاء منصب رئيس الحكومة وبالتالي عني ذلك أن مير حسين موسوي أصبح بلا منصب حكومي، وهو الذي عاد كمنافس لمحمود أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية لعام 2009، وهي انتخابات أثارت الكثير من الاحتجاجات الداخلية والخارجية حول نتائجها، وكان موسوي آنذاك هو المرشح «الإصلاحي» و»المعتدل».
وهكذا عرضنا لمسيرة استمرت سنوات في سيرة الثورة الإيرانية لعام 1979 وشهدت تكرار ما حدث مع ثورات كثيرة سابقة عليها في التاريخ الحديث والمعاصر للبشرية من تأكيد مقولة أن «الثورات تأكل أولادها»، ولم يستطع أحد، بما في ذلك الخميني بكل ما أوتي من شعبية كبيرة وبما كان في حوزته من سلطات آنذاك، أن يحول دون تكرار الأمر نفسه مع الثورة الإيرانية، خاصة على مدار عقدها الأول.
• مفكر وكاتب مصري.

Social Links: