اللاجئون السوريون في أوروبا إلى أين

اللاجئون السوريون في أوروبا إلى أين

جمال قارص

طلال عبد هللا جاسم
2

مقدمة
ان تآكل الوطنية السورية وانعدام الثقة المتبادل وعدم فهم مخاوف اآلخر واخذها بعين االعتبار جعل روح
الوحدة، والبحث عن الخالص الجماعي في مهب الريح. مما فتح بوابات واسعة امام السعي للخالص
هروبا من المأساة السورية والذي هو من فطرة االنسان. وما زاد الوضع حدة وسوء هو ما قامت ً الفردي
به بعض المجموعات في اللعب بعواطف الناس وتأجيج مشاعر القومية والمذهبية والطائفية وحتى المناطقية
لديهم من أجل تحقيق اهداف واجندات خارجية، حيث تحولت الساحة السورية إلى ملعب دولي تتصارع
عليها الكثير من القوى الدولية لتصفية حساباتها، وأصبح السورييون مثل بيادق صغيرة ومرتزقة في
وطنهم، تتحكم بهم هذه الدول بشكل مباشر او عبر منظمات غريبة عن المجتمع السوري في منهجية الفكر
والعمل. هذه الحالة أنتجت طبقة واسعة من المقهورين السوريين، الذين ال يريدون الخوض في غمار
صراع ال مصلحة لهم فيه، وانه من الممكن ان يجدوا أنفسهم في خضم معارك ال تعنيهم وليسوا هم طرفا
فيها، وأن هذا الصراع يهدد امنهم وامن عائالتهم واموالهم وامالكهم. هذا كان السبب او الدافع االكبر
واالهم الذي ح ّرض الكثير من السوريين على أخذ قرار ترك البلد، إضافة إلى أن الكثيرين هاجروا خوفا
على حياتهم أو وقيمهم او مبادئهم او من أجل بناء مستقبل أفضل، وكما ان هناك من كان يطمح للعيش
واالستقرار في اماكن اخرى ووجد الفرصة السانحة لذلك.
وهنا كان قرار الفرار بطرق فردية او جماعية وحسب ما هو متوفر لكل فرد او عائلة، مع اختالف
المسببات والخلفيات، حيث حدثت موجات نزوح كبيرة بين المناطق السورية، وكان هذا له عالقة في حدة
القتال في تلك المناطق. وهنالك من نزح عدة مرات داخل سوريا، ولكن عندما وصل الكثيرين الى القناعة
بان األمر سيأخذ مسارا طويال، قرروا اللجوء الى دول الجوار او إلى بعض الدول العربية، حيث كانت
دول الخليج واالردن ولبنان ومصر وتركيا هي مقاصد األغلبية العظمى للسوريين، ألنهم ارادوا ان يبقوا
قريبين من مناطقهم األصلية، على امل العودة القريبة. ولكن بعد تحوالت الصراع ودخول المنطقة بأكملها
في نفق مظلم حيث لم يعد يستطيع الخبراء وال البسطاء رؤية النور في آخره، كان اتخاذ قرار الهجرة الى
ديار بعيدة امر ال مفر منه رغم انه في غاية الصعوبة، وال يمكن وصف تلك المشاعر التي تنتاب الفرد
حينما يعلم بانه على سفر سيقتلعه من جذوره تاركا خلفه تاريخه وذكرياته، ولعل قول الشاعر يصف شيئا
من هذا: وتلفتت عيني فمذ خفيت عني الطلول تلفت القلب
إن شدة المأساة السورية خلقت موجة تعاطف اقليمية وعالمية كبيرة مع السوريين، مما أدى إلى فتح أوربا
أبوابها أمام الالجئين السوريين واستقبال أعدادا كبيرة منهم وخاصة ألمانيا. هذا اإلنفتاح شكل فرصة مناسبة
لعدد كبير من الجنسيات األخرى ومنها على سبيل المثال من افغانستان وإيران ودول الجوار السوري
وبعض دول المغرب العربي، ومنهم من انتحل صفة السوري المنكوب، وكذلك فعل ذلك الكثيرين من
المقيمين الغير شرعيين في اوروبا وخاصة في فرنسا وايطاليا.
نهدف من خالل بحثنا هذا الى ايجاد سبل تجعل البلدان المستضيفة لالجئين السوريين وكذلك بلدنا االم
سوريا تستفيد من موجة الهجرة التي حصلت والعمل على تحويل تبعات هذه الهجرة من عامل سلبي إلى
عامل إيجابي، بغض النظر عما إذا عاد الالجئون الى سوريا ام اختاروا البقاء في مهجرهم. هذه معادلة
صعبة ولكنها بجهود مخلصة وعمل جاد ستكون ممكنة وتجعل البلد المضيف والبلد األم يستفيدان من
طاقات ابنائهم المشتركين. هذا العمل يستلزم الوقوف بكل جدية ووضوح امام األخطاء والتحديات والتصرفات المسيئة للمجتمعين، حيث أننا نعلم بأن أصحاب بعض االيديولوجيات العنصرية والمتطرفة
ستحاول إستغالل ما نذكره هنا من أخطاء يقوم بها الالجئون من أجل التحريض على المغتربين وتوظيفها
ألهدافهم السياسية. لكننا نحن على يقين تام بأن القضايا االجتماعية الشائكة التي تحصل بين المهاجرين
وأبناء البلد األصليين يجب طرحها بشجاعة ووضوح وبشكل صريح، ونقاشها بشكل بناء ومستفيض من
أجل الوصول إلى حلول مشتركة، وذلك قبل تفاقمها وانفجارها مسببة عواقب وخيمة جدا على المجتمع.
التوترات التي تحصل يجب تسليط الضوء عليها، وال يجوز إهمالها أو تجاهلها بحجة استغاللها من هذا
الطرف او ذاك. لذلك ال بد من طرح هذه القضايا ومواجهتها مع الشركاء من ابناء الدول المضيفة لتعميق
التواصل وايقاف بناء الجدران فيما بينهم والتي ترتفع كل يوم. ان لم يتم مواجهة هذه التحديات اليوم، فهي
ستتحول إلى قضايا مستعصية، يصعب حلها في المستقبل.
نحن نركز في بحثنا هذا على الالجئين السوريين في اوروبا، حيث تمركز عدد كبير من طالبي اللجوء
البعيد ان صحت التسمية، في بلدان هذه القارة العجوز.
من المعروف بأنه في أغلب الدول األوربية تقدم مساعدات اجتماعية للمواطنين العاطلين عن العمل او
عدم القادرين عليه، وينطبق هذا ايضا على الالجئين، حيث تغطي هذه المساعدات الحد االدنى من متطلبات
الحياة الكريمة من سكن وطبابة وتعليم، اضافة إلى مبالغ مالية تساعدهم على المصاريف الضرورية،
ومبالغ مخصصة لرعاية االطفال ولتلبية احتياجاتهم، ويطلق بعض الالجئين على المبالغ النقدية المدفوعة
لهم تسمية “الراتب”. يحاول الكثير من السوريين التوفير من هذا المبلغ، رغم صعوبة ذلك ألن هذا المبلغ
يتم حسابه بشكل دقيق جدا من قبل الحكومات وهو إليفاء مستلزمات الشخص نفسه، بحيث ال يشمل مبالغ
اضافية لمن ينبغي على هذا الشخص ان يساعدهم، ورغم ذلك فأن اغلبية الالجئين يقومون بتخصيص
مبالغ بسيطة شهرية او شبة شهرية لمساعدة اهاليهم في سوريا، او في دول الجوار. ونظرا لتعقيدات
عمليات التحويل المالية تتم هذه الحواالت بطرق غير رسمية، وهي تشكل مبالغ ليست قليلة حينما ي أخذ
بعين االعتبار عدد الالجئين والمغتربين الذي يقارب 2 مليون سوري في اوروبا، ولكن ال يوجد أي ارقام
رسمية تأشيريه حول تكلفة هذه الحواالت المالية. ويلجأ اغلب الالجئون لهذا الخيار لسببين، السبب االول
هو ارتفاع اجور التحويل، أما السبب الثاني فهو المعوقات القانونية والمصرفية. وتجدر االشارة هنا الى
ان المبالغ التي تدفع لالجئين في الدول االوربية تختلف من دوله إلى اخرى، وبمقارنة بسيطة بين
المساعدات المالية التي تدفعها مختلف الدول االوربية لالجئين او الخدمات العينية المقدمة لهم نجد بأن
المبلغ المدفوع متقارب رغم الخالفات الظاهرية في المبالغ النقدية المدفوعة بشكل مباشر، وهذا يعود إلى
اختالف قوانين المساعدة االجتماعية ومساعدة العاطلين عن العمل من دولة إلى أخرى. فعندما يزاد الدعم
النقدي في دولة ما ينقص مقابله الدعم العيني والخدمات، والعكس صحيح.
ساد جدل بيزنطي بين السوريين حول اسباب قبول الدول االوربية اعداد كبيرة من الالجئين السوريين
الواصلين اليها عبر الهجرة الغير منظمة، او عبر االمم المتحدة وبرامجها، او عبر موافقات بعض هذه
الدول على استقبال فئات معينه من الالجئين وفق شروط محدده. او عبر غض النظر عن ضبط الحدود
امام المهاجرين، وقد نوقش هذا الموضوع طويال اضافة الى موضوع الجهة التي تمول هذا االستقبال،
وكان واضحا بان القلة منهم يعرفون كيف تمول الدول االوربية نفقات اللجوء واالندماج والبرامج االخرى.
سنتطرق هنا كذلك الى توجهات الالجئين وأخطائهم واالخطاء التي تتم في التعاطي معهم من قبل مجتمعات
وإدارات الدول األوربية. نحن نرى بانه البد من توضيح هذه االمور ألنها مهمة وتخص حياة ما يقارب
مليوني سوري يعيشون في أوروبا، وسنبحث ذلك في سبع ابواب رئيسية بشكل مف ّصل.

اوالً: أهم أسباب قبول عدد كبير من الالجئين السوريين والتسهيالت الكبيرة التي قُدمت لهم:
العامل االول: ال شك بان العامل االنساني كان هو العامل األول والحاسم عند الشعوب االوربية في احتضان
عدد كبير من الالجئين السوريين في مجتمعاتهم، حيث توجد حالة تعاطف كبيرة مع السوريين عند أغلبية
شعوب هذه الدول، وهي نابعة من تجارب أليمة عاشتها هذه الشعوب في حروبها السابقة ومن قيم مترسخة
لديها. وكذلك يوجد منظمات كثيرة ومؤسسات كبيرة وأحزاب متعددة تحمي وتدافع عن هذه القيم وتقف في
وجه األحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية واللوبيات الخاصة بها والتي تمارس ضغوط سياسية وممارسات
غير قانونية ضد الالجئين من أجل طردهم أو عدم استقبالهم. هذه األحزاب والمنظمات المتطرفة تستخدم
اخطاء بعض الالجئين وتحاول تضخيمها وتسويقها على أن الالجئين يشكلون خطرا كبيرا على مستقبل
مجتمعاتهم وأن كل الالجئين كما يقال “من نفس الطينة والعجينة” وأن اإلجرام وعدم االنضباط يحملونه
في دمهم وجيناتهم.
وقد تحدثت العديد من الدارسات حول هذا الجانب ونحب ان نشير هنا إلى انه بالرغم من ان الشعبوية
ومعاداة االجانب طاغية في هذه الفترة اعالميا اال ان االغلبية العظمى من المواطنين األوربيين ليس لديهم
ميول عنصرية بالطابع السلبي ولكن قسم منهم يخشى على منافسته في عمله او على تدهور مستوى الرعاية
الصحية او مستوى التعليم وفرصه، حيث أن اهتمام االوربيين بهذه الجوانب يطغى على الجوانب االخرى
ومنها السياسات الخارجية لدولهم، بل وحتى الكثير منهم ال يبدون اهتماما كبيرا بالسياسية عموما. لكن
حينما تحصل مآسي في اماكن من العالم يشعرون بالتعاطف مع المنكوبين لكن هذا بطبيعة الحال ال يدوم
طويال بسبب ضغوط الحياة والبيروقراطية المحلية، فأغلبهم همه االول تأمين مستلزمات حياتهم ومعاشهم،
والحياة في اوروبا ليست رفاهية كما يظن الكثيرين فهي مجتمعات عاملة وتقضي اغلب اوقاتها في العمل
باستثناء االجازات السنوية التي هي منفذ للشعور بالراحة والترفيه.
العامل الثاني: وهو الوضع الديمغرافي في “القارة العجوز”، ففي حلول عام 2030 سيكون عدد المتقاعدين
في القارة األوربية كبيرا جدا، حيث ستحتاج فئة كبيرة من كبار السن إلى الرعاية والخدمات البشرية في
سن الشيخوخة وكوادر اخرى لكي يبقي االقتصاد في حالة نمو واستقرار وربما تطور. ولذلك تركز هذه
الدول على سرعة ادماج الكوادر الطبية في سوق العمل بينما هناك عدم استعجال في تأهيل باقي الكفاءات
او توجيه الشباب للتأهيل العملي من خالل بناء مقدرات تمكنهم من دخول سوق العمل في تلك البلدان.
وهذه الحاجة غير مخفية ونذكر على سبيل المثال قرار رؤساء دول االتحاد االوربي في عام 1999 ،حيث
تبنى سياسة مشتركة للهجرة من أجل توفير اليد العاملة ولجوانب اقتصادية اخرى. وكذلك في عام 2005
أصدر المجلس االوربي “الكتاب االخضر” حول الهجرة ولكن كان ينطلي عليه طابع الكفاءة أكثر من الكم.
بينما فتح الباب أمام الالجئين “اللجوء الكبير” وفر الكفاءات والعمالة وكذلك عدد كبير من االطفال الذين
يجري تأهيلهم علميا ومهنيا حسب المعايير االوربية، وبالتأكيد سيكون هناك تحضير قيمي لهم وفق رؤية
الدول المستضيفة. ولن تكون هناك أية معارضة لذلك بسبب ضعف اللوبيات والجمعيات المهاجرة وعدم
التنسيق بينها وعدم مشاركتها بالحياة السياسية لبلدان اللجوء، حتى من حصلوا على جنسية هذه البلدان
تعتبر مشاركتهم غير فعالة الى حد كبير كمرشحين او كمنتخبين منظمين ضمن اطر حزبية.
خصوصا ألن الكتلة االكبر من ً إذا قارنا بنظرة مبسطة المؤشرات السكانية في أوروبا عموما وفي ألمانيا ،
الالجئين السوريين استقروا فيها، حيث سنرى بشكل واضح اثبات ما ذكرناه آنفا. فعدد سكان دول االتحاد
االوربي في عام 2008 كان 3,500 مليون ووصل هذا العدد في عام 2018 الى 6,512 مليون، منهم

  • Social Links:

Leave a Reply