مقاربة في العلمانية

مقاربة في العلمانية

1 – مقدمة
في العالمين القديم والوسيط، كان دائماً لدى السلطات الحاكمة رغبة جامحة لاحتواء الدين السائد ليكون غطاء إيديولوجيا لها. إذ كان الفكر الديني هو المسيطر على المستوى الإيديولوجي للبنية الاجتماعية إذا اعتبرنا أنها تتألف من ثلاث مستويات السياسي والاقتصادي والفكري.. ويمكننا هنا أن نتكلم على علاقة تواطؤ كانت موجودة دائماً بين السلطة الزمانية الحاكمة والسلطة الدينية للدين الرسمي المسيطر، ولقد وسمت هذه العلاقة التحالفية كل أشكال الدولة القديمة والوسيطة قبل عصر النهضة الأوربية. لقد تجلّت هذه العلاقة بقوة في الدولة المصرية القديمة وفي الأمبراطوريتين الفارسية والرومانية والدولة العربية الإسلامية في معظم مراحلها وحتى نهاية السلطنة العثمانية.
ويعلمنا التاريخ كيف تحالفت السلطتان الزمانية والدينية في الانقلاب على أخناتون الداعي إلى التوحيد. وكذلك رأينا كيف اعتمدت المسيحية ديانة رسمية للدولة في مؤتمر نيقية عام (325 م ) برعاية الأمبراطور قسطنطين ولم يكن بعد قد اعتنق المسيحية، وكيف ساعدت السلطة آنذاك على اضطهاد جماعتي آريوس و نسطوريوس وجماعات أخرى بتهمة الهرطقة الدينية. وفيما بعد تبنت الامبراطورية الرومانية الشرقية الأورثوذكسية ديناً لها وكان الامبراطور يجب أن يمنح رسمياً بركة بطريرك القسطنطينية عند تتويجه وكذلك البطريرك كان يجب أن يحظى بموافقة الأمبراطور. وكذلك في الامبراطورية الرومانية الغربية التي تبنت الكاثوليكية كانت العلاقة ذاتها قائمة مع بابا روما.. وكذلك انوجدت مثل هذه العلاقة التحالفية بين السلطات الدينية والخليفة أو السلطان في معظم مراحل الدولة العربية الإسلامية سواءً في مراحلها الأولى أو في مرحلة انقساماتها وتنوعاتها (الخلافة العباسية والخلافة الفاطمية والدولة الأموية في الأندلس والأيوبية والحمدانية ودول المماليك والسلطنة العثمانية وغيرها..).
اندفعت إرهاصات الفكر العلماني في أوربا إلى سطح المشهد الفكري والسياسي بتأثير عتلات ثلاث رئيسة: عصر النهضة، إرهاصات التراكم الرأسمالي، وشروع الدين في إعادة تشكيله في أوائل القرن السادس عشر؛ وانبثاق اللوثرية التي أزالت الكثير من الطقوس والعادت والتقاليد الكنسية المتشددة وألغت الرهبنة وقلصت كثيراً من تراتبية النظام الكهنوتي وخففت إلى حدٍ كبير من وطأة الجدران السميكة التي كانت موجودة بين الإنسان الفرد والله. فلقد أسهمت هذه العتلات الثلاث في تمهيد الطريق أمام العلمانية لكي تضع أقدامها على الأرض وتشرع في مهمتها لتقويض علاقة التساند المتبادل بين السلطة الزمانية والسلطة الدينية القائمة منذ آلاف السنين والتي صارت معيقة للتقدم الاجتماعي.
ومن ثم أخذ الفكر العلماني يتصاعد بوتيرة أقوى وأسرع بعد أن وضعت الحروب الدينية أوزارها التي أنهكت أوربا خلال مائة عام، ومع بداية اندحار بعض النظم الإقطاعية في انكلترا وهولندا، وكذلك مع اندلاع الخلافات والصراعات الحادة بين بعض السلطات الأوربية الحاكمة وبين والمؤسسة البابوية من جهة، والصراع في داخل المؤسسة البابوية نفسها من جهة أخرى(بابوات روما وبابوات أفينيون في فرنسا. وراح الفكر العلماني يصبح أكثر رسوخاً في القرن السابع عشر في ظروفٍ باتت العلاقة التحالفية التاريخية بين السلطة الزمانية والسلطة الدينية تشكل عبئاً ثقيلاً على التقدم العلمي وتطور التشكيلة الاجتماعية البرجوازية الفتية الصاعدة. ولا ننسى في هذا السياق محاكم التفتيش الشهيرة ضد العلماء والفلاسفة.
ومن ثم جاءت حقبة التنوير وكتابها الكبار وانتصار قضية الفلسفة والمنطق لتفسح في المجال لنقد الفكر الديني. فلم يعد هذا الأخير خارج النقد وإنما معرض له مثل أي فكر آخر. وهذا ما أعطى دفعاً هائلاً للفكر العلماني وترسيخ جذوره في المجالين الفكري والسياسي.
ولكن انتصار الفكر العلماني بشكل حاسم وانتقاله إلى حيز التطبيق كنظام حكم، لم تتوطد أركانه في المجتمعات الأوربية إلا بعد ثورات اجتماعية ونضالات ومعارك طويلة وصعبة ومضنية من أجل بناء الدولة الديموقراطية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
وبشكل عام لا يمكننا الكلام على علمانية وتطبيقها في مجتمع محدد ما لم تترسخ فيه أسس الدولة الديموقراطية الحديثة القائمة على عقد اجتماعي يضمن حقوق المواطنين المدنية والسياسية والثقافية؛ ففي مثل هذه الدولة يكون التمايز بيناً وشديد الوضوح بين مفهوم السلطة والحكومة وبين مفهوم الدولة. لذلك في هذا السياق لا يمكننا الكلام على نظام علماني في الدول الشمولية والاستبدادية حيث الدولة فيها مركوبة من السلطة ولا يمكن التمييز بينهما. إن العلمانية أحد جناحي الديموقراطية إلى جانب جناحها الآخر وهو التعددية. فالديموقراطية لا تبتسر بصندوق الانتخابات، فبدون العقد الاجتماعي وبدون العلمانية تتحول إلى بؤرة للصراعات الطائفية والإثنية المدمرة. فالعقد الاجتماعي والعلمانية يفسحان في المجال في داخل الدولة الديموقراطية للصراعات الاجتماعية والسياسية السلمية المثمرة.
2- حول المفهوم
العَلمانية (بفتح العين) اشتقت لغوياً في العربية من مفردة عالَم (بفتح اللام) وليس من العِلم أو العالِم. وهي بدورها آتية من شقيقاتها الساميّات (عَلْما بالسريانية) و(عولَم بالبابلية والعبرية) وهي تحيل إلى العالم والدنيا؛ وليس إلى العالم الروحي أوالماورائي.
أما في اللغات الأوربية (LAICITE) فهي مشتقة من اليونانية (Laikos) ومن اللاتينية (Laicus)بمعنى “العامة” أو “الشعب” وبشكل أدق تعني الجماعة المغايرة للطبقة الكهنوتية المتحالفة مع الطبقة الحاكمة. وفي عصر النهضة صار المصطلح يشير إلى القضايا التي تهم العامة أو الشعب ولا تهم خاصته. وكان الكاتب الإنكليزي جورج هوليوك (1817 -1906) أول من نحت مصطلح “العَلمانية” عام 1851. ورجال الدين في العصور الوسطى كانوا لا يعتبرون أنفسهم من العالم (من الناس) فبالنسبة إليهم العالم هو الآخرون أي غير الكهنوتيين، وإلى الآن في الكنائس المسيحية الشرقية يطلق رجال الدين المسيحيون على غير السلك الكهنوتي لقب العلمانيين. وعلمَنةالكهنوتيين تعني ردهم إلى العالم وجعلهم جزءاً من الناس.
تقف العلمانية على عمودين أساسين بدون أحدٍهما تكف عن كونها عَلمانية: الأول فصل الدين عن الدولة والثاني عدم عدائها للدين والمؤسسة الدينية ودفاعها عن حرية المواطن في اختيار دينه ومعتقده. وهذا يعني أن النظام العَلماني ليس من وظيفته على الإطلاق التأسيس لقطيعة بين الدين والمجتمع، ولا أن تتدخل السلطات في معتقدات المواطنين الدينية ولا أن تجبر أي فرد على اعتناق معتقد أو دينٍ أو مذهب محدد، ولا تغمطه حقه في اختيار معتقده الديني أو غير الديني. وكل هذا يعني أن تكفل العَلمانية عدَم تبني دين رسمي للدولة. فالدولة ليس لها دين وإنما الدين للأفراد.
وكذلك العلمانية بمضمونها العام تعني الفصلَ بين العلم والدين لكونهما مستويين مختلفين في طبيعتهما ومسارهما وتطورهما، وكان قد أكد أهمية مثل هذا الفصل بين الدين والعلم بمنتهى الوضوح المفكر والأديب المصري الراحل طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصرالصادر عام 1938 . ويقول الياس مرقص في الدلالة ذاتها: ” نعم العَلْمَنة(Secularisation) من العالَم بفتح اللام بشقيه الزمان (Seaculum /Sciecle) والمكان (Mundus /monde)، وهي ليس العِلمانية (بكسر العين) ولا هي العِلمية والعالِمية بكل أنواعها ولا العالِمية الإسلامية “(كتابه نقد العقلانية العربية ص365)
3- نشأة الفكر العلماني/ سياق تاريخي
يرى بعضهم أن جذور الفكر العلماني تعود إلى الفلسفة اليونانية القديمة، وربما كان أبيقور من أبرز فلاسفة اليونان الذين تكلموا في هذا المجال.. ولكن العلمانية بمفهومها الحديث طفت على السطح بقوة في الغرب متزامنة مع عصر النهضة وإرهاصات النظام الرأسمالي، واشتد عودها مع عصر التنوير وانتصار الفلسفة والثورتين العلمية والصناعية.
ومن أهم من لهم باع طويل في تأسيس العلمانية، باروخ سبينوزا وجون لوك وهوبز وتوماس جيفرسون وفولتير وتوكفيل وديدرو وكثيرون غيرهم .
وتعرِّف الموسوعة البريطانية العلمانية بكونها: “حركة اجتماعية تهتم بالشؤون الدنيوية ولا تهتم بالشؤون الآخروية. وهي تعتبر جزءًا من النزعة الإنسانية التي سادت منذ عصر النهضة من أجل إعلاء شأن الإنسان والأمور المرتبطة به بدلاً من العزوف عن شؤون الحياة والاهتمام المفرط بالتأمل في الله واليوم الأخر. وقد كانت الإنجازات الثقافية البشرية المختلفة في عصر النهضة أحد أبرز منطلقاتها”.
ومن أقدم التلميحات إلى الفكر العلماني تعود للقرن الثالث عشر في أوروبا حين دعا مارسيل البدواني في مؤلفه «المدافع عن السلام» إلى الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية واستقلال الملك عن الكنيسة في وقت كان الصراع الديني بين بابوات روما وبابوات أفينيون في جنوب فرنسا على أشده؛ ويذكرهذا الصراع بالذي حصل بين خلفاء بغداد وخلفاء القاهرة.” وبعد قرنين من الزمن، أي خلال عصر النهضة في أوروبا كتب الفيلسوف وعالم اللاهوت غليوم الأوكامي حول أهمية: “فصل الزمني عن الروحي، فكما يترتب على السلطة الدينية وعلى السلطة المدنية أن يتقيدا بالمضمار الخاص بكل منهما، فإن الإيمان والعقل ليس لهما أي شيء مشترك وعليهما أن يحترما استقلالهما الداخلي بشكل متبادل.”
غير أن العلمانية لم تنشأ كفكر وبشكل مطرد إلا في القرن السابع عشر، وكان الفيلسوف الهولندي باروخ إسبينوزا (1632-1677) أول من أشار إليها، حين قال إن الدين يحوّل قوانين الدولة إلى مجرد قوانين تأديبية”. وأشار أيضًا إلى أن الدولة كيان متطور ويحتاج بشكل مستمر للتحديث على عكس الشريعة المقدسة الثابتة”. فيرى سبينوزا أن الشرائع الدينية لا يمكن فرضها مصدراً للتشريعات والقوانين. ويرى أن قوانين العدل الطبيعية والإخاء والحرية هي وحدها يجب ان تكون مصدراً له”. وهنا من المفيد أن نشير إلى أن سبينوزا قد عاش في هولندا، التي كانت في تلك الفترة من أكثر دول العالم حرية وانفتاحًا آنذاك. حيث بعد استقلالها عن إسبانيا، طوّر الهولنديون قيمًا جديدة، واصبح اليهود ومختلف الأقليات الأخرى مواطنين ذوي حقوق كاملة، ويجب الملاحظة هنا أن جو الحريّات الذي ساد فيها قد أسهم في بناء إمبراطورية تجارية مزدهرة ونشوء نظام تعليمي متطور.
وكان جون لوك الفيلسوف والمفكر الإنكليزي (1632 -1704) من أهم الداعين إلى نظام يفصل الدين عن الدولة، ويطلق الحريات العامة. ويقول حول العلمانية: “من أجل الوصول إلى دين صحيح، ينبغي على الدولة أن تتسامح مع جميع أشكال الاعتقاد الديني والفكري و الاجتماعي، ويجب أن تنشغل في الإدارة العملية وحكم المجتمع فقط، ولا تنهك نفسها في فرض هذا الاعتقاد ومنع ذلك التصرف. يجب أن تكون الدولة منفصلة عن الكنيسة، وألا يتدخل أي منهما في شؤون الآخر”. ومن أهم كتب جون لوك ” بحث في العقل الإنساني”(60) وله محاضرتان في المجتمع المدني. ويعتبر جون لوك، هذا الفيلسوف والمحامي والطبيب من أهم مؤسسي الفكر الديموقراطي والعلمانية والمجتمع المدني ومفهوم الدولة الحديثة.
وقال الرئيس الثالث للولايات المتحدة الإمريكية (توماس جيفرسون) حول العَلمانية: “إن الإكراه في مسائل الدين أو السلوك الاجتماعي هو خطيئة واستبداد، وإن الحقيقة تسود إذا ما سمح للناس بالاحتفاظ بآرائهم وحرية تصرفاتهم”. وقد جاء تصريح جيفرسون بعد استعماله حق النقض عام 1786 ضد اعتماد ولاية فيرجينيا للكنيسة الأنجليكانية ديناً رسمياً للولاية، وكفل الأمر دستورياً عام 1789 حين فصل الدين عن الدولة رسميًا فيما دعي آنذاك «إعلان الحقوق». وقد جاء هذا الإعلان آنذاك على أساس أن الأمم الحديثة لا يمكن أن تبني هويتها على أيٍ من الخيارات الطائفية، أو تفضيل الشريحة الغالبة من رعاياها سواءً في التشريع أو في المناصب القيادية، فهذا يؤدي إلى ضعضعة بنيانها القومي، وتخلِّف الدولة عن ركب التقدم إذا ما ألبس الفكر في المجتمع بلبوس دين محدد أو ثقافة اجتماعية محددة وثابتة.
ولقد رأى الكاتب البريطاني جورج هوليوك عام 1851 ” إن العلمانية نظام اجتماعي منفصل عن الدين غير أنه لا يقف ضده وقال آنذاك: “لا يمكن أن تفهم العلمانية بأنها ضد المسيحية هي فقط مستقلة عنها؛ ولا تقوم بفرض مبادئها وقيودها على من لا يود أن يلتزم بها”. لذلك يرى معظم رواد العلمانية أنها ليست أيديولوجيا أو عقيدة بقدر ما هي طريقة للحكم، ترفض وضع الدين أو سواه كمرجع رئيسي للحياة السياسية والقانونية، وتتجه إلى الاهتمام بالأمور الحياتية للبشر بدلاً من الأمور الأخروية، أي الأمور المادية الملموسة بدلاً من الأمور الغيبية.

4- في تطبيق العلمانية
لا يمكننا أن ننظر إلى العلمانيّة كمقولات ثابتة وجامدة أو ايديولوجيا أو دين جديد، فهي قابلة للتبيئة والتكيف بحسب ظروف الدول التي تتبناها. ولذلك على أرض الواقع يمكننا الكلام على علمانيات. فهنالك “عامٌ علماني” يسِم معظم الدول العلمانية وفي آن هنالك (خاص علماني) وهو عبارة عن فروق وتلاوين تطبيقية (Nuances) بين دولة علمانية وأخرى. وفي المشهد العالمي يمكننا أن نتكلم على علمانية إنكليزية وأميركية و هولاندية و فرنسية وإيطالية وهندية و يابانية وارجنتينية وبرازيلية وتركية إلخ… ولكن علينا أن نلاحظ هنا أن الفروق والخصوصيات بين العلمانيات في هذه الدول لم تؤدِ إلى نسف (العلماني العام) والتهامه وهو عدم تدخل المؤسسات الدينية في شؤون الدولة وقراراتها السياسية.
قلت في المقدمة أن ما هو هام جداً في النظام العلماني أنه غير معادٍ للدين كما يحاول أن يصوره القسم الأكبر من فصائل الإسلام السياسي في العالم العربي، أو كما يعرضه ويروج له العلمانويون في خطابهم فيجعلون من العلمانية معادية للأديان ونافية لها ويحولونها إلى إيديولوجيا متشنجة؛ في الوقت الذي تحرر العلمانية في الأساس الدين من كونه موضوعاً لاستغلال واستخدام السلطات الحاكمة، وبمعنى أكثر شمولاً تحرر المواطنين من استبداد علاقة التواطؤ التاريخي بين المؤسسة الدينية والسلطة الحاكمة وتساندهما المتبادل في نمط الدولة القديمة. وفي هذا الإطار لا يمكننا اعتبار الدول الشمولية التي كانت سائدة في الكتلة الاشتراكية ومثيلاتها التي ما زالت قائمة دولاً علمانية. فأي دولة لا تتيح حرية المعتقد الديني للمواطن لا يمكن تصنيفها في عداد الدول العلمانية. وفي هذا السياق لا يمكننا الكلام على أية دولة علمانية قد تشكلت في العالم العربي من المحيط إلى الخليج، كما يتكلم البعض من أنصار فصائل الإسلام السياسي أو كما يدعي أنصار ومؤيدو الأنظمة الشمولية والاستبدادية. يمكننا هنا أن نأخذ بعين الاعتبار الاستثناء التونسي حيث لم يؤسس في تونس نظاماً علمانياً كاملاً لكن أرسي فيها بعض الملامح العلمانية الجدية وخصوصاً فيما يتعلق بحقوق المرأة وتمكينها وقانون الأحوال الشخصية في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.
يسود النظام العلماني في الكثير من دول العالم في أوربا والأميركيتين واستراليا ونيوزيلاندا والهند واليابان وتركيا وجنوب أفريقيا والسنغال ودول أفريقية أخرى.
فهناك بعض الدول التي تنصّ دساتيرها صراحة على هويتها العلمانية مثل الولايات المتحدة وفرنسا ومعظم الدول الأوربية وكوريا الجنوبية والهند وكندا وتركيا. ولكن هنالك بين هذه الدول فروق بالتطبيق ويمكننا على سبيل المثال أن نفرق بين علمانية أنجلو سكسونية وعلمانية فرنسية أكثر قيوداً فيما يتعلق بعلاقة الدين بالمدرسة والجامعة والحجاب والنقاب وارتداء الموز الدينية.
وهنالك شريحة ثانية من الدول لم تذكر العلمانية في دساتيرها ولكنها لم تحدد دينًا رسمياً للدولة، وتنصّ قوانينها على المساواة بين جميع المواطنين وعدم تفضيل أحد الأديان والسماح بحرية ممارسة المعتقد والشرائع الدينية، وحق الفرد في اختيار دينه ومعتقده ونظرته للكون والعالم بما يشكل صونًا لحقوق الإنسان وحقوق الأقليات الدينية، وهي تعتبر دولاً علمانية أيضاً. وهنالك استثناء في الدول الأوربية مثل مالطة إذ ينص دستورها على الكاثوليكية ديناً رسمياً لها وتعتبر الإجهاض محرماً فيها بقوة القانون ومع ذلك فإن تقييد الحريات العامة فيها أقل بكثير مما هي عليه في بعض الدول الأخرى التي لا تضع في دساتيرها ديناً رسمياً للدولة مثل مصر وسوريا والعراق وبعض الدول العربية الأخرى.
وهناك شريحة ثالثة من الدول لا تنصّ دساتيرها على دين محدد للدولة ولكنها تحدد الدين الإسلامي كمصدر رئيسياً (أو الرئيسي) للتشريع وفي بعضها يحدد دين رئيس الجمهورية كما هو الحال في سوريا؛ غير أن دساتيرها تحوي مبادئ المساواة بين جميع مواطنيها وكفالة الحريات العامة، ولكن على ارض الواقع فيها تقييد لهذه الحريات يختلف من دولة إلى أخرى . وعلى سبيل المثال مصر فدستورها يحدد الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً للتشريع وهي لم تتخلص بعد من الكثير من قيود الدولة القديمة مثل الشروط الموضوعة على بناء الكنائس وترميمها وشروط زواج المواطنين والمواطنات وقوانين الإرث. وهذا النمط يستغرق الكثير من الدول العربية وإن كان هنالك فروق فيما بينها؛ وفي هذه الدول بما فيها لبنان لا تسمح حتى الآن بالزواج المدني ولا يسمح فيها للمواطن اختيار دينه ولا يزال سارياً فيها تشريع تعدد الزوجات بالنسبة للمسلمين وعدم حرية المواطن غير المسلم في اختيار شريكة مسلمة ولا يزال قانون الملل العثماني هو السائد بالنسبة للأحوال الشخصية وقضايا الإرث في معظم البلدان العربية. وذهب بعض الباحثين في هذه الدول لاجراء تعديلات اصطلاحية مثل “الدولة المدنية” بديلاً عن “الدولة العلمانية” واقترح بعض فصائل الإسلام السياسي مصطلح “الدولة المدنية بمرجعية دينية”، وهذا في نهاية المطاف لا يؤدي إلا إلى تفريغ مبادئ المساواة والحريات العامة من مضمونها.
وهنالك شريحة رابعة من الدول تتسم بكونها دولاً دينية ثيوقراطية؛ محدد في دساتيرها دين رسمي للدولة وتطبق فيها أحكام الشريعة الإسلامية والحدود الشرعية كما هو الحال في السعودية والسودان وإيران، وحتى بعضها يحدد في الدستور المذهب كدين رسمي للدولة، كما هو الحال في إيران حيث المذهب الجعفري الإثنى عشري هو الدين الرسمي للدولة والولي الفقيه أعلى من كل السلطات وهو الذي يملك القرار الحاسم (الفيتو)على كل المستويات السياسية الاجتماعية والقانونية.
وهنالك بعض الدول التي يقوم نظام حكمها على المحاصصة الطائفية على مستوى مناصب الدولة كما هو الحال في لبنان والعراق.
وفي الدول المصنفة علمانية ما يزال النقاش يدور حول مدى التزامها بفصل الدين عن الدولة وفي الواقع هنالك فروق فيما بينها؛ ففي فرنسا على سبيل المثال جدول العطل الرسمية مقتبس بأغلبه من الأعياد الكاثوليكية، وكذلك تقدم الدولة تمويلاً للمدارس الدينية. كذلك في الهند وهي أيضًا دولة تنصّ على العلمانية الكاملة، ولكنها تقدّم سنويًا إعاناتٍ للحجاج المسلمين عند ذهابهم إلى الحج في مكة. أما دستور أستراليا وهي دولة علمانية رغم عدم ورود العبارة صراحة، فالمادة السادسة عشر بعد المئة، لا تنص على أي تقييد للحرية دينية وممارسة شعائرها أو أي تمييز بين معتنقي مختلف الأديان في مناصب الدولة والحياة العامة، ومع ذلك فإن الحكومة الأسترالية تدعم الصلاة المسيحية في المدارس الحكومية وتمول المدارس الدينية التي تعِدّ القسس الجدد. وكذلك الحال في سويسرا والولايات المتحدة الإمريكية، و بدرجات متفاوتة لا تشمل في جميع الظروف تقييد أي حرية دينية أو ممارسة للشعائر الدينية أو تمييز بين معتنقي مختلف الأديان في مناصب الدولة والحياة العامة فهي من المبادئ المشتركة بين جميع الدول المصنفة كعلمانية. ومن جانب آخر نرى في فرنسا أن السلطات لا تسمح بارتداء الحجاب والرموز الدينية المسيحية واليهودية كالصليب والكيبا ولفة الهنود السيخ في المدرسة ؛ ولا تسمح بارتداء النقاب في المدرسة والجامعة ومكان العمل، بينما لا توجد مثل هذه القيود في انكلترا وهولاندا وأميركا والمانيا. وكذلك فيما يتعلق بالإجهاض فيختلف الأمر من دولة علمانية إلى أخرى. وفي هولاندا يسمح بالموت الرحيم إذا وافق المريض وعائلته في الوقت الذي لا يسمح به في فرنسا رسمياً حتى الآن. أما ما يتعلق بالزواج فهو مدني في معظم الدول العلمانية والزواج الديني اختياري إلى جانب الزواج المدني الذي لابد منه.
أما ما يتعلق بمفهوم الفصل بين الدين والسلطة في الدولة العربية الإسلامية تاريخياً ، وحول الفكر العلماني ورواده في العالم العربي منذ مطلع القرن العشرين فهو يتطلب دراسة كاملة. ففي الواقع كان هنالك بعض الفصول أو الفصلات القصيرة في التاريخ العربي الإسلامي بين الدين والسلطة، ومن أهم من من ألقى الضوء على ذلك في تاريخ الدولة العربية الإسلامية الكاتب المصري الراحل فرج فودة في كتابه(الحقيقة الغائبة).
نقولا الزهر

  • Social Links:

Leave a Reply