في اليوم العالمي للمرأة: عمل المرأة حق أم تمكين؟

في اليوم العالمي للمرأة: عمل المرأة حق أم تمكين؟

وأنا أفكر هذه الأيام في اليوم العالمي للمرأة الذي يصادف اليوم( الثامن من مارس/ آذار) من كل عام إستوقفتني جملة تتردد دائما حول تمكين المرأة. والتمكين يعني أن جهة ما ستأخذ قرارات تعطي أو تمنح أو تتفضل على النساء ببعض الفرص التي تساعدها في النهوض واللحاق بركب التقدم وردم الهوة الواسعة بينها وبين الرجل.
ولا أعرف لماذا تستفزني كلمة «تمكين» وأعتبر أنها تفضل على المرأة لا إعترافا بحقوقها الأساسية التي منحت لها من الخالق، فالمطلوب هو إسترداد تلك الحقوق وإعادتها إلى صاحباتها الشرعيات من النساء اللواتي يشكلن نصف المجتمع ويصنعن النصف الآخر.

المدرسة الأولى

المرأة هي الأم وهي المدرسة الأولى وهي عامود البيت الأساسي وهي المربية والطبيبة والممرضة والموظفة والرسامة وحاملة هم الوطن لأن إبنها في الجبهة، وزوجها من قد يستشهد في الميدان لو دعا داعي الجهاد. الله تعالى لم ينسها في ذكره الحكيم إذ خصص لها سورة كاملة تتضمن آيات توصي بحفظ حقها والإنصاف في معاملتها والرفق بها ومعاشرتها بالمعروف أو مفارقتها بالإحسان.
قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ. ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فعسى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا» (19 سورة النساء). نعم إنها المرأة بمشاعرها الرقيقة وعاطفتها الغامرة وضعفها الذي يتوارى خلفه إرادة قوية وصمود عظيم في مواجهة تحديات الحياة. تغنى بها شعراء الماضي والحاضر وأعرب الكتاب عن دورها المهم في المجتمع، والأهم من هذا كله أن القوانين بدأت تتغير لصالحها بعد غياب طويل. إنها الآن في الميدان تناضل من أجل استعادة حقوقها كاملة. إنها تسعى لتمكن نفسها ولا تريد لهذا التمكين أن يأتي منّة أو صدقة أو تفضلا من أحد.

خطوات عملية

لم تتوان المرأة في جميع بلدان العالم عن المطالبة بحقوقها، إذ شهد التاريخ الكثير من الحركات النسوية التي أثمرت بإقرار العديد من الحقوق التي تنصف المرأة، فقد أصبحت حرة بعد أن كانت مهمشة تعاني من ضغط الرجل وعدم الاعتراف بدورها كصانعة قرار في المجتمع، كما واستردت كثيرا من حقوقها التي منحها الله لها كالزواج و الميراث والتعليم والعمل ورعاية الأطفال والانخراط في الحياة الاجتماعية والسياسية من أجل خدمة الوطن الذي يظل الجميع.
لكن السؤال: هل تكتفي المرأة بإقرار هذه الحقوق وتطالب الآخرين بالاعتراف بها فقط؟ أم تسعى جاهدة إلى إثباتها في الواقع وتحويلها إلى خطوات عملية وبرامج تنفيذية؟ فلكي تضمن استدامة الشيء لابد من أن تعمل به. إنّ كل إمرأة تحمل على عاتقها مسؤولية حفظ هذه الحقوق وتفعيلها بما ينفعها وينفع مجتمعها.
وسأسلط الضوء في هذا المقال على موضوع العمل، فكما أقر المجتمع بحقك في العمل وكسب الرزق بما لا يتنافى مع الضوابط والعادات والتقاليد، ومنحك حرية اختيار المجال الذي يتلاءم مع طبيعتك الأنثوية التي فُطرت عليها، يأتي دورك هنا أولًا بالإصرار على إكمال التعليم واختيار التخصص الذي يضمن إبداعك، ومن ثم البحث عن العمل المناسب الذي تريدين.
إن كثيرًا من النساء يتحججن بتعارض مسؤوليات البيت والعمل، وبأنهن يرغبن بالعمل لكن الظروف لا تسمح لهن بذلك ويجدن صعوبة في تنظيم أوقاتهن- ولا أتحدث هنا عن التي خرج الأمر عن محض إرادتها أو التي أُجبرت تحت ظل تخلف العقول التي تحيط بها على التنازل والبقاء في المنزل- بل على من تستطيع ولكن تتخوف من الأمر أو تتكاسل تحت عذر الظروف والعائلة والأبناء. لقد إستطاعت التكنولوجيا الحديثة أن تحل كثيرا من المشاكل وتمكنت ألوف النساء من العمل كليا أو جزئيا من داخل البيوت كي يبقين مع أطفالهن بدل تسليمهم لمربيات قد لا يتقن اللغة ولا العادات ولا التقاليد. فهل بقي حجة لإمراة لا تريد أن تعمل تحت ذريعة تربية الأطفال؟
كم من طبيبة ومعلمة وعالمة ومهندسة استطاعت بتصميمها وعزيمتها أن تخرج للعمل وتتبوأ أعلى المناصب ومع ذلك كانت أُمًا ومربية ناجحة لأطفالها ولم يؤثر ذلك على دورها في الأسرة، بل بالعكس استطاعت بشهادتها أن تفيد مجتمعها الكبير والصغير، وتترك رسالة بليغة تدعو إلى احترام المرأة وتؤكد من خلالها على أهمية العلم والعمل الذي لم ولن يكون حكرًا على أحد.

لا مستحيل

إن المرأة القوية هي التي لا تسمح لدخول كلمة مستحيل في قاموسها، إنما تسعى جاهدة إلى تغييره بما يتناسب معها ومع النساء الأخريات. ففي الآونة الأخيرة شغلت الرأي العام فكرة التعارض بين السماح بالعمل للمرأة وبين تمكينها فعليًا بتوفير البيئة المناسبة لها.
فمن ناحية نجد مجموعة من التسهيلات والامتيازات التي تقدمها الدولة لتسهيل العمل على المرأة بما يضمن لها الإبداع والاستمرار في العمل، كمنح إجازة الوضع، و تقصير العمل الرسمي للمرأة المرضعة، ومن ناحية أخرى مَنحت حرية اختيار الوظيفة المناسبة لها من مختلف المجالات بعد أن كانت مقتصرة على التعليم والتمريض. لكن في المقابل وُجدت اعتراضات من قبل عدد من النساء على بعض التسهيلات وتم اعتبارها من باب التقصير في حقوقهن، كقصر مدة إجازة الأمومة، وتقييد المرأة بالعمل الرسمي وطول مدة ساعات العمل. لكن المهم الآن أن نأخذ هذه الحقوق ونطالب بالمزيد بدل الركون لما هو بين يدينا.
ونخلص في هذا المقال إلى أن الدولة تسعى جاهدة إلى الاعتراف بحقوق المرأة وإنصافها وفتح كافة الفرص أمامها. ولا بد من الإقرار أن الدولة سعت جاهدة في السنوات الأخيرة وبشكل دؤوب إلى تعديل وتطوير اللوائح والقوانين التي تنصف المرأة وترفع من مستوى مشاركتها في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بما يُبرز دورها في المجتمع.
ما تبقى هي المسؤولية التي تقع على عاتق المرأة لتخطو خطوة إلى الأمام، تُعبر عن رأيها وتثبت وجودها وتختار مكان عملها، ولا بأس إن وقعت في الخطأ في البداية فلا بد أن تنهض من جديد وتعمل على تحسين أدائها وتطويره، ففي النهاية هذا أفضل من أن نجلس مكتوفي الأيدي ننتظر أن يمن علينا الرجل ببعض الحقوق ويُهضم حقوقا أخرى، فدور المرأة مهم وكل من حولها في أمس الحاجة إليها، كما قال توفيق الحكيم: «إن عقل المرأة إذا ذبل ومات، فقد ذبل عقل الأمة كلها ومات».

 

  • Social Links:

Leave a Reply