سياسات الشارع والرهان على الذاكرة في الشرق الأوسط

سياسات الشارع والرهان على الذاكرة في الشرق الأوسط

 

1/2

محمد تركي الربيعو

في كتابها المعنون «السوسيولوجيا السياسية المعاصرة»، ترى السوسيولوجية المحاضرة في جامعة لندن كيت ناش، أن أهم إسهام نظري في السوسيولوجيا السياسية الجديدة يبقى بلا ريب هو تعريف فوكو للسلطة بوصفها موجودة في كل مكان، خاصة أن هذا التعريف جاء ليتجاوز الرؤيتين الليبرالية والماركسية في إغفالهما لكيفية عمل السلطة، التي غدت مع فوكو منتجة للأفراد كاشياء وكذوات بطرق مختلفة في الميدان الاجتماعي (المؤسسة العسكرية والمعامل والمدارس والمستشفيات…الخ( .

 

ومع ذلك فقد حصد هذا التعريف الفوكودي للسلطة انتقادات واسعة، كونه أسس لنظرة سلبية للأفراد بوصفهم مالئي أمكنة وليس لديهم أي فرص للمقاومة. وربما هذه الانتقادات تنطبق على كتابات فوكو الأولى التي تطورت لاحقا، بحيث واجهت هذه الاعتراضات عبر النظر لفكرة المقاومة كشيء وثيق الصلة بالسلطة أينما وجدت، وهو الأمر الذي عبر عنه فوكو بالقول «إنه حيث توجد سلطة لا بد من وجود مقاومة». ما أخذ يعني رؤية إيجابية لدور الفئات الخاضعة للسيطرة بدل الرؤية الفيبرية (السلبية) للشعب بوصفه جاهلا ولا مباليا بالسياسة، أو الرؤية الماركسية التي بقيت منحازة لمركزيتها في تعريف الصراع بوصفه صراعا طبقيا، بدون أن تعطي وزنا للحركات الاجتماعية حول العرق والجنس مثلا.

 

وعلى كل حال ورغم أن هذا التحول في فهم السلطة كان نموه في الفلسفة أكثر منه في السوسيولوجيا، إلا أن نتائجه جرى تلقفها في الحقل السوسيولوجي، رغم اعتراضه بعض الشيء حول هذا التقبل، وذلك بحكم خلفيته الميدانية، وقد ترافق هذا الانفتاح مع بروز الحركة الطلابية في فرنسا 1968، التي رفعت شعار الشاعر الفرنسي آرثر رامبو الشهير «ينبغي تغيير الحياة. هذه الحياة الرتيبة، التقليدية لم تعد تناسبنا، نريد شيئا آخر غيرها»، وهذا ما كان يعني طرحا وتعريفا جديدا للسياسة باعتبارها شأنا من شؤون الحياة، وظيفتها إفساح المجال للهويات المقموعة للتعبير عن نفسها.. ما أدى بحسب ـ ناش ـ إلى توظيف مفهوم «الحركات الاجتماعية الجديدة» لوصف هذه الحركات التي برزت في ستينيات القرن العشرين (الطلابية والحقوق المدنية والنسوية والبيئية…الخ) التي كانت تتميز بعدد من السمات ومنها:

 

-غير مرتبطة بحقوق اجتماعية واقتصادية معينة، كما في الحالة الماركسية، بل هي تعكس رغبة في الاحتجاج والتغيير، كما أنها تعتبر نفسها منخرطة في صراعات حول تعريف المعاني وانشاء الهويات الجديدة.

 

– الأهم من ذلك أن من يقود هذه الحركات هم الناس العاديون، وهي في غالب الأحيان محجوبة وغير مرئية وتقوم على انتهاك كل ما هو معتاد. كما أنها منخرطة دوما في «شجب السلطة» بكافة أشكالها داخل الحياة الاجتماعية، ولذلك فهي غالبا ما تنظر للتجديدات الثقافية التي تحدث في المأكل واللباس والغناء والعلاقات العاطفية بوصفها محاولات لكسر التقليد.

 

الاستثناء الشرق أوسطي:

 

رغم ذلك وأمام هذه الرؤية الجديدة للسياسة وللحركات الاجتماعية التي تعيش بشكل غير مرئي، بقي الباحث المحلي في الشرق الأوسط يميل في أغلب الأحيان إلى الاعتماد على الرؤية السوسيولوجية التقليدية في دراسة واقعه المأزوم، وهو ما منعه من رصد هذه الظواهر الاجتماعية الجديدة داخل حياتنا اليومية. كما أن فكرة وجود شرق أوسط له ظروف استثنائية كانت تدغدغ عواطف بعض الرؤى الاستشراقية التي بقيت تميل، إما إلى فكرة «التاريخ البارد» لهذا الجزء من العالم المائل للسكون والحكم الأحادي، أو إلى فكرة أن التغيير يجري عبر النخب الفردية ورجال الجيش والقوى الخارجية. لذلك فغالبا ما تم استبعاد دراسة الشرق الأوسط من منظورات علم الاجتماع الجديد وهو ما تنبهت إليه الباحثة الأمريكية القادمة من حقل العلوم السياسية ليزا وادين، ولاحقا السوسيولوجي الإيراني/الأمريكي آصف بيات.

 

فقد أظهرت وادين من خلال رسالتها للدكتوراه «السيطرة الغامضة: السياسة والخطاب والرموز في سوريا المعاصرة» التي نشرت بداية باللغة الإنكليزية 1999، وترجمت لاحقا إلى العربية عام 2009 (وللتواريخ هنا دلالات معينة سنأتي على ذكرها)، إن الاشكالية في دراسات الأنظمة السلطوية، هي في بقائها غير قادرة – وربما غير مكترثة- على التمييز بين التظاهر العام بالولاء والتصديق به من ناحية، وبين الولاء والتصديق الحقيقيين. وبالتالي فغالبا ما نظر لظاهرة تقديس الحاكم، والأعمال الثقافية والفنية الساخرة والنكات من هذه الظاهرة بوصفها صمامات أمان، أو «تنفيس» معدة لتأكيد الوضع الراهن، أمام جمهور سلبي بدون أن تكون قادرة على إثارة أي فعل جماعي.

 

ومن هنا أخذت وادين تسعى إلى تأسيس سوسيولوجيا جديدة للنكتة في سوريا، باعتبارها بقيت «تعمل بشكل فعال كمقاومة لظاهرة تقديس الحاكم، للدرجة التي تمكن الراوين والمستمعين من التغلب على العزلة والتفتيت اللذين تحرض عليهما ممارسات ظاهرة التقديس، حيث يشترك كل من المنكتين والمستمعين بحقيقة التغلب على رقابتهم الذاتية، وبتجاوز المحرمات، ودعوة خطر الإفصاح عن عدم التصديق حتى في الفضاء العام المحدد لأصدقاء الموثوق بهم للشخص في البيوت الخاصة… وبفعلتهم هذه، فإنهم يثيرون المعاني حول ظاهرة تقديس الحاكم: العزلة والتفتيت مقابل المجتمع والتضامن، المبالغة والنفاق مقابل الفهم العام البسيط للشروط القاسية، التعظيم مقابل الرفض والعدائية».

 

وبرأينا فقد شكل هذا الكتاب مدخلا جديدا لقراءة تاريخ العلاقة بين السلطة والمقاومة في المنطقة العربية، وربما سبقتها دراسات في هذا السياق، لكن تبقى هي الأولى من نوعها، في ما يخص الشأن السوري. والمثير أن هذه الدراسة باتت بمثابة المدخل المعتمد لدراسات جديدة في هذا السياق، وآخرها دراسة المؤرخ البريطاني تشارلز تريب «السلطة والشعب: مسارات المقاومة في الشرق الأوسط»، التي سنتطرق لها لاحقا، كما أن أهميتها بالنسبة لنا تعود إلى ثلاثة أمور:

 

الأول أن دراسة وادين صدرت تقريبا في السنة نفسها التي نشر فيها المؤرخ الماركسي حنا بطاطو كتابه «فلاحو سوريا»، الذي استمر من خلاله بالسعي إلى تطويع التاريخ ليبقى قائما على ثنائية الريف/المدينة. ولذلك فعند إجراء مقارنة بين رؤية بطاطو ووادين لشكل السلطة والمقاومة في التاريخ السوري المعاصر، يبدو بطاطو منحازا لرؤية سوسيولوجية ماركسية (تقليدية) حيال سوريا، بعكس وادين التي أظهرت ومن خلال دراستها مثلا لدور النكتة في انتهاك السردية الرسمية للسلطة، فهما جديدا للسلطة والسوسيولوجيا السياسية الجديدة.

 

أما الأمر الثاني فيتعلق برؤية مترجم الكتاب نجيب الغضبان (استاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة اركنسا – الولايات المتحدة وأحد الفاعلين السياسيين اليوم في المعارضة السياسية السورية (ولهذا الامر دلالته)، حيث بدا من خلال تقديمه للكتاب في 2009، أي قبل عامين من أحداث الربيع العربي، غير مكترث كثيرا بالجديد في دراسة وادين، وأعني بذلك مسألة المقاومة الرمزية اليومية للسلطة، وبدلا من ذلك بدا مهتما بالتركيز على الكتاب باعتباره «مادة قد تفسر لهم (المثقفين) بعض جوانب الحكم السلطوي في بلدانهم». ولعل ما يؤكد عدم اهتمامه بهذا البعد الجديد عند وادين هو حديثه اللاحق عن الحراك السوري، حيث حصر المقاومة المجتمعية السورية ببيان الألف وإعلان دمشق وحراك بعض المثقفين والفنانين. وهي رؤية تتناقض مع هدف وادين من الرسالة، كونها جاءت لتقطع مع هذه الرؤية النخبوية للسياسة التي لا ترى الحراك إلا ضمن أطر نخب وأحزاب، وهي مفارقة لها دلالتها (باعتقادنا) كونها تكشف عن رؤية مثال من النخب السياسية الناطقة بالثورات، التي بدت أنها ليست على دراية كافية بهذه المعادلات الجديدة للسلطة والمقاومة، ولذا ظهرت في أحيان عديدة تعالج مسارات الانتقال في الربيع العربي وفق أيديولوجيا «معيارية» بدل اعتماد منهجية بديلة في الحكم.

 

أما الملاحظة الثالثة فهي تتعلق بالكاتبة، كونها لم تستطع أن ترى المقاومة إلا في الفضاء الرمزي (سينما، مسلسلات، نكتا)، وربما يعود ذلك إلى أن ليزا بقيت أسيرة لمقولة فوكو حول السيطرة التي تتيح للمسيطر وبحسب المعنى الفوكوي فسحة ضيقة للمناورة يكون فيه قلب السلطة غير ممكن عمليا، لكنه ليس بالأمر المستحيل. ولا نقصد هنا محاكمة عمل ليزا في ظل المستحيل الذي عشناه وما نزال، خاصة أنه ليس مطلوبا من السوسيولوجيا السياسية الجديدة أي تنبوءات مستقبلية كونها بالأساس هي حوارية كما يرى زيغمونت باومان، أي بمعنى أن هدفها لم يعد يكمن في الوصول إلى الحقيقة، وإنما إبقاء المحادثة مستمرة عبر الشك الدائم في الاتفاق الجاري وإطلاق المحادثة في اتجاهات جديدة، ولكن الاعتراض هو عدم ملاحظة أشكال المقاومة الأخرى التي كشف عنها آصف بيات بشكل عميق عبر اعتماد تعاريف الحركات الاجتماعية الجديدة.

(غدا القسم الثاني من الدراسة)

  • Social Links:

Leave a Reply