“كفرناحوم إنجي سمير” ضحية جهل أم فريسة تشويه

“كفرناحوم إنجي سمير” ضحية جهل أم فريسة تشويه

في عددها الصادر بتاريخ 30/3/2019 ، نشرت صحيفة “العرب” في صفحة السينما مقالة للكاتبة “إنجي سمير” أوحت في سياقها أنها لقاء مع مخرجة الفيلم “نادين لبكي” .
و قد بدأت المغالطات في المقالة من العنوان ، حيث اختارت الكاتبة لمقالتها عبارة :
“نادين لبكي : كفر ناحوم أطلق صرخة اللاجئين في وجه العالم” ، في إشارة إلى أن هذا القول إنما هو على لسان نادين لبكي و يلخص الفيلم أو على الأقل رسالته ، في حين أن رسالة الفيلم كانت أكثر شمولية من ذلك بكثير ، حيث تقول نادين لبكي للعين الإخبارية : “وفي تجربتي في فيلم “كفر ناحوم” كنت أسعى لتقديم فن هادف ، لتوصيل صوت هؤلاء الأطفال المهمشين ، فبالنسبة لي موضوع الطفل موضوع أساسي ، و شعرت أن من واجبي أن أتطرق إليه .” في إشارة إلى أنها أرادت من الفيلم إلقاء الضوء على معاناة الأطفال ، و لم تقل أطفال اللاجئين السوريين .
ثم تبدأ الكاتبة مقالتها بالمقدمة التالية :
“لم يكن الطفل السوري زين في “كفر ناحوم” المخرجة اللبنانية نادين لبكي سوى رسالة وجهتها إلى العالم ، حيث رصدت من خلال رحلته سلبيات و فساد في العالم العربي ، لتقدم قصة حياة اللاجئين و ما يعانون منه بعد الفرار من ويلات الحروب ، قبل أن يكتشفوا أنهم في حروب أخرى مع الحياة ، و البحث عن لقمة العيش في ظل صعوبات و عالم لا يرحم أحداً .”
سقت الفقرة السابقة كلها كي لا أقتطع الجملة التالية – و هي الجملة المفتاح – من سياقها : ” لتقدم قصة حياة اللاجئين و ما يعانون منه بعد الفرار من ويلات الحروب ، قبل أن يكتشفوا أنهم في حروب أخرى مع الحياة ، و البحث عن لقمة العيش في ظل صعوبات و عالم لا يرحم أحدا” التي تكشف تماماً عدم فهم الكاتبة للفيلم ، هذا إذا افترضنا أنها شاهدته ، لأن الفيلم لم يتطرق إلى حال السوريين في لبنان إلا من خلال شخصية “ميسون” بائعة الورد ، لا بل إن المخرجة عرضت أساليب تحايل بعض اللبنانيين ( شأنهم في ذلك شأن جنسيات كثيرة أخرى ) ليتقدموا بطلبات لجوء على أنهم سوريون ، من خلال محاولة زين ( الممثل ) تعلم اللهجة السورية لكي يجتاز اختبار قبول اللجوء بعد تزوير جواز سفر من خلال العميل ( أسترو ) ، في فضح صادق و جريء للمتاجرة حتى بمصيبة السوريين و نكبتهم .
ثم تمعن الكاتبة في تأكيد جهلها بالفيلم حين تقول : “و كان أمام نادين لبكي تحد من نوع آخر، و هو ماذا تقدم في فيلمها و بأي طريقة تتناول القضية التي ما انفكت تتناولها القنوات الإخبارية و يراها العالم ليلاً و نهاراً ؟ في إصرار على أن الفيلم إنما يحكي حال السوريين في لبنان ، و أكثر من ذلك ، فقد ورطت الكاتبةُ المخرجةَ معها في تشويه منحى الفيلم و الإساءة إلى محتواه حين تقول على لسان نادين لبكي : “و أكدت – أي نادين لبكي – لـ“العرب” أنها حرصت قبل الشروع في تصوير الفيلم على أن تقدم العمل بدافع إنساني ، لأن المُتابع للأوضاع في الدول العربية يدرك مدى تأثير الحروب و الصراعات على حياة المواطن العربي ، الذي يلجأ في النهاية إلى التهجير و الغربة بحثاً عن الأمان .” و لعل هذا الكلام عمومي يمكن فهمه و قبوله على أنه يحكي حال العرب جميعاً و لا يوحي بأن نادين لبكي تسيء لمضمون الفيلم أو تنفي لبنانية الأسرة محور الفيلم الأساسي ، لكن الكاتبة تستطرد بالقول : “و دللت – أي نادين لبكي – على ذلك باستقبال لبنان نحو مليوني لاجئ سوري ، هربوا من الحرب في بلادهم ، ليصبح المشهد المتكرر الذي يراه اللبنانيون كل صباح هو أطفال يتسولون و يتسكعون في الشوارع ، بعضهم يمتهن أعمالا تفوق طاقته بحثاً عن لقمة العيش .” في استمرار لإظهار سوء قراءة الفيلم من قبل الكاتبة ، إذ يستحيل أن تسيء المخرجة نادين لبكي لفيلمها أو تجبن و تتنصل من حكايته الحقيقية .
و تمضي الكاتبة قدماً في المسار المعتم الذي أدخلت نفسها فيه حين تقول : “بمغادرة زين منزل أسرته تقرر نادين لبكي في الفيلم أن تنقل وجها آخر للقصة ، إذ تشير إلى أن المقصود أكبر و أعمق من قضية أسرة سورية مهاجرة تعاني الفقر و الجوع فحسب ، بل الأمر يشمل دولاً أخرى ، و لا يقتصر على الأطفال فقط ، بل يشمل مجموعة بشرية تعيش على أرض واحدة ، دون الإخلال بالقضية الرئيسية .” في عناد و تأكيد بائسَين على أن الأسرة المهمشة موضوع الفيلم هي أسرة سورية ، في حين هي أسرة لبنانية .
إذا كانت الكاتبة لم تحضر الفيلم و ابتذلت تلك المقالة فهذه مصيبة ، و إذا كانت قد شاهدت الفيلم و لم تفهم محتواه فتلك مصيبة أكبر ، أما إذا كانت قد شاهدت الفيلم و فهمت محتواه و رسالته و ارتكبت جريمة طمس حقيقة رسالته أو على الأقل تشويهها فتلك كبرى المصائب .
و يبقى التعويل على مخرجة الفيلم “نادين لبكي” في أن تقرأ ما أوحت به “إنجي سمير” على أنه لقاء معها و أنها – أي المخرجة – هي من صرحت بكل تلك المعلومات كي تدحضها و تقف على حقيقتها ، إلا إذا لم تكن قد قرأت هي الأخرى ، أو أنها لم تكترث لما قرأت .
نزار غالب فليحان

  • Social Links:

Leave a Reply