واجباتنا تجاه مجتمعاتنا بعد نهاية داعش (1 من 2)

واجباتنا تجاه مجتمعاتنا بعد نهاية داعش (1 من 2)

واجباتنا تجاه مجتمعاتنا

مينا
    • 15/04/2019
    • 1392

ندوة افتراضية أقامها مرصد مينا

شارك فيها باحثون وكتّاب من مختلف الاختصاصات

  • مقدمة عامة

إن فكرة الإسلام السياسي هي واحدة من أخطر المشاهدات اقتحمت واقعنا المعاصر، لأنها نجحت في مداعبة العقل العربي وتحريضه ضد بعضه أولاً، من خلال فكرة إصلاح الأمة التي قدمها الإخوان المسلمون، وفتحوا بذلك النار على قطاع واسع من الأمة.

ثم ساهمت فكرة الإسلام السياسي في صناعة الأسوار بين قطاع واسع من الناس والحضارة الغربية، ما أدى لاحقاً إلى رفض قطاع شعبي واسع، لكل ما هو إيجابي أو حتى مشترك من هذه الحضارة، ما جعل الأنظمة العسكرية الحاكمة تصبح هي الأقرب من حيث المنطق إلى الحضارة الغربية، فقد مارست استبدادها على حساب جهل قطاع واسع من الناس، كانوا ضحية شعارات قومجية تارة، ودينية تارة أخرى، أو سياسية مختلفة، إذ حولت الغرب في أذهان شعوبنا إلى عدو في الثقافة المحلية، ما ساهم لاحقاً في نهوض التيارات الإسلامية التي قدمت نفسها تلقائياً بوصفها قوة قادرة على التصدي للغرب، مستفيدة من تأثير الثورة الإيرانية، ثم من أجواء المسألة الأفغانية.

في الجانب الأول كانت لدينا القوة العسكرية الحاكمة، بوساطة الجمهوريات أو التوريث، فهناك سلطة عسكرية مطلقة، وفي الجانب الآخر برز لدينا القوميون أو البعثيون، مصر سوريا العراق ..الخ، ثم ظهر لاحقاً الإسلاميون مستغلين المتغيرات السياسية السائدة، وإذا كان العسكر والقوميون -نتيجة استبدادهم- قد منحوا الإسلام السياسي فرصة لالتقاط قطاع من الناس وتحويلهم إلى إسلامويين، فإن الإسلام السياسي هو الخطر الأكبر هنا، لأنه أخرج الدين من قطاع التعبد إلى المواجهة السياسية ولكن بالاعتماد على فكر لا يقبل أمرين:

الأول: لا يقبل بقية أطراف المجتمع. والثاني: هو الذي لا يقبل العلاقة مع الآخر، بمعنى أن الإسلام السياسي يعيدنا إلى عصر الإمارات المغلقة، وحتى نتمكن من تحقيق رؤية شاملة في هذه المواضيع هناك مقترحات عملية ميدانية قدمها عدد من الكتَّاب والباحثين والمختصين من مختلف الاختصاصات تضم سبعة أبحاث سوف نعرضها في قسمين.

البحث الأول:

  • مسؤولية المؤسسة الدينية في منع ظهور حركات التطرف
  • الدكتور: محمد حبش. مفكر إسلامي

يشكل انهيار حركة داعش الأصولية المتطرفة منعطفاً مهماً للمراجعة والتأمل في مسؤولية الشريعة والمجتمع عن ظهور هذه الحالات المتطرفة وسبل تجنب ظهورها مرة أخرى.

مع أنني لا أشاطر الأمل في أن هذا الانهيار هو النهاية، وأشعر بأن التيار المتطرف سيعيد إنتاج أشكال مختلفة قد تكون أشد قسوة وتطرفاً وبخاصة مع استمرار غياب العدالة وانسداد أفق الحلول السياسية وعجز المؤسسة الدينية عن معالجة المشكل الجوهري المسبب للإرهاب.

ويجب الاعتراف أن مواجهة التيارات العنيفة في هذه المرحلة حدث فقط عبر الهجوم العسكري الماحق، بناء على التحالفات والمصالح السياسية، وأن الدور الثقافي والمعرفي والفقهي والحواري كان في حده الأدنى، وهو ما ينذر بعودة هذه الحركات العنيفة إلى الظهور لدى أول فرصة.

وأجدد رأيي بأن منع الحوار مع هذه الفصائل بوصفها مصنفة حركات إرهاب كان خطأ جسيماً ارتكبته الأسرة الدولية، وقد أغلق أبواب المعالجة كلها وقصرها على المحق العسكري وهو ما كلف الأبرياء والمدنيين عشرات آلاف من الضحايا، وأنجز دملاً للجرح بغير تعقيم وبات ينذر بالانتكاس وتفجر المرض من جديد.

وبخاصة أن المتحاربين يعلمون بيقين أن عدداً من الحركات التي تماثل داعش عنفاً وبطشاً من فصائل حكومية أو ثورية أو ارتزاقية ظلت خارج التصنيف (منظمات إرهابية) ما طرح مزيداً من الأسئلة، حول صحة وجود ازدواج في المعايير الدولية من عدمه.

ومن المؤكد أن كثيراً من المدارس الدينية السائدة ستدرس طلابها في المستقبل (وقد بدأت بالفعل) أن أمل الخلافة الإسلامية المتجدد على منهاج النبوة قد نهض في (القرن الخامس عشر الهجري) في بلاد الشام والعراق عبر عدد من المجاهدين وقد نجحوا في حكم شطر مهم من العالم الإسلامي وأقاموا حدود الله وشريعته في الرقة والموصل ومنبج والباب والبوكمال وساد العدل والسعادة سنوات عدة، ولكن العالم الكافر تآمر على الخلافة الإسلامية وشوهها ثم حاربتها بتحالف عسكري دولي بالتعاون مع المشركين والمنافقين والحكام الخونة وقد حدث بالفعل البطش في إخماد طموح المسلمين وحقهم في إقامة الخلافة.

وبعيداً عن التحليل السياسي والإخباري فإنني أظن أن المؤسسة الدينية مسؤولة مسؤولية رئيسة عن منع ظهور تيارات فكرية وثقافية حاملة للمضمون المتطرف الإرهابي وذلك عبر المحددات الآتية:

  • وجوب مراجعة تراث العنف في الإسلام مراجعة مباشرة وجريئة وشجاعة، وتجاوز البحث الفردي إلى حشد الآراء التي تؤكد أن النص محكوم بأسباب نزول وورود، وأنه مخصوص بزمانه ومكانه، وأن سرمديته في الزمان والمكان إساءة إليه، وتجاهل لقواعد أصول الفقه والعقل، وتحديد الزمان والمكان والإمكان، وتتركز المسائل الأساسية التي تتطلب شجاعة وحزماً على مسائل الجهاد والجزية والاسترقاق والسبي وحد الردة وحكم تارك الصلاة.
  • إعادة دراسة التاريخ الإسلامي بلغة علمية ومحايدة تتجنب تقديس الأشخاص، وترفض ثقافة تقديس الحرب وتضع الحروب التاريخية في سياق التدافع الحضاري المعروف لدى سائر الأمم، وعدم تسويغ العنف والغزو والاجتياحات والسبي بعناوين الفتح الإسلامي، وفي الوقت نفسه تتجنب أيضاً النظرة العدوانية الحاقدة التي يقوم بها انفعاليون يستهدفون تعزيز الصراع بين الإسلام والحضارات الأخرى فحسب، تأسيساً على قاعدة تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون.
  • تصحيح علاقة المسلم بالآخر، ومواجهة فكرة تكفير العالم، والتوقف عن عدّ الأديان كلها شركاً وباطلاً، والتوقف عن مشروعات أسلمة العالم، واستبدال مشروع الكلمة السواء الذي نادى به القرآن الكريم بذلك، وتضمن في إطار التوافق والتعايش تنازلات كبيرة حتى عن ثوابت في الدين كالصلاة والصيام والزكاة والحج لمصلحة تحقيق وئام بين الأديان.
  • معالجة شعار تطبيق الشريعة، حيث ما يزال شعار تطبيق الشريعة حماسياً ومؤثراً، ولكنه ينصرف إلى تطبيق الحدود على الجسد بالشكل المعروف فحسب، والتأكيد أن الدول الإسلامية كلها توقفت عن التطبيق الحرفي للحدود، ولجأت إلى تحقيق المقاصد من دون تعذيب جسدي استجابة لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وواجب المؤسسة الدينية حشد الفتاوى والأفكار لتأكيد قدرة الفقه الإسلامي على الاستجابة لما أجمع عليه العقلاء، وإحياء معنى الإجماع الذي يظهر في ممارسات رجال تشريع الدول الإسلامية بوصفه تحقيقاً للإجماع الشرعي الموصوف في الفقه الإسلامي.
  • العمل على مصالحة المسلم مع القانون الدولي بوصفه ثمرة للفطرة الإنسانية وتفاعلاً مع غايات الخلق، وتحقيقاً لحكمة الله في خلق هذا العالم، وتأكيداً لنجاح المشروع الإلهي في الأرض، ومواجهة ثقافة الرفض والريبة لكل اتفاقية دولية بصفتها عملاً معادياً للإسلام، وإظهار القيم الإسلامية في توكيد ما تتجه إليه الأسرة الإنسانية من وفاق ووئام، وتبديداً للمخاوف التي أثيرت (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) عبر التأكيد الرباني: (إني أعلم ما لا تعلمون).
  • العمل على إصلاح تصورات نظام الحكم في الإسلام وتأكيد أن نظام الخلافة وولاية العهد وتوريث الحكم ومزايا الخلفاء وامتيازاتهم ليس مطلباً شرعياً، بل هو من أشد أشكال البعد عن الشريعة، وهو يتناقض تماماً مع سلوك الخلفاء الراشدين الذين رفضوا التوريث ونظام ولاية العهد ولم يجمعوا أي ثروة طائلة، وإظهار الجانب الديمقراطي في سلوك النبي الكريم والخلافة الراشدة بوصفه نقيضاً مباشراً لممارسات الحكام وتسلطهم، ووجوب العمل على قيام الدولة على الأساس الديمقراطي المتناقض كلياً مع النظام الثيوقراطي الذي حكمت به الكنيسة أوربا في العصور الوسطى.
  • المواجهة المباشرة مع منهج تغييب المرأة وإذلالها وفرض الممارسات العنيفة عليها مثل الضرب والنقاب والحجر، وإحياء قيم الحرية والعدالة والكرامة على أساس من الوصايا القرآنية والنبوية، وبيان أن الممارسات الإذلالية الممارسة ضد المرأة هي مناهضة للشريعة بالمطلق وأن في الشريعة ما يكفي لإنتاج فقه جديد مؤسس على كرامة المرأة وحريتها ومشاركتها في الحياة ومساواتها بالرجال.

ولا بد من التأكيد أن الدراسات الفقهية والعلمية مهما كانت جادة فهي ضعيفة التأثير ما لم يجرِ التشبيك والتنسيق مع المؤسسات الدينية القيادية حكومية أو مجتمعية، بحيث تقدم هذه الدراسات للمؤسسات الفاعلة في صيغ مقنعة وقابلة للتأثير تأسيساً على التزامات هذه المؤسسات بالدفاع عن قيم الإسلام في الرحمة والإخاء والسلم، وانطلاقاً من خطابها الرسمي حيث هي تصرح بلا استثناء أنها ترفض خطاب الكراهية والتكفير ولكنها ما تزال تكرر الثقافات والمناهج إياها التي تعيد تدوير التطرف وإنتاجه من جديد.

  • البحث الثاني
  • في مسألة التصالح المجتمعي
  • أيمن خالد: خبير إعلامي

تكون البداية من التفسير الدستوري لحرية العبادة لمختلف الأديان والطوائف والمذاهب، وإتاحة باب الحوار بين الجميع في البلد الواحد مسألة إيجابية لكنه يبدو محض مدخل نحو مناقشة فكرة التصالح المجتمعي الذي نرى أنه يقوم على أساس إعادة تفسير مسببات الإشكالية الدينية أو الاجتماعية أو السياسية، وانطلاقاً من ذلك فإن إعادة بناء التفسير الديني للإشكالية المجتمعية هو الأمر الجوهري، وعندما نؤسس بحثناً على أصل الإشكالية التي نمر بها وأسبابها، نتيح فهماً أفضل، سوف يساعد في تخطي المشكلة التي نعانيها.

أولاً: من المنظور الديني إن عزل الإسلام السياسي أو تطويقه يبدأ من خلال تفسير خطورة فكرة (التمايز التي ارتكز عليها الإسلام السياسي) التي غادرت الإطار الحزبي وتحولت إلى مادة مجتمعية متداولة، تعمل على إرسائها مختلف القوى المتطرفة، لأنها تدرك تماماً أنها سوف تذوب ما لم تحافظ على هذا التمايز في أذهان الناس.

جوهر فكرة التمايز يقوم أصلاً على إلغاء دور التصالح المجتمعي الذي يعني قبول الجميع بالجميع تحت سقف القانون، وبتفصيل أدق، فالمجتمعات الإسلامية بعمومها التي لا ينشط فيها الإسلام السياسي ما تزال تعيش ومنذ مئات السنين، وتحمل في طياتها تعايش الجميع، وتنظر إلى مسألة العبادات بمنزلة نوع من العلاقة بين الإنسان وخالقه، ولم يخرج الإطار الاجتماعي عن هذا التفسير، وهذه المجتمعات تتعامل مع مختلف الطوائف على القاعدة ذاتها التي تعني أن هناك خالقاً فُوِّضت الأمور إليه وهو المسؤول عن المحاسبة، وعن تصرفات الأفراد ومعتقداتهم.

في ما يتعلق بفكرة الإسلام السياسي التي تقوم على تمايزه عن الآخرين، وتقديم نفسه مصححاً لمسار المجتمع الديني والسياسي والاجتماعي، فتجد أن هذا التيار لا يستوطن في أرض، إلا وقام بتحويل بنيته الحزبية إلى كتلة متمايزة تمارس في عقلها الباطني فكرة إطلاق الأحكام على بقية أفراد المجتمع، مسلمين وغير مسلمين، وهنا تماماً تتجسد الأزمة، فقد أقدم الإسلام السياسي على إلغاء فكرة التفويض للإله الخالق، وأصبحنا في مواجهة فكر جديد، هو الذي يحكم على الناس ومعتقداتهم، وأصبحنا اليوم أمام القاضي الموجود على الأرض الذي ربط بين الدين والسياسة ورؤيته الحزبية معاً، ما جعل كامل الإطار الخارج على هذا الحزب هو في قائمة المتضرر، سواء من مسلمين أم غير مسلمين.

كل من ينتمي إلى حركة دينية تمارس العنف يمارس توجهاً سياسياً بثوب ديني، وإذا كان (الإخوان المسلمون) هم أول من أسس هذا الإطار الحزبي، فإن القاعدة وداعش امتداد إخواني من حيث فكرة محاكمة البشر جميعاً وتقديم أنفسهم قوى متمايزة، ما يعني الغاء فكرة التفويض الإلهي ومحاسبة الناس على الارض، لذا، إن إعادة تأهيل البنية التربوية للجيل الحالي مدخلها في المستوى الديني في إعادة مفهوم التفويض الإلهي بين المجتمعات التي تضررت بوجود فكرة تمايز الإسلام السياسي.

ثانياً: من المنظور الاجتماعي فالدولة القومجية أو العسكرية، أو المستبدة تمارس مفهوم التمايز من خلال إرساء الفروقات المجتمعية بين فئات المجتمع وعبر مختلف الجوانب، حيث تعتصر العاصمة مختلف المدن، كما تعتصر المدن بقية الأرياف. ففي جانب معين تعمل الدولة على تقديم الفرص لطبقة وشريحة ومدينة معينة، ما أرسى تمايزاً بين عالمين متجاورين، يعيش أحدهما على الآخر، في الوقت الذي لا يستغني فيه أحدهما عن الآخر.

هذا التمايز في سلوك الدولة لا يبقى في حدود الماديات، وإنما يمس الجانب الإنساني والنفسي، ما قد يتجسد في أمنية أبناء الريف أن يتمكنوا من تجاوز ظاهرة (التنمر في الجامعات) أو مراكز العمل لأسباب تتعلق بالمظهر العام أحياناً، وإذا نظرت نحو سوريا، فكم ألف طالبة جامعية فشلت في الاندماج في الحياة الجامعية في سوريا، ونحن لا نتحدث عن ارتداء أبناء الريف الشباب (التنوره) كما في اسكوتلندا، لكن ثقافة الإقطاعي الذي ينظر إلى الريف نظرة قاسية، هي ما يدفع الريف إلى التعلق بأي قوة تعده بالانتصار لذاته.

نحن لا نتحدث عن اندماج السوريين أو غيرهم من اللاجئين في الدول الأجنبية، بمقدار ما نتحدث عن الاندماج داخل البيئة الاجتماعية والثقافية والسياسية الواحدة، ما يستوجب إطاراً تربوياً يقوم على قاعدة واحدة، وهي التربية التعليمية العامة المشتركة للجميع.

ثالثاً: من المنظور السياسي، بعيداً عن فكرة عدد الوزراء والمديرين وغير ذلك في إطار الدولة، إن أكبر معضلة سياسية، غائبة عن الجميع هي معضلة التمايز في الخدمات، والخدمات تشمل مستلزمات المواطنين كلها التي تقوم الدولة بتقديمها للمواطنين على أساس الولاء السياسي وحده، ما يخلق حالة التمايز بين المدن والأحياء والحارات، ومن خلال هذه المعادلة البسيطة، لدينا مئات الأحياء المهمشة التي تدفع بالأجيال نحو التفكير السلبي، ما يجعلنا ننظر إلى كيفية إعادة التفكير الإيجابي للشارع والمجتمع، فضلا عن صناعة القوانين التي تمنح فرصة النهوض واكتساب المهارات، وهي مسائل عالقة في العقل السياسي، تعيدنا إلى فكرة دولة القانون، وإتاحة الفرصة للجميع ولو نسبياً.

التمايز هو مسألة قابلة للحل، ومن المؤكد أنه لن تكون هناك بداية ناجحة من دون وجود قوانين قابلة للتنفيذ، غير أن القوانين إذا مورست جبرياً لن تستطيع بمفردها تغيير المجتمع بالكامل، فالمطلوب إضافة إلى النظم والقوانين التي تتيح هذا التصالح هو السير نحو خطة تصالح مجتمعي تسير عبر مسارات ثقافية واجتماعية شاملة، من أجل الوصول إلى نتائج مرضية.

  • البحث الثالث
  • دور النخب المثقفة في مواجهة الإرهاب والتطرف
  • أسامة آغي: باحث استراتيجي

إن تحديد مفهوم الإرهاب المتشح برداء ديني إسلامي، وانعكاساته الاجتماعية والثقافية والفكرية ضروري لوضع استراتيجية عمل علمية لمواجهته وتجفيف منابعه في الواقع.

ونحتاج إلى كشف العلاقة الملموسة بين نمط التربية السائدة في المجتمع والإرهاب أو التطرف بأشكاله كلها. وهذا يتطلب جهداً نخبوياً مؤسساتياً يعمل على تقصي المنابت المولدة لهذا الإرهاب عبر المنبت الاجتماعي والديني وكذلك الفهم الثقافي والشكل التربوي والتعليمي الموجود في المجتمع المعني.

ونحتاج إلى مواجهة الإرهاب إلى تشخيص علمي واقعي للبيئة الحاضنة والمولدة له، وتتسم هذه البيئة بتخلفها العام وبارتفاع نسبة الفقر فيها وكذلك خضوعها لاستبداد سياسي واجتماعي وفكري. هذا التشخيص ليس جهداً فردياً نخبوياً، بل يجب أن يكون مؤطراً بمؤسسات مختلفة المهمات. تضع خططاً ملموسة لمعرفة أسباب الإرهاب في المجتمع المعني وكذلك تضع خطة عمل بالتعاون مع جهات أخرى لمواجهة عوامل هذه البيئة المولدة للإرهاب.

تحتاج النخب المثقفة إلى وضع رؤية ملموسة للنموذج التربوي والاجتماعي الملائم لبناء الفرد عبر مؤسسات التربية والتعليم. هذه الرؤية الملموسة يجب أن تعيد النظر في المفهومات التربوية السائدة وفي الأفكار الدينية المتداولة بين الناس بوصفها مفهومات مطلقة. وهذا يتطلب وضع برنامج عمل لضخ فكري وثقافي ومعرفي كبير لبيان أهمية العلم وتطور شخصية الفرد. وإعادة إنتاج علاقة الفرد بالدين من خلال مفهومات إنسانية وحضارية. وبيان أن الأفكار التي راجت في مراحل سابقة بوساطة شيوخ فكر ديني إنما هي أفكار رافقت واقعاً محدداً في ذلك الزمن. ولا تصلح لغير زمانها.

النموذج التربوي الذي يجب أن تقترحه النخب المثقفة هو نموذج يلحظ التداخل بين الدين والتربية الاجتماعية في الأسرة الإسلامية وكذلك يلحظ الدور الذي تؤديه المدرسة في تنشئة الجيل، والدور السياسي والمنظمات الاجتماعية الموجودة أو التي ينبغي إحداثها لهذه الوظيفة. وهذا يتطلب طرح ثقافة تربوية جديدة لا تقوم على التلقين بل على الاستقراء والنقد الفكري، ثقافة تربوية ترفض النموذج التربوي القائم على مبدأ الطاعة والقبول والامتثال. فهذا المبدأ يمنع عن الفرد تشكيل ثقافته التي يكتشف أهميتها تدريجياً بنفسه، وهي ثقافة الاعتماد على الذات التي تنمي الإحساس بالمسؤولية وتحمل العبء. إن النخب المثقفة معنية بشن حملة مدروسة ترفض التلقين ومبدأ الامتثال والطاعة.

النخب المثقفة معنية أن تخرج من بوتقة عزلتها التي وضعت نفسها فيها نتيجة خوفها من القمع السلطوي الذي يعني درجة تناقض بنيوية واضحة بين ما تريده سلطة القمع من منع للتفكير والمبادرة الاجتماعية والثقافية ومن دور طبيعي تؤديه النخب في سياق التطور الاجتماعي العام. هذا الأمر يحتاج إلى إنشاء منظمات وأطر عمل ثقافية وإبداعية واجتماعية وغيرها من منظمات المجتمع المدني تكون مستقلة عن السلطة وعن الحيّز الأيديولوجي أي منظمات اجتماعية للجميع.

خروج النخب المثقفة من عزلتها يعني العمل على إرساء فضاء للرؤية والممارسة الإنسانية المنفتحة على الآخر وعلى بناء الإنسان. وهذا يتطلب إحداث منابر وأندية ثقافية وإبداعية وغيرها إضافة إلى الضغط من أجل إنتاج منهاج مدرسي علمي لا تتدخل فيه مفهومات حزبوية أو دينية أو طائفوية أو أيديولوجية. النخب معنية أن تتحول المنابر إلى وسائل لإعادة إنتاج وعي الناس بصورة مناقشة وحوارٍ حرٍ ومفتوح.

إن عماد الوعي والثقافة هو تداول الكتاب ونشره وهذا ينبغي أن يخضع لمراقبة النخب المثقفة التي تمنع تحت شعار حرية التعبير تمرير كتب تدعو إلى العزلة السياسية أو لتكفير الآخر وكذلك فضح كل ما يطرح عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ووسائل الفضاء الإلكتروني من طروحات فكرية أو سياسية تدعو إلى حالة الإرهاب والتطرف والكراهية. والمطالبة بإغلاق كل وسائل الإعلام التي تساعد على ولادة فكرٍ إرهابي ومتطرف.

النخب المثقفة معنية بالابتعاد عن لهوها الأيديولوجي والاهتمام بكيفية الاندماج الاجتماعي بين الفئات والمكونات الاجتماعية المختلفة. وهذا يتطلب صوغ خطاب فكري ثقافي يعتمد على دمج الناس في المجتمع عبر مفهوم المواطنة، فالكل متساوون بوصفهم مواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين والطائفة والإثنية في المجتمع الواحد، الدمج هنا يعني حقوقاً ثقافية واجتماعية ودينية في ظل دستور وطني ينظّم ذلك.

إن الابتعاد عن الوطنية الواحدة يعني تكريس ثقافة العزلة المولدة للإحساس بالغبن والخوف ومن ثم المولدة للقهر والإحباط التي تقود إلى التطرف وربما إلى الإرهاب.

النخب المثقفة يجب أن يكون اهتمامها للواقع ملموساً وليس معرفياً فحسب، وهذا يجعلها تضع عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعلمية هدفاً لها تدعو إليه وتضغط من أجل الاسراع في تنفيذ خطط التنمية المتكاملة.

فالتنمية ضرورة واقعية لمنع الفقر والقهر الاقتصادي، وهذا يتطلب مساهمة فاعلة لوضع تصورات ملموسة وعاجلة لمسألة التنمية.

النخب المثقفة والسياسية التي تنتج الفكر والمعرفة معنية بوضع خريطة واقعية لحاجات الناس في المجتمع بحسب درجة أولويتها شرط تلازمها مع الحرية وحق النقد والتعبير. هذه الخريطة تساعد في الاستقرار الاجتماعي وتمنع الجنوح إلى الإرهاب.

وكذلك حتى يكتمل دور النخب المثقفة والسياسية يحتاج هذا الدور إلى وضع استراتيجية ملموسة لمواجهة الإرهاب في البيئة المولدة له؛ أي استراتيجية تجفف أسباب هذا الإرهاب ودوافعه من فقر وجهل واحساس بالتهميش.

إن وضع هذه الاستراتيجية يحتاج إلى معرفة النخب بالمقدرات المادية المتاحة لهم في الاستخدام لإنجاز دورهم. وهذا أمر يتيحه وضع البلد المعني بمواجهة الإرهاب واحتمال نشوئه في البيئة الاجتماعية.

النخب الثقافية والسياسية معنية بالانتقال من دورها السابق إلى دور اجتماعي وطني إنساني جديد يعتمد قاعدة المواطنة وحقوقها وواجباتها في الفعل الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي وغير ذلك من أفعال. وهذا يتطلب اندماجاً بين النخب والشعب بفئاته المختلفة.

 

  • خاتمة القسم الأول:

أقام مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (مينا) هذه الندوة الافتراضية عبر الإنترنت وجاءت في قسمين؛ نشرنا في القسم الأول مجموعة من الآراء التي تمثل رؤية مستقبلية حول كيفية منع تكرار ظهور منظمة مثل (داعش) وهذه بعض النقاط الرئيسة التي قدمها المشاركون في القسم الأول:

  • إن هذا المشروع المتطرف (المسمى داعش وأمثالها) هو قادر على إعادة تكوين نفسه من جديد لأسباب عدة ما لم يجرِ تجاوز المعضلة السياسية المتمثلة في غياب العدالة وانسداد الأفق السياسي.
  • يجب معالجة عجز المؤسسة الدينية عن فهم المشكل الجوهري المسبب للإرهاب ومعالجته.
  • يجب مراجعة تراث العنف في التاريخ الإسلامي من خلال إعادة فهم النصوص بوصفها محكومة بأسباب النزول وأنها مخصوصة بزمان ومكان ما يعني عدم إطلاق النص.
  • ينبغي التخلص من فرض الممارسات العنيفة ضد المرأة مثل الضرب والنقاب والحجر وغيره.
  • يجب إعادة صوغ التاريخ الإسلامي وتقديمه بما يوائم العصر بحيث توضع الحروب التاريخية في سياق التدافع الحضاري المعروف لدى الأمم كلها.
  • يجب التفسير الدستوري لحرية العبادة لمختلف الأديان والطوائف والمذاهب، وإتاحة باب الحوار بين الجميع في البلد الواحد.
  • يجب العمل على عزل الإسلام السياسي أو تطويقه بسبب خطورة فكرة (التمايز التي ارتكز عليها الإسلام السياسي) التي غادرت الإطار الحزبي وتحولت إلى مادة مجتمعية متداولة، عملت على إرسائها مختلف القوى المتطرفة.
  • ضرورة فهم طبيعة العلاقة الملموسة بين نمط التربية السائدة في المجتمع والتطرف بكل أشكاله. وهذا يتطلب جهداً نخبوياً مؤسساتياً يعمل على تقصي المنابت المولدة لهذا الإرهاب عبر المنبت الاجتماعي والديني وكذلك الفهم الثقافي والشكل التربوي والتعليمي الموجود في المجتمع المعني.
  • تحتاج النخب المثقفة إلى وضع رؤية ملموسة للنموذج التربوي والاجتماعي الملائم لبناء الفرد عبر مؤسسات التربية والتعليم وإعادة إنتاج علاقة الفرد بالدين من خلال مفهومات إنسانية وحضارية.
  • دور التنمية بوصفها ضرورة واقعية لمنع الفقر والقهر الاقتصادي، وهذا يتطلب مساهمة فاعلة لوضع تصورات ملموسة وعاجلة لمسألة التنمية بما يمنع تسلل التطرف بسبب المتغيرات الاجتماعية.

وسينشر القسم الباقي من الندوة التي شارك فيها كل من الأساتذة الآتية أسماؤهم في وقت لاحق.

1-هوازن خداج: خبير علم اجتماع.

2-محمود إبراهيم: خبير أمني.

3-حسن النيفي: كاتب وسياسي.

4-أحمد طلب الناصر: باحث في التاريخ.

 

 

مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.

 

واجباتنا تجاه مجتمعاتنا

  • Social Links:

Leave a Reply