قراءة في كتاب التمرد السوري

قراءة في كتاب التمرد السوري

ربما كان من حسن حظ مولف كتاب (التمرد السوري) الصادر حديثا عن دار (جداول) في بيروت بترجمة أحمد الشنبري، أن مؤلفه البروفيسور والأستاذ الجامعي الأمريكي فؤاد عجمي، هو لبناني الأصل وشيعي من أبناء الجنوب… وبعيداً عن هذا الانتماء، فهو يحمل في تاريخه العلمي والأكاديمي، سيرة حافلة بالعمل والبحث العلمي المعمق في تاريخ منطقة الشرق الأوسط، إلى درجة دفعت (شارلز هِل)، العضو البارز في معهد هوفر والرئيس المشارك في مجموعة عمل (هوبرت وجين داويت عن الإسلام والنظام الدولي) إلى التساؤل في معرض تقديمه لهذا الكتاب: ‘من يستطيع سوى فؤاد عجمي ان يصور هذه الحالة السورية الفريدة عبر العصور والطبقات ذات التعقيد السياسي الثقافي؟!’.
فهذا الانتماء وتلك السيرة، ربما يجعلان فؤاد عجمي بمنأى عن الاتهامات الجاهزة التي يمكن أن تجرها عليه هذه القراءة الشفافة، شديدة الجرأة والوضوح التي يقدمها للواقع السوري الذي أنجب الثورة، والتي قد تصطدم تصادماً عنيفاً، مع تلك (الرومانسية الوطنية) التي ينظر فيها الكثير من المثقفين أو غير المثقفين المنضوين تحت لواء الثورة السورية الحالية، حين يرون أن حكم الأسد، لم يكن حكماً علوياً طائفياً خالصاً، وأن الشبيحة ينتمون لكل الطوائف، وأن: (الطائفة الكريمة) بريئة من آثام هذا النظام ماضياً وحاضراً!

شعب ذو كرامة!

يلخص فؤاد عجمي في البداية رؤيته لهذه الثورة بعبارات مقتضبة وبليغة تلتمع في ثنايا نصه السردي البديع، المفعم بالمعلومات والأفكار والاستنتاجات التحليلية التي تقودها قراءة منهجية لتناقضات واقع تاريخي حافل بالصراع والاستبداد والفساد. يقول في الفصل الأول من الكتاب الذي حمل عنوان (الوارث):
‘إن السوريين الذين عانوا كل بلاء، لم يريدوا أن يُحكموا بأطفال بشار، بالطريقة نفسها التي حُكموا بها من قبل بشار، او كما حكم آباؤهم من قبل والد بشار’ ويتابع في موضع آخر:
‘أراد شعب ذو كرامة شيئاً أكثر من هذا النظام الكئيب القائم على الديكتاتورية والنهب’ موضحاً قبل ذلك:
‘هناك قوة لا تقاوم اصدمت بشيء لا يمكن تحريكه. لم يستطع النظام أن يخيف السكان، والناس لم يستطيعوا التخلص من هذا النظام المتغلغل الذي بناه الأسد الأب، كأكثر دولة أمنية مخيفة في الشرق العربي’.
ولكي يدرك القارئ كيف بنى الأسد الأب هذه الدولة الأمنية المخيفة التي غدت ‘شيئا لا يمكن تحريكه’ حتى عندما تصطدم بقوة احتجاحية هائلة، لا بد أن نفهم التركيبة الدينية والتاريخية للعصبة التي قام عليها هذا النظام، كما يفعل فؤاد عجمي حين يذهب في الفصل الثاني من الكتاب الذي يحمل عنوان: (وقدم أهل الجبل) إلى دراسة تاريخ العلويين وجغرافية بيئتهم وطبيعة عقائدهم، وكيف قفزوا إلى السلطة.

عزلة صنعتها العقيدة!

يرى فؤاد عجمي أن التاريخ لم يكن (رفيقاً بالعلويين) فقد كانوا جماعة جبلية انعزالية وفقراء، وظهروا كفرقة منشقة عن المذهب الشيعي منذ أكثر من ألف عام، وأن فقهم كان: ‘خليطاً من العناصر الأفلاطونية الجديدة والغنوصية المسيحية والإسلام والزردشتية’ ويوضح أن عقيدتهم التي كانت في نظر السنة والشيعة معاً تتسم بالغلواء الشديد بسبب تقديسهم لعلي الذي تجاوز حدود الإسلام، لم تستطع أن تجد موطئ قدم لها إلا في الجبال المنعزلة: ‘كان الموطن الجبلي المكان الآمن لكي يعيشوا ويمارسوا عقيدتهم. كان للنصيرية موطئ قدم في بغداد وحلب ولكن هؤلاء اختفوا بسرعة’.
العقيدة التي لم تستطع أن تصمد في مدن حضرية، وجدت في التقية ضرورة أساسية لها. ليس التقية مع المحيط فحسب بل مع كل زائر يحاول أن يعرف: ماذا يعبد هؤلاء؟! ويستحضر فؤاد عجمي صورة لهذه الجماعة في منتصف القرن التاسع عشر يصفها بأنها: (لا تمحى) وجدها في كتاب (البلاد والكتاب) لمؤلفه الأميركي (و. دبليو. أم. تومسون) الذي حرره عام 1857 ففي إحدى رحلاته إلى سوريا وفلسطين وصل إلى جبال النصيرية ووصفهم بأنهم كانوا لغزاً بالنسبة إليه.. ومميزي الخلقة، يختلفون بشكل جذري عن العرب وكأنهم ينتمون إلى جذور مختلفة، كان من المستحيل التأكد من عددهم وقد قدر عددهم بـ ‘أكثر من مئتي ألف’ وقد وصف المهارة التي يستخدمونها لتجنب أي تخمين عن أسرار ديانتهم بأنها ‘أمر أثار دهشته دائماً’ وقد استفسر تومسون من رجل عجوز من هذه الجماعة عن نوع الناس الذين يسكنون هذه الجبال فأجاب: ‘آه.. فلاحين’. كان تومسون يعرف أنهم فلاحون، ولكن كان يسأل عن عقيدتهم، أجابه العجوز: ‘دين! ما حاجة الفلاحين للدين؟’ كان تومسون أكثر إصراراً، وسأله: ‘من هو النبي الذي تتبعون؟’ أجاب العجوز: ‘إلى حد ما نحب علياً.. وكذلك نحب عيسى المسيح’ هذه الملاحظة حول عيسى المسيح قالها بعد أن ذكر له تومسون انه مسيحي، وقال أنهم يحبون عيسى المسيح وأن: ‘ديننا مذكور في العهد الجديد’!
خلال القرن التاسع عشر نزل النصيريون إلى السهول ليزرعوا الأرض للملاك الغائبين في اللاذقية ومقاطعة حماه. ويقول عجمي: ‘كانوا دائماً ينزلون ولا يصعدون أبداً، كان ذلك تعبيراً عن بؤس حياة الجبال’.

إهمال العثمانيين واحتضان الفرنسيين!

عندما وجد العثمانيون النصيرية في عزلتهم نعتوهم بـ ‘الملة الضالة’ كان من العبث أن يحاول العثمانيون إدخالهم في مجتمعهم، فبعد حملة أو حملتين، تركوهم في سلام… وعند انهيار الإمبراطورية العثمانية لم يحظَ النصيريون بأكثر من تغيير اسمهم إلى اسم أفضل فصاروا (العلويون). وعندما وصل الانتداب الفرنسي اختص سوريا ولبنان بسياسة واضحة تجاه الأقليات، سياسة (فّق تسُد) فمنحت دولة للعلويين وأخرى للدروز. يقول المؤلف مستشهداً بالمؤرخ ألبرت حوراني: ‘استمتعت المشاعر العلوية بهذا الاستقلال الذاتي وأرادت أن تبقى بعيدة عن القوميين في دمشق’.
لم تستطع فرنسا أن تلتزم بوعود الاستقلال التي أعطتها للأقليات. ففي عام 1936 وضعت الاتفاقية الفرنسية – السورية حداً لاستقلال هاتين الجماعتين، بعد أن حصلت النخب السياسية الوطنية التي خاضت معارك الاستقلال السياسي على مبتغاها. ولهذا يناقش فؤاد عجمي هذه المرحلة المفصلية من تاريخ العلويين بطريقة خاصة يقول:
‘لا زال هذا التاريخ موضع جدل. فالنخب

  • Social Links:

Leave a Reply