د. عبدي حاجي
يلاحظ المتتبع للشأن الكردي أن التناحر والتشرذم والصراعات والانقسامات الداخلية وتكاثر الأحزاب وفقدان رؤية بعيدة المدى لدى الكثير من القوى السياسية المتواجدة على الساحة السياسية يُعدُّ سمة متميزة كما أن قوى كثيرة تفتقر إلى استرتيجية محددة تكون معبرة عن طموحات الشعب الكردي في هذه المرحلة التاريخية الانعطافية والحساسة بحيث يتطلب من المرء الفهم العميق للواقع الحالي والتمتع بالمرونة السياسية والوضوح ووضع مصالح الشعب فوق المصالح الحزبية أي أنها ينبغي ألا تكون أحزاب أحزابٍ، بل أحزاب شعبٍ. لكن ثمة غموض في هذا الشأن، وهذا يعود إلى أسباب مختلفة؛ سنحاول التوقف عندها و تسليط الضوء علي بعض منها ما أمكن ذلك.
إن أحد الأسباب الرئيسة هو ضعف الذاكرة لدى الكرد عموماً وأحزابهم السياسية على وجه الخصوص، الأمر الذي يحول دون استفادتهم من تجاربهم السابقة وما حلَّ بهم من كوارث والوقوع في الأخطاء ذاتها مرة أخرى، الأمر الذي يزيد من ويلاتهم وتعقيد وضعهم أكثر من ذي قبل وجعلهم فريسة لمصائب جديدة التى هي كثيرة أصلاً. وتكمن ضعف هذه الذاكرة في نسيان أو جهل الماضي بكل تفاصيله الشيء الذي يمنع من إدراك الواقع الحالي وبالتالي عدم تلمس الطريق الصحيح إلى المستقبل؛ فمن لا يعرف ماضيه لا يعرف حاضره ولا يتلمس طريقه إلى المستقبل. إن هذه السمة التي تتصف بها هذه القوى السياسية المختلفة تجعل الإنسان الكردي حائراً كما لو أنه يبدأ كل مرة من جديد، ويهدر طاقات كثيرة كان الأولى به أن يصرفها في مجال آخر، ويقدم ضحايا دون تحقيق غاية من ذلك. وهذا ما يذكرنا بما كان يرويه الكاتب الروسي الكبير ليف تولستوي،الذي يورد ما هو أشبه بذلك في يومياته. لقد كان تولستوي يقوم بالكثير من الأعمال بنفسه وذات مرة عندما كان يقوم بتنظيف مكتبه من الغبار المتراكم على المقاعد والآثاث قرر الاستراحة قليلاً كي يعود للعمل ثانية ويكمل ماتبقى منه، لكنه بعدما عاد إلى العمل ثانيةً لم يكن يعرف ما هو الجزء الذي نظّفه وما الذي بقي من دون تنظيف. كتب تولستوي في يومياته يقول:” كنت أقوم بتنظيف الغبار في المكتب وبعد أن تجولت واقتربت من الديوان لم أستطع أن أتذكر ما إذا نظفته أم لا، ذلك أن هذه الحركات كانت مألوفة وغير واعية وشعرت بأن هذا يستحيل ذكره. وهكذا بعد أن نظفت ونسيت ذلك، فهذا يعني أني عملت بصورة غير واعية وهذا يعني كأن شيئاً لم يكن، ولو أن أحداً ما رأى وعن وإدراك؛ فهذا ما يمكن إعادته وإذا لم ير أحد أو أنه رأى لكن دون وعي وإذا مرت حياة كاملة لعدد كبير من الناس دون وعي فكما لو أن هذه الحياة لم تكن (من يوميات تولستوي 11 آذار 1896). وفي هذا السياق يمكن التذكير بمثالٍ بعد أحداث مدينة القامشلي في العام2004 حيث أجرى مراسل قناة الجزيرة لقاءً مع أحد المسؤولين الكرد تناول فيه تلك الأحداث وقد طرح المراسل عليه عدداً من الأسئلة منها : هل صحيح أن الكرد السوريين قدموا من الاتحاد السوفياتي السابق؟ تلعثم ذلك المسؤول ولم يعرف جواب ذلك السؤال، في حين أنّ الكرد في الاتحاد السوفياتي السابق قد اضطروا لترك أراضيهم في تركيا نتيجة الحروب الدائرة بين الإمبراطوريتين العثمانية والقيصرية. وكما ورد عند أحد الرحالة الأوروبيين القادم من نصيبن متوجهاً إلى الموصل في القرن الثامن عشر فإنه يشير إلى الوجود الكردي في سوريا آنذاك و يذكر أسماء قرى كردية مرَّ بها أثناء ترحاله والقرى التي جاء على ذكرها هى تل شعير الشيتية ودوكر المجاورة لها…إلخ. ويورد ب. لرخ في كتابه “دراسات حول الكرد الإيرانيين وأسلافهم الكلدانيين الشماليين” مايلي”يعيش الكرد في الجبال الواقعة المطلة على ساحل البحر الأبيض المتوسط وفي وادي عفرين…..وكان عدد الكرد في الجزيرة أكبر بكثير . كما يعيش الكرد في حارة الأكراد في حلب وفي مدينة كليس. ” إن هذا يدحض وبشكل قاطع ما كان يردده منذر موصلي في كتاباته حول أن الكرد السورييين قدموا من تركيا بعد عام 1924 وبالتالي فهم ضيوف ولا حقوق لهم. وكتاب لرخ الذي أتينا على ذكره قد صدر بالروسية في منتصف القرن التاسع عشر وهذا يعني أن الكرد يعيشون منذ قرون هنا وليس كما يذهب إليه بعض المؤلفين.
ويعود الأمر الآخر إلى الظروف التي مر الكرد فيها وما تركته من تأثيرت نفسية على شخصية الإنسان الكردي، فالحروب المتواصلة والاضطهاد وحرمان هذا الشعب من حقوقه قد خلقت عقبة كأداء أمام تطور هذا الشعب الثقافي والاجتماعي والسياسي وبالتالي في طريق نضوجه. إن عدم النضوج هذا يفرز بدوره قيادات سياسية غير ناضجة وغير مؤهلة لكي تقود هذا الشعب وفي ظروف مختلفة إلى تحقيق طموحاته المشروعة أسوة بالشعوب الأخرى. إن عدم النضوج هذا لم يكن لدى الكرد وحدهم، بل لدى شعوب أخرى. ففي القرن التاسع عشر كتب تشادايف صديق الشاعر الروسي بوشكين يقول في “رسائله الفلسفية” وهو يقارن بين الشعب الروسي وشعوب أوروبا الغربية مثل الفرنسيين والألمان، يقول بأن الشعب الروسي غير ناضج وقد يكون ذلك سبب تخلفه عن الشعوب الأوروبية الأخرى. وكما قلنا فإن حرمان هذا الشعب من حقوقه القومية والثقافية والسياسية منها حظر اللغة الكردية ومنع تدريسها وعدم السماح بفتح المدارس والجامعات كان سبباً في عدم نشوء فئة مثقفة قوية واعية تربط مصيرها بمصير هذا الشعب ولها تأثيرها على الناس وتعد عصب هذه الأمة و تعمل على رص صفوف هذا الشعب وتجسّد وحدته واتفاقه الأمر الذي دعا إليه الشاعر الكبير أحمد خاني قبل ثلاثة قرون. لقد كتب أحد الصحفيين الروس في مقال له بعنوان “قيصران” يقول أنه ثمة قيصران في روسيا وهما القيصر نيقولاي الثاني وهو القيصر الفعلي الذي كان بيده مقاليد الأمور والقيصر الثاني هو الكاتب ليف تولستوي إلا أن القيصر الثاني أقوى وأشد تأثيراً من الأول. أما المثقفون الكرد فما زالوا يستظلون بظل الأحزاب ويعملون على كسب رضاها طمعاً في جاه أو مال أو منصب في حين أن المثقف ينبغي أن يكون مستقلاٌ حتى في أكثر الدول ديمقراطية وأن يعمق الوعي القومي والإنساني لدى الإنسان الكردي بعيداً عن الانغلاقية والعشائرية والتزمت .كما أن الشللية والمافيوزية التي أخذت تنمو لدى وسط معين بتسليط الضوء على بعض ممن يكونون مثل الحرباء ويتغيرون حسب الظروف دون أن يكون لهم موقف أو مبداً في هذه الحياة هي بحد ذاتها آفة ولا تلحق سوى الضرر ويجب العمل على التخلص منها. على المثقف البحث عن الحقيقة وقول الحق ولايخشى في ذلك لومة لائم. كما ينبغي على الإعلام الكردي أن لا يغض الطرف عن الذين قدموا خدمات لهذا الشعب وفي المجالات كافة. وهنا أذكر على سبيل المثال لا الحصر “نورالدين زازا” الذي عمل الكثير للنهوض بهذا الشعب إلى مستويات أكثر نضوجاً ووعياً ، لكن الإعلام مرَّ على ذكراه المئوية في هذا العام مرور الكرام. وجدير بالذكر أنه كان من أكثر الشخصيات السياسية الكردية في سوريا نضوجاً وثقافةً وتعرض للتعذيب في السجون بسبب نشاطه السياسي والنفي إلى أن تمكن من مغادرة سوريا سراً إلى سويسرا حيث عاش فيها حتى آخر حياته.
وأخيراً؛ فإن العامل الذاتي راح يلعب دوراً في غاية الأهمية في أجزاء كوردستان. لقد كانت الأحزاب السياسية الكردية توجّه في ما مضى أصابع الاتهام إلى الأنظمة المغتصبة لكردستان بأنها سبب معاناة الكرد وحرمانهم من حقوقهم المشروعة، لكن تبين في العقود الأخيرة ولاسيما بعد حرب الخليج الأولى والثانية وبعد ثورات الربيع العربي ازدياد دور العامل الذاتي وأصبح الكثير يتوقف على الكرد أنفسهم لو أحسنوا إدارتهم وأنشؤوا قاعدة اقتصادية تؤمن لهم الاكتفاء الذاتي والعمل على إرساء أسس الديمقراطية والقانون ونظام المؤسسات والحريات.

Social Links: