من يقف وراء فكرة المؤامرة ؟!

من يقف وراء فكرة المؤامرة ؟!

و من يتآمر على من ؟
لست انا بالطبع ، لانها ببساطة موجودة قبل ان اولد .. فمن إذا” ؟!
حسنا” ، ساجيبكم على السؤال و لكن اولا” لنبدأ بالتساؤل لماذا المؤامرة ؟! ما الداعي لها ، من خطط لها و من يمول ؟
-هل تقصد تلك المؤامرة يا ابي ؟! تلك التي تستهدف ديننا و حضارتنا ؟! ام ان هناك مؤامرة اخرى يا ابي ؟
– هي هي يا بني ، انا اتحدث عن مؤامرة الغرب الكافر على الاسلام
– و لماذا ؟!
– لانهم يخافون منا ، يخافون ان نحكم العالم
-ابي اشرح لي بالعربي .. انا لا افهم الالغاز
-حسنا” سأجيب :
……………..
لماذا يتآمر العالم كله على المسلمين ، شرقه و غربه اوربا امريكا روسيا الصين ..حتى كندا و استراليا و اليابان كل خططهم منصبة ليل نهار للتآمر على الإسلام و المسلمين ، لماذا ؟
-قلت من قبل يا ابي ، لانهم يخافون ان نحكم العالم !
-نحن ؟! يخافون منا ؟!
ابني كيف سنحكم العالم و نحن غير قادرين ان نخطو خطوة واحدة دون مساعدتهم ، من اين لنا السلاح لنحاربهم و ننتصر عليهم ؟! من اين لنا السيارات و الطائرات و السفن و القطارات لنصل إليهم ، من اين لنا الهواتف و الموبايلات و الانترنيت ، بل من اين الكهرباء و حتى الماء دون خبرتهم ، التلفزيونات و الفضائيات ، يا بني حتى الكتب نعجز عن طباعتها بدونهم …يا ابني حتى مفك البراغي نستورده من عندهم ..قل لي ابني انا لم اعد استوعب ، كيف سننتصر عليهم ؟!
-فعلا” ابي كيف ؟!
………….
– و لكن لا تنس يا ابي انهم سرقوا حضارتنا و بنوا على انقاضها حضارتهم
-هل تقصد يا بني خطة خالد بن الوليد (الكراديس ) التي يعتمدون عليها في تصنيع المركبات الفضائية ؟
ام اختراعات ابن الهيثم التي يصنعون على اساسها اجهزة الليزر
ام خرائط ابن بطوطة التي صمموا على أساسها ال جي بي إس
ام مؤلفات الرازي التي بموجبها بدؤوا بزراعة القلب و الكبد و الخلايا الجذعية ؟!
عن اي جزء من الحضارة تتحدث يا بني ؟
-عنها كلها يا ابي جميعا” ، صحيح اننا نعتمد على نظريات نيوتن و اينشتاين و باستور و بلانك و و اط و فراداي و غيرهم من علماء الاجانب في كل دراساتنا و مدارسنا و جامعاتنا ، و لكنهم هم سرقوا اولا” حضارتنا ، هذا لا يجوز
– و هل يجوز ان نسرق نحن الآن حضارتهم و ندرس علومهم في جامعاتنا و معاهدنا .و مدارسنا ..؟!
– ابي لماذا تقارن بيننا و بينهم ..هم لصوص و كفى !!
…………..
-من هو يا ابي إذا” وراء فكرة المؤامرة ؟
– هو المستفيد من هذه الفكرة يا بني
– من تقصد ؟ هل تقصد الحكام و رجال الدين ؟ هل تقصد دعاة القومية العربية و حركات الاسلام السياسي يا ابي ؟
-إذا كانوا هم المستفيدين فنعم يا بني
– هل يمكنك ان تشرح لي بالتفصيل يا ابي ؟
– حسنا” ساشرح :
…………..
الحكام الانذال اللصوص المجرمون الخونة وجهوا اهتمامنا – كشعوب – إلى عدو وهمي ، كي لا نرى ما يفعلونه على الارض ، من سرقتنا و ظلمنا و خيانتنا ، و بدلا” من ان نفكر كي نرتقي و نصبح مثل الغرب المتقدم صار همنا محاربة هذا الغرب ، محاربة كل افكاره و ثقافته التي نهض عليها ، صار همنا يا بني بدلا” من ان نستوعب درسا” بسيطا” عن حركة الشمس و الارض ، و نطبق هذا الدرس بكل ببساطة ، صار همنا الدفاع المستميت ضد هذا الدرس ، صار جل عقلنا محصور في نقض هذه النظرية ، و بدلا” من ان نعمل على استثمار الفكرة , صرنا نعمل ليل نهار لنقضها ، الارض ليست كروية هم يكذبون إنها مسطحة ، الارض لا تدور إنهم يكذبون إنها ثابتة .. و هكذا يا بني ..ضاعت جهودنا في دفع افكار الغرب الكافر لا في الاستفادة من افكاره
طبعا” انا لا اقصد من هذا الدرس البسيط إلا مثالا” توضيحيا” يا بني ، سواء” كانت الارض كروية ام مسطحة ، ثابتة ام متحركة ، ليس الموضوع مهما” بهذا القدر ، إنما قس على ذلك كل افكار الغرب يا بني ..
-اضرب لي امثلة اخرى يا ابي اكثر أهمية
-حسنا” يا بني
……….

من هذه الافكار يا بني مثلا” فكرة تحديد النسل ، فبينما كان عدد فرنسا يوم ولدت انا نصف عدد سكانها الآن ، كان عدد سكان سورية عشر عدد سكانها الآن ، ببساطة بينما تضاعف عدد سكان فرنسا مرة واحدة ( و اقل ايضا” ) تضاعف عدد سكان سورية عشر مرات ( و اكثر قليلا” ) مع ان الغرب قدم لنا وسائل تحديد النسل (حبوب منع الحمل .. اللولب ..الواقي الذكري ..و غيرها ) إلا اننا حاربنا الفكرة بحجة ان الغرب لا يريد ان يكثر رجالنا ، (تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الامم ) ( الطفل بيولد و بيجي رزقه معه ) هذه الافكار جعلتنا نبحث عن قطعة ارض صغيرة لبناء غرفة و لا نجد ، عن قطعة ارض نزرعها قمحا” ، لم تعد الارض تكفي ، الثروات الباطنية على وفرتها لم تعد تكفي
من كان وراء مؤامرة (عدم تحديد النسل ) نحن ام الغرب يا بني ؟! ستسالني و لكن هذا الامر وقف وراءه رجال الدين و ليس رجال السياسة ، فلماذا تقحم الجميع في الموضوع ، حسنا” ساجيبك ، اين كانت السلطة حين كانت المنابر تقرع و تصدع ضد فكرة تحديد النسل ، اين هي حوافز السلطة و توعيتها لتحديد النسل ، ماذا قدمت لدعم الفكرة ، و هي التي لا ينبح كلب إلا بإذنها و بعد موافقتها ، لم تقدم السلطة للفكرة شيئا” ، سكتت ، و تركت الطابور الخامس التابع لها بالترويج ضد الفكرة ، لماذا ؟ ماذا تستفيد السلطة ؟ السلطة كانت تسعى بكل الاساليب لتجعل المواطن غير مرتاح ، لا ماديا” و لا اجتماعيا” ، فحين سيرتاح سيتفرغ لمراقبة فساد السلطة و محاسبتها ، تركته مشغولا” و لاهثا” ورلء لقمة عيشه و خاضعا” مذلولا” لامر السلطة و سياستها العامة
-و كانت الكارثة الاكبر يا ابي ان هؤلاء الأطفال مستقبلا” صار يلزمهم منازل مستقلة ، و البيوت مكلفة جدا” ، بينما في الغرب لا يبنون بيوتا” جديدة إلا نادرا” ، فالاولاد هناك يرثون بيوت والديهم ، و هذه البيوت تساوي تقريبا” عدد المواليد الجدد
-،تماما” ، و اثر ذلك صار كل اقتصادنا موجها” لبناء البيوت لاستيعاب هذا التدفق الهائل من الاولاد ، بينما كان الغرب يستثمر في المصانع و المخابر و جديد المخترعات
ساذكر لك امثلة اخرى يا بني ، عمل المراة ، بينما المراة في الغرب تعمل ليتضاعف دخل الأسرة ، تجلس المراة في بلادنا مستهلكة فقط ، طبعا” دعاة الدين قالوا عملها فتنة و اذا خرجت من بيتها ضاعت منها حشمتها و انوثتها ، عدا عن ذلك منعها من الدراسة حذرا” من الاختلاط مع الذكور ، و بالنتيجة انخفض الدخل القومي إلى النصف ، و ضمنا حصول نصف المجتمع على الجهل المطبق ، مقابل الجهل النسبي للنصف الآخر ، و ستسالني ما دور الحكومات في هذا الامر فهي قد كانت تشجع على عمل المراة ..
لا بل كانت بالعكس تقف تماما مع دعاة الغباء الديني في هءه النقطة ، فماذا قدمت بالمقابل لتلافي هذا الخلل لاشيء ، لا في مجال الدراسة اذ لم تقدم للمراة اية حوافز او حلول و منها على سبيل المثال تاخر الزواج و العنوسة ، و لا في مجال العمل و لا حتى في مجال الإعلام لمواجهة التخلف العقلي لرجال الدين ، تركت الموضوع لهم ، و لم تقدم لهم نماذج الغرب في هذا المجال ، لا في مجال حضانة الاطفال، و سهولة التنقلات ، و فتح آفاق عمل خاصة بالمراة ..لا تركت الموضوع بلا توجيه لان ذلك يخدم سياستها بتجويع الشعب و تكريس جهله و تخلفه
ثلة اخرى عن الضمان الاجتماعي ، الضمان الصحي ، نظام الضرائب ..كلها حاربناها ، على المستوى الحكومي و الشعبي
– ثم يا ابي ؟
-هنا جاءت عبقرية حكامنا الأفذاذ يا بني
تتجلى عبقريتهم باختراع عدو طويل الامد يا بني ، و هكذا ضمنوا شعوبهم إلى غير رجعة ، اسرائيل ، فلسطين الاقصى ثالث الحرمين
– ليش بابا الاول و التاني وينهم ؟
– بني ، أي اول و اي ثاني ، فقدوا كل شيء ، حياتهم اموالهم حريتهم كرامتهم مقدساتهم ، كلها لم يتبق منها شيء ، هل بقيت على هذا الثالث ، الموضوع مجرد واجهة ، من من هؤلاء الحكام غيور على الاول و الثاني ليغار على الثالث
– و لكنهم اغتصبوا الارض ايضا” يا ابي
– الارض ، ما اكثر الاراضي عندنا يا بني ، كل اراضينا قاحلة تنتظر قطرة ماء و لا احد يمنحها تلك القطرة يا بني ، ثم ذهبت غيرها و لم يستنكر احد ، ليس الهدف الارض و لا ثالث الحرمين و لا الاول و لا الثاني و لا الرابع بالمناسبة ، القصد كان ، إطالة امد العداوة ، و إطالة تنويم الشعوب ، غطوا بهذه العداوة اعين الشعوب كي لا ترى الحضارة تقفز يوما” بعد يوم درجات يحتاجون سنينا” ليصلوها ، و لكن لا ، كل اهتمام الشعوب صار مركزا” هناك على العدو التاريخي ، ففقدوا حاضرهم و مستقبلهم ، و استمتع الحكام باللعبة ، فكلما حاولت بعض الشعوب اليقظة ، صرخوا من جديد بتلك الشعارات الفارغة الجوفاء ، ليعود الجمهور بالنوم من جديد
من يتآمر على من يا بني ؟ الغني على الفقير ام العكس ، القوي على الضعيف أم العكس ، من يخاف ان يسرق من يا بني ، هل يخاف الفقير ان يسرقه القوي ام العكس ..خوفوا تلك الشعوب من احتلال اسرائيل ، و كان احتلالهم لبلدانهم اشد مضاضة ، و اكثر تعسفا” و ظلما” بحق تلك الشعوب
– و ما هو دور الاسلام السياسي يا ابي ؟
– هنا جاءت الطامة الاكبر يا بني ، فبدلا” من الإشارة إلى الحقيقة و إلى الطريق الصحيح ، حيث لا بد لبعض المثقفين و الواعين من اكتشاف الحقيقة ، كان دور الاسلام السياسي بامتصاص ذلك الوعي و صبه باتجاه آخر ، لا يمت ايضا” إلى الحقيقة بصلة ، خلقوا وهما” آخر ، سوبرمان يحل كل تلك القضايا بشخطة قلم ، إنه الاسلام السياسي , و هو ما ابعد الشعوب مرة اخرى عن فهم الدرس البسيط (عن كروية الارض و حركتها) و صار العداء للغرب مستحكما” و إيديولوجيا” ..و تعاون طرفي النقيض الحكام الخونة مع الشيوخ الجهلة لتاكيد فكرة المؤامرة و لمحاربتها ، مرة على هذه الجهة و مرة على الجهة الأخرى ..و بدات تضيع الجهود و تتبدد الإمكانيات ، و بدلا” من الاقتراب من مستوى حضارة الغرب و ثقافته ، صار الابتعاد يوما” بعد يوم اكثر ..
و اخيرا” استيقظ الغرب للدفاع عن نفسه ، نعم الغرب في الوقت الحاضر هو الذي يشعر بالمؤامرة ضده ، نعم بدا يشعر ان هؤلاء يستهدفون نظامه الحياتي كله الاقتصادي و الثقافي و الاجتماعي و الديني ، و حتى حياة شعوبه صارت بخطر ، هنا بدات المؤامرة المضادة ، فمن يتآمر الآن على من يا بني ؟
رؤى عبد الصمد

  • Social Links:

Leave a Reply