بنيامين نتنياهو والإنسحاب الآمن

بنيامين نتنياهو والإنسحاب الآمن

د. محمد السعيد إدريس
mohamed.alsaid.idries@gmail.com
رغم كل ما يحرص عليه بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الكيان من إظهار للقوة والنجاح، فإنه يعيش فى الواقع، حياة أخرى مفعمة بهواجس الرحيل المخزى فى ظل توقعات بحدوث أحد مصيرين: إما الذهاب إلى البيت وإما الذهاب إلى السجن إذا سارت إجراءات محاكمته فى الجرائم المتهم فيها عقب إجراء الانتخابات العامة فى موعدها المقرر يوم 17 سبتمبر/ أيلول المقبل. أحد الأسباب المهمة لهذه الهواجس ذلك التعقد الشديد، الذى بات يفرض نفسه بقوة هذه الأيام على نتنياهو للسيناريوهات المتوقعة لنتائج تلك الانتخابات وتشكيل التحالف الذى سيحكم “إسرائيل”. فالانتخابات التى ستجرى بعد حوالى ثلاثة أسابيع من الآن لن يستطيع نتنياهو عزلها كلية عن الظروف الصعبة التى حالت دون تمكينه من تشكيل حكومته عقب فوز حزبه فى الانتخابات السابقة التى جرت فى 19 أبريل/ نيسان الماضى وأرغمته على أن يتقدم، عبر حزبه، بطلب إلى الكنيست (البرلمان) يوم 29 مايو/ آيار الماضى يقضى بحل الكنيست (بمعنى أن يحل الكنيست نفسه بنفسه) بعد أن فشل نتنياهو، على مدى ما يقرب من الشهرين فى تشكيل حكومة تحظى بأغلبية داخل الكنيست.
من أهم معالم تلك الظروف الصعبة عجز نتنياهو عن إقناعة شريكه أفيجدور ليبرلمان (زعيم حزب إسرائيل بيتنا) اليمينى للقبول بالمشاركة فى الحكومة والتخلى عن شرطه الأساسى للقبول بهذه المشاركة وهو صدور قانون تجنيد الشباب اليهود المنخرطين فى المدارس الدينية عن التجنيد للجيش على النحو الذى يريده ليبرمان. هذه المشكلة بشقيها مازالت قائمة حتى الآن أمام نيتنياهو الذى سيكون مضطراً للقبول بأحد خيارين إما إصدار قانون تجنيد المتدينين وكسب ليبرمان وحزبه فى إئتلافه الحكومى الجديد بعد إجراء الانتخابات القادمة وإنقاذ نفسه، لكنه سيكون قد خسر فى ذات الوقت دعم الأحزاب الدينية لحكومته وهى خسارة يصعب تعويضها، وإما أن يرفض إصدار قانون التجنيد ويكسب الأحزاب الدينية ودعمها، لكنه سيخسر حتماً دعم أفيجدور ليبرمان وحزبه لإئتلافه الحكومى.
من أهم هذه المعالم أيضاً أن نتنياهو تخلى عن أخلاقيات الممارسة السياسية باللجوء إلى خيار حل الكنيست، لأنه بهذا الخيار يكون قد فضل نفسه على حزبه، وعلى غيره من قيادات الليكود المؤهلين لخلافته، وهو بهذا الخيار أيضاً جعل نفسه أولوية تسبق الحزب، وفرض معادلة “إما أنا وإما لا أحد”. كان من الممكن فى حال عدم اللجوء إلى خيار حل الكنيست أن يلجأ الرئيس “الإسرائيلى” إلى تكليف أحد قادة الليكود بتشكيل الحكومة بدلاً من نتنياهو باعتبار الليكود الحزب الحائز على العدد الأكبر من المقاعد داخل الكنيست، لكن نتنياهو لم يفعل لأنه كان يطمح فى تشكيل حكومته الخامسة ليكون على رأس قائمة رؤساء حكومات الكيان فى تشكيل العدد الأكبر من الحكومات .
كل تلك التعقيدات أخذت تفرض نفسها الآن على نتنياهو، رغم توقعات فوز حزبه بالعدد الأكبر من المقاعد داخل الكنيست ومن ثم تكليفه مجدداً بتشكيل الحكومة الجديدة. إذ لم يعد أمامه غير تلك السيناريوهات الأربعة التى أوجزتها صحيفة “جيروزاليم بوست” لتشكيل الحكومة الجديدة وهى:
– أن يتفوق نتنياهو وحزبه (الليكود) ويتجاوز كل التوقعات وينجح فى تشكيل تحالف حكومى بأغلبية 61 مقعداً من مقاعد الكنيست البالغة 120 مقعداً دون حاجة للتحالف مع أفيجدور ليبرمان وحزبه. وهذا سيناريو بعيد تماماً عن كل حقائق الخريطة الانتخابية حالياً.
– أن يعجز نتنياهو عن تشكيل تحالف إنتخابى بدون مشاركة ليبرمان، لكنه ينجح فى إعادة إقناع ليبرمان بالمشاركة معه فى حكومته الجديدة، وهذا معناه أن يتراجع ليبرمان بنسبة مائة فى المائة عن أفكاره وشروطه وخاصة قانون تجنيد المتدينين، وهذا سيناريو مستبعد تماماً هو الآخر.
– أن يفشل نتنياهو فى تشكيل تحالف حكومى بدون ليبرمان وأن ينجح فى التحالف مع تكتل “أبيض- أزرق” المنافس (يسار الوسط)، وهذا سيناريو مرفوض بالمطلق من بينى جانتس زعيم تكتل “أبيض- أزرق”، خصوصاً فى ظل غموض حسابات نتنياهو وعدم الثقة فيه.
– أن يشكل نتنياهو حكومة أقلية أى لا تحظى بأغلبية 61 مقعداً فى الكنيست، ما يعنى أنها حكومة محكوم عليها بالسقوط الحتمى وهذا أيضاً سيناريو مستبعد تماماً.
وانطلاقاً من إدراك كل هذه التعقيدات قدم آفى شبلون اجتهاداً فى صحيفة “هآرتس” يمكن إعتباره “الخيار الآمن” لخروج نتنياهو من الحياة السياسية، لأن عجزه عن تشكيل الحكومة معناه أن يجد نفسه أمام أحد خيارين لا ثالث لهما: إما البيت وإما السجن. يتلخص هذا الخيار فى أن يتحالف حزب الليكود بزعامة نتنياهو مع تكتل “أبيض- أزرق” بزعانى بيتى جانتس ويشكلان معاً حكومة وحدة وطنية يتناوب فيها جانتس مع نتنياهو رئاستها، على أن يجمد نتنياهو نشاطه خلال فترة محاكمته أمام القضاء، وإذا تمت تبرئته يواصل رئاسة الحكومة حتى بداية التناوب مع جانتس، وفى نهاية الولاية يستقيل ويتقاعد سياسياً كشرط لهذا التحالف، أما إذا أدين قضائياً، يتم مسبقاً الاتفاق على حصوله على العفو، مقابل ألا يعود نهائياً إلى الحياة السياسية.
لكن يبقى السؤال: هل بينى جانتس يملك أخلاقيات إنقاذ نتنياهو الذى لم يلتزم بتلك الأخلاقيات وهو يفرض شروطه ويحل الكنيست وفق معادلته الخاصة: “إما أنا وإما لا أحد”؟
إجابة صعبة بقدر صعوبة نهاية لم يفكر فيها لحظة بنيامين نتنياهو الذى سيجد نفسه مضطراً للبحث عن بدائل أخرى لتغيير المعادلة كلها لصالحه حتى لو اضطر إلى “المغامرة” أو حتى “المقامرة”، وهذه أو تلك ستفرض حتماً هى الأخرى شروطها التى لن تقل صعوبة عن ما يواجهه نتنياهو الآن من خيارات شديدة المرارة.

  • Social Links:

Leave a Reply