د. عبد الله حنا
ظهرت الأحزاب السياسية في سورية مع تبلور منطلقات النهضة العربية وتحديدا بعد زوال استبداد السلطان عبد الحميد 1909 . وقد كوّنت هذه الأحزاب العمود الفقري للمجتمع المدني السائر في طريق التكوّن صعودا وهبوطا خلال القرن العشرين . ولكن هذه الاحزاب سرعان ما اصطدمت بحاجزين حدّا من انتشارها وتجذّرها في تربة المجتمع وهما :
– سطوة الدولة السلطانية المهيمنة في العالم العربي .
– المجتمع الأهلي , ونقصد به هنا المجتمع القائم على الولاءات العشائرية والطائفية . وهي من ظواهر مجتمعات ما قبل الرأسمالية والدولة الحديثة .
وبسبب غياب الثورة الصناعية وهشاشة التطور البورجوازي وضعف شكيمة الطبقة البورجوزية الثورية المناهضة للاقطاع وملحقاته ، بَقِيَ المجتمع المدني ومن ورائه الأحزاب مهيضا الجناح في معظم عقود القرن العشرين . ومع استثناءات زمنية حُشرت الأحزاب بين سندان المجتمع الأهلي ( الطوائف والعشائر ) ومطرقة الدولة الأمنية وريثة الاستبداد السلطاني .
واقعيا بدأت الأحزاب السياسية بالظهور مع قيام الدولة الوطنية العربية ( 1918 – 1920 ) ، وأخذت جذورها في الانتشار في عهد الانتداب الفرنسي ( 1920 – 1943 ) .
تحكمت في مرحلة الانتداب رافعتين : رافعة الحرية النسبية وهبوب نسائم الحداثة وما رافقها من نشاط الأحزاب ، ورافعة القبضة الاستعمارية الساعية لحكم البلاد بإسم الإنتداب .
تأثّر صعود الأحزاب وهبوطها في الثلث الأخير من القرن العشرين بعوامل كثيرة أهمها :
– الاقتصاد الريعي النفطي .
– القطاع العام المُدار من البيروقراطية المستأثرة بجانب كبير من خيراته ، الذي اصبح إلى جانب تدفقات البترو دولار من الركائز الأساسية للدولة الأمنية وما مارسته من قمع أصاب الأحزاب في الصميم .
– العامل التراثي المتمثل برسوخ أقدام الممارسات المملوكية الانكشارية العثمانية في ترسيخ دعائم الاستبداد في الدول العربية التسلطية ( أو الأمنية ) ، التي تنهل من معين هذا التراث الاستبدادي ، وتُغيّب التجليات المضيئة في حضارتنا العربية الإسلامية .
التحركات الشعبية السلمية ( ويصفها كثيرون بالثورة ) ، التي اندلعت من درعا في آذار 2011 ، رفعت راية الحرية وصون الكرامة المهدورة ، وعبّرت في أعماق وعي ناشطيها عن الحقد الدفين على نهب البورجوازيات الطفيلية والبيروقراطية للمال العام والخاص. وبعد ستة أشهر من اندلاعها داهمتها العسكرة نتيجة استخدام الرصاص الحي من الجانبين قمع التظاهرات .
هذه التحركات الشعبية المندلعة بسبب عوامل داخلية تشابك فيها الديموقراطي بالطبقي بالطائفي ، إعتلت أمواج احتجاجاتها عوامل خارجية دولية واقليمية ( تركيا ، إيران ، دول الخليج ) ، فحوّلتها إلى صراع ذو أبعاد مذهبية هدد اللحمة الوطنية ، وهو نقيض شعار الكتلة الوطنية : ” الدين لله والوطن للجميع ” .

Social Links: