طه الزوزو
لم أجد نفسي إلا وجها لوجه بعد إيقاظي من نومي منتصف ليلة العاشر من شهر كانون الثاني من عام 1964 . بالشخص الذي أيقظني من النوم الملازم الاول الضابط
” نواف ” من مرتبات مخفر شرطة جبله .
في المخفر ، تمً مواجهتي مع الرفيق ” ف. ي ” الذي سبق ان سلمته عددا من المناشير ، وقد بدت عليه علائم التعذيب
الجسدي ، والنفسي . على الفور ، أدركت أنه لم يتحمل التعذيب فأشار علي بأني الذي أعطيته البيان الذي درى به أحدالمخبرين فدلً عليه .
كان الهدف من اعتقالي ، معرفة الأشخاص الذين سلمتهم
بقية المناشير ، والشخص الذي سلمني إياها . في البدء أنكرت معرفتي ب ( ف.ي ) لوقف استمرار تعذيبه ، والحيلولة
دون اعترافه بقضايا أهم من قضية المناشير ، وهكذا كان .
في البدء بوشر معي التحقيق والتعذيب من قبل ” نواف ” .
بعد إنكار ي ، وقبل مباشرة نواف التعذيب بنفسه ، وتهيئة أداة التعذيب ” الفلقة” استلقيت بارادتي المنفردة دون طلب على ظهري ورفعت رجليً بعد ان خلعت فردتي حذائي وسط ذهول نواف وعناصر الشرطة الذين تحلقوا حولي . وبدأ
الضرب والرفس دون أن اتأوه او اتفوه بأية كلمة ، ماجعل
نواف برغي ويزبد ، وقد شعرت بنفسي ان الذي يتاوه ويتألم
إنما هو نواف ذاته . ماجعله يتوقف ويغادر الغرفة ليعود بصحبة ضابط برتبة نقيب ، ليباشر التحقيق والتعذيب بنفسه
أيضا، وقد فوجي بدوره بتكرار الفعل ذاته ، في الوقت الذي
حضر فيه مدير المنطقة ليتبادل كل منهم التعذيب بوسائل أخرى دون جدوى .
في اليوم الثالي ، بدأ التحيق والتعذيب بشكل متقطع حتى الساعة العاشرة ليلا … حيث كنت اعددت نفسي للاعتراف
بواقعة وهمية لاتمت إلى الحقيقة بصلة قصد قفل التحقيق
مفادها :
كان التعب قد انهك الجميع بما فيهم انا …….عندما طلبت التوقف عن التعذيب مقابل الإعتراف بمن أعطاني المنشور
الوحيد الذي أعطيته بدوري إلى ” ف.ي ” وتم تنظيم محضر
ضبط بذلك .ملخصه :
( بأني سرحت من أداء الخدمة العسكرية يوم الاول من الشهر ، اي قبل عشرة أيام وقبل ان يتم عودتي إلى التنظيم ، وبعد عدة أيام كنت بكراح جبله حيث باص نقل الركاب إلى دمشق قادما من اللاذقية ، بأن شخصا سبق ان تعرفت عليه قبل اربع سنوات يدعى (حنا جبور ) وبعد
السلام والتحية أخبرني بأن بيانا سريا وزع قبل أيام واعطاني سخة واحدة عنه….والشخص من منطقة صافيتا .
صدف ان كان مدير المصرف الزراعي في جبلة من منطقة صافيتا..مادعى مدير المنطقة إلى إحضاره ليلا ، وسؤاله عن المذكور وقد أفاد مدير المصرف بأن هناك فعلا عائلة من آل جبور وان شخصا منها يدعى ” حنا جبور .
عندها ، أعد مدير المنطقة دورية للذهاب الى صافيتا لجلب
حنا جبور .. و نظرا لأن الشهر كان رمضان وسائق السيارة صائم، تم الإستعانةبشخص مسيحي من جبله يعمل سائقا
لدى احدى إدارات الدولة يدعي ( أمين سكاف )
صباح اليوم التالي.أخضرُ حنا جبور . ولدى مقابلتي معه أنكرت ان يكون هو المعني وان أوصاف الشخص الذي أعنيه تختلف كلية عن حنا جبور الماثل أمامي .
لقد ادرك مدير المنطقة ومعاونيه ، بأني قد ضلًلًتهم واوقعتهم
في الحيلة . مادفعهم ال معاودة التعذيب للتراجع عماسبق ان
تم تدوينه على لساني والموقع عليه من قبلي . مع إصرارهم
على معاودة التعذيب ، وإصراري على تكرار افادتي، لم أجد نفسي ألا بمفاجأتهم باعترافي ” بأن من سلمني البيان إنما هو مدير المنطقة ذاته ..طالما انكم تنكرون علي اعترافي الاول
المدون في محضر الضبط والموقع من قبلي .
ذهل الجميع باتهامي مدير المنطقة الذي جن جنونه وانفراد
بتعذيبي دون جدو ى ..ماجعله بالنتيجة يقرر احالتي إلى شعبة الأمن السياسي باللاذقية التي احالتني بدورها إلى السجن باللاذقية ، ثم إحالتي و ” ف.ي ” إلى محكمة أمن الدولة باللاذقية .وتوجيه الإتهام علي وعلى حنا جبور الوهمي بتهمة الانتساب إلى منظمة ذات طابع دولي ونتيجة المحاكمة
تم الحكم علي بالسجن لمدة سنة قرارا بمثابة الوجاهي نظرا
لإخلاء سبيلي بعد عدة شهور من اعتقالي ، وتقصد غيابي
يوم جلسة النطق بالحكم . ، والحكم على حنا جبور الوهمي
سنتين قرارا غيابيا بحقه لعدم حضوره جلسات المحاكمة بعد
تبليغه لصقا .
بعد اثنتي عشرة سنة . حيث كنت قد انتقلت للإقامة في اللاذقية بحي المشروع الاول . فوجئت يقرع باب الدار الذي
كنت اقطنه بحي المشروع الاول باللاذقية ، وبعد منتصف
الليل إذ بالضابط ذاته ” نواف” يصحبه عناصر من الأمن السياسي يقتحم المنزل … وعلى الفور كما جرى في عام 1964 في جبله اتجه نحو المكتبة يجمع مابها من كتب
لاتمت إلى السياسة بصلة ، مادفع زوجتي إلى منعه من اعتقال مالاشان به في السياسة .من الكتب .
تم سوقي إلى مبنى الأمن السياسي في حي الصليبة حيث كان نواف يتبوأ منصب نائب رئيس فرع الأمن السياسي ..
وقد سبقني إلى الإعتقال كل من المرحوم علي حفظي ، والمرحوم علي عانم وشقيقه ، والمرحوم ميخائيل فرح ، والمرحوم عادل حوش ، وآخرين بتهمة الانتماء إلى أحد
الفصائل المعارضة من الحزب الذي سبق ان جمدت نفسي عنها جميعا ..لاسباب المجال لذكرها ..
لقد تناول التعذيب الجميع ..وكا ن دوري الثالث . .وقد
فوجئت بأن نواف ذاته هو المكلف بالتحقيق معي بنفسه ،
بالسؤال أجبت : بأني شيوعي . ولكني غير منتم لأي تنظيم .
بالسؤال عمن أعرف من التنظيم أنكرت..وفوجيء بجلوسي على ظهري ورفع رجلي لمباشرة التعذيب ..فما كان منه إلا
التوقف عن مباشرة التعذيب . واكتفى بتدوين ماأفدت به .
بعد عدة أيام..استدعاني نواف من الزنزانة..لمقابلة رئيس
الفرع ..وهو من آل عطفه من حمص على ماأذكر .وكان اللقاء
وديا .. وتناقشنا بطلب منه عن معاهدة الصداقة مع الاتحاد السوفييتي التي ابرمها الريس حافظ الأسد قبل أيام .مع القيادة السوفييتي . …وخرجت من عنده باتجاه بيتي .
( نواف ..هو ذاته نواف الفارس الذي تبوأ لاحقا
رئاسة فرع الأمن السياسي باللاذقية ومن ثم
منصب محافظ اللاذقية ، ومن بعده منصب
سفير في إحدى دول الخليج …ليعلن انشقاقه
لاحقا معارضا..بعد سنة من الأحداث.ولا ادر ي
أين موقعه اليوم .)
( لقد دونت حاشيةعلى أصل محضر الضبط .
الذي أحيل إلى محكمة أمن لدولة في حينه
باني : متمرن على تحملًُ التعذيب وتضليل
التحقيق. )

Social Links: