أيها السوريون…..   تكلموا…اكتبوا… ارسموا…عبِّروا

أيها السوريون….. تكلموا…اكتبوا… ارسموا…عبِّروا

  1. ريمون المعلولي

ربما لم نتمكن – إلى اليوم – من تقدير مغزى وعمق التغيرات التي أصابت الانسان السوري منذ انطلاق الاحتجاجات الشعبية التي قادها الشباب والشابات وبلوغها الشعار العزيز “الشعب يريد إسقاط النظام”.

بلا شك، سوف يتم توثيق تلك اللحظة، بما يليق بها، ليس بأحداثها وتفاصيلها وصيرورتها ومآلاتها فحسب، بل باعتبارها مَثلت حدثاً فارقاً له موقعه المميز في السياق التاريخي لسوريا وباقي بلدان المنطقة والعالم.

اليوم وبعد مرور قرابة الثمانية أعوام على ذلك الحدث آذار 2011 نقرأ الكثير مما كتبه السوريون، ونسمع ونشاهد الكثير مما سجّله السوريون، النقد والنقد المعاكس، النقل والتحليل، التوثيق …

المتامل في ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي على تنوعها، وكذا في الصحافة الالكترونية، يدرك ذلك دون عناء. وبغض النظر عن محتوى ما يتم نشره ومدى أهميته فهو تعبير عن آراء أصحاب تلك الكتابات.

وأكثر ما يلفت الانتباه في كل ما يُكتب، تلك القصص باشر بروايتها من خَبروا آلام الاعتقال، وهول الفظاعات التي مروا بها على أيدي الجلادين، وكذلك تلك القصص التي تروى عمن قضوا تحت التعذيب قبل أن يتسنى لهم إخبارنا عن الألام والآمال التي عاشوها وهم في داخل السجون والزنازين فبقيت حبيسة صدورهم ورحلت برحيلهم.

تلك الأحداث وتلك المصائب التي عاشها ذووهم وهم ينتظرون بأمل وأحياناً بلا أمل رؤية أزواجهم وزوجاتهم، أولادهم وآباءهم…هؤلاء لم يتمكنوا من البوح لأقرب الناس إليهم عما قاسوه.

قصص من عانوا التهميش والظلم والحرمان ومحاولات الدوس على كراماتهم ولم يجرؤوا على الشكوى لأحد عما عانوه.

لقد أفقد النظام الظالم اللغة أهم وظائفها كأداة تعبير ، تعبير عن الحاجات واستبدلها بلغة أخرى مغشوشة ممالئة، يستخدمونها إرضاءً للحاكم، وإمتاعه في مقابل إذلال ناطقيها.

كم من السوريين الذين قبعوا سنوات بل وعقود في غياهب السجون وعانوا الآلام وصنوف العذابات.. ولم يتمكنوا من التعبير عما أصابهم فيها فبقيت حبيسة صدورهم وثنايا أدمغتهم تُعذّبهم وتأكل عزائمهم، لا تجد سبل تصريفها..

لقد وفرت الثورة من خلال تحطيم أصنام الاستبداد ورموزه لكل السوريين فرصة غالية للراغبين في التعبير عما لديهم من خبرات وقصص واحداث ظلت حبيسة طوال نصف قرن. .. لقد انتهى عهد الهمس “الوشوشة” والتلفت يميناً ويساراً.

شكراً لكم يا شابات وشباب سوريا الأحرار لأنكم قررتم- ولا أحد يدري كيف حدث ذلك – تحطيم صنم الرعب من قلوبكم وخرجتم إلى الشوارع والساحات لتصدح حناجركم “الشعب يريد إسقاط النظام”

أفرغوا ما تراكم في مستودعات ذاكرتكم في الكتابة، والكلام المنطوق، عبروا بالرسم والتمثيل والموسيقا، أفصحوا عن مشاعركم بالعمل الذي تُحبون.

كتبت مرة في إحدى المقالات بان الثورة عَلّمت السوريين النطق، فمن يُصدق اننا لم نكن نُجيد التعبير عن أي شيء بشكل سليم، فما بالكم لو حاولنا الحديث عن مشاعرنا الدفينة، ومعاناتنا السياسية .

يقولون أن الأسد انتصر والثورة هُزمت، أقول أنه وأركان نظامه قد وقعوا في الأسر، أسرهم الدم الذي أراقوه، حبستهم الارواح التي أزهقوها في المعتقلات وتحت ركام المباني، ولن يتمكنوا الفكاك من أسرهم ويتحرروا من حبسهم إلا بعد محاكمتهم ونيلهم ما يستحقون على ما اقترفوا من ذنوب.

الشعب ورغم الخسارات المهولة التي تلقاها على المستوى الإنساني والمعنوي وعلى المستوى المادي هو المنتصر.. لأن المستقبل للشعب.

ما هو المهم اليوم ومن أجل إتمام سيرورة الثورة، وتجسد مآثرها في صورة مجتمع ديمقراطي تعددي ومدني، هو التمسك بالأهداف، الحفاظ على الشعلة متقدة، على الروح دافئة بل وحارّة لدى السوريين المؤمنين بقدرتهم على بلوغ حقوقهم والمؤمنين بحق الشهداء والمعتقلين والأرامل والثكالى من أمهات وزوجات الشهداء.. وهو ما يفعله كثيرون من السوريين في أي مكان يقيمون فيه اليوم..

لا الأسد ولا بوتين ولا خامنئي انتصروا،،لقد تحطمت أحلامهم في حكم شعب خاضع ومطيع.

التمرد هو ما حققه السوريون، قدموا انموذجاَ لشعوب كثيرة عن معنى التمسك بالحرية والتضحية في سبيلها ولو حاربهم العالم.

لا تخافوا لو رأيتم أو سمعتم عن سوريين ” كانوا” مع الثورة، وقد انحرفوا، أو تحولوا، أو خانوا…فهل يمكن تخيل أن جميع من خرجوا نصرة للثورة في ايامها وأشهرها الأولى سوف يستمرون في مواقفهم؟ هذا محال، ليس لان بعضهم قد خاف انحراف الثورة عن سلميتها وديمقراطيتها، وليس لآن بعضهم كان مع الثورة، بل مع فكرة التمرد على أمر ما في النظام كان يؤلمه في وقت من الأوقات، وليس لأن الصبر والاستعداد للتحمل والمتابعة صفة تنطبق على كل الناس…يكفي أن تبقى نواة من الشعب المؤمن بما يفعل ومستعد للمتابعة وواع لذلك..وعي الضرورة عامل أساسي من أجل استمرار روح الثورة وانتصارها

ريمون المعلولي

  • Social Links:

Leave a Reply