روسيا تستعمر العرب، من المحيط إلى الخليج

روسيا تستعمر العرب، من المحيط إلى الخليج

سوريا محطة لبوتين للسيطرة على المنطقة العربية

يتساءل كثير من الناس لماذا يغدق الروس على سوريا بكل هذا العتاد والمال؟ لماذا يشتري الولاءات من رجالات سابقين وحاليين للنظام؟ وما الذي سيجنيه الروس بعد أن يسيطروا على سوريا، وما الذي تريده روسيا من هذا البلد؟ لماذا كل هذه الهدايا العسكرية المجانية لإسرائيل من ضرب إيران في كل مكان من سوريا إلى العراق إلى لبنان، وقبلها إعادة رفات الجندي الإسرائيلي، وقبلها إعادة ساعة كوهين؟

لماذا تتقارب روسيا من تركيا، وتمر حوادث مرور الكرام على رأسها مقتل السفير الروسي في تركيا ؟ لماذا تبيعها أسلحة الإس 400، لماذا تدخلها في كل الحوارات المتعلقة بالشأن السوري؟

كثير من المقالات تناولت أو سلطت الضوء على الجائزة الكبرى لروسيا في سوريا والتي تتلخص في إعادة الإعمار، والأموال الكثيرة التي من الممكن أن تغدق على هذا البلد، والتي ستعود بمردود كبير على الروس، كثير من المحللين قالوا أن سيطرة الروس على مفاصل الاقتصاد السوري ستعود عليهم بفوائد اقتصادية كبرى، وبالطبع كتب الزملاء في مستقلة عدداً من المقالات التي تتحدث عن تسويق السلاح الذي تقوم به روسيا على الأراضي السورية، وغيرها من الأمور.

لكن هل توازي تكلفة الحرب العسكرية المكاسب الروسية؟ 

الحقيقة، بمطالعة سريعة للتكاليف العسكرية والبشرية التي تقوم بها روسيا، والرهانات السياسية والاقتصادية التي تضعها على الطاولة السورية، نستطيع أن نرى بوضوح أن الأمر “مو جايب همه بالنسبة للروسي” حسب التعبير السوري الدارج، فحسب أحد الدراسات حول الهجمات التي يقوم بها الروس هذه الأيام على إدلب، فإن تكلفة الطيران للساعة الواحدة لطائرة الميغ بأنواعها بين 7000 و 10000 دولار, أما طائرة السوخوي بأنواعها بين 11000 و15000 دولار، والطائرات المروحية فتبلغ تكلفة ساعة طيرانها إلى قرابة 3000 دولار يضاف إلى ذلك قيمة الذخيرة على الطائرة الواحدة والتي قد تصل إلى 30 ألف دولار فيبلغ سعر الصاروخ الواحد جو/أرض تكلفته 8 آلاف دولار بشكل تقريبي. .وبحساب بسيط يمكننا أن نرى أن الروس خلال عملياتهم في إدلب ينفقون يوميًّا ما ما يقارب 2 مليون دولار فقط من خلال طلعاتهم الجوية.

وبالعودة إلى بداية التدخل “الرسمي” الروسي في سوريا سنجد أن الأرقام مهولة، فبحسب تقرير المعهد البريطاني للدفاع “أي.إتش.إس جينز”، أصدر في أكتوبر 2015، وتم نشره في صحيفة “فايننشال تايمز”، فلقد قامت موسكو بإنفاق ما بين 2.3 مليون دولار و4 ملايين دولار يومياً على عملياتها العسكرية في سوريا، هذه الأرقام تتقاطع مع دراسة أخرى قام بها المعهد البريطاني. وكانت هذه الدراسة قد تضمنت إنفاق تكلفة الأسلحة والصواريخ والقنابل المستخدمة في القصف، بالإضافة إلى الخدمات التقنية وصيانة المعدّات المشاركة في العمليات، ونفقات إدارة الموارد البشرية. وكانت هذه الدراسة قد استخلصت أيضاً أن روسيا تنفق ما يقارب 440 ألف دولار على رواتب شهرية ومكافآت الضباط الروس العاملين في قاعدة “حميميم” في سوريا، بالإضافة إلى نفقات أخرى كالطعام والخدمات المقدمة . وعلى رأس هذه النفقات ذكرت الدراسة أن كل صاروخ تطلقه السفن الروسية باتجاه سوريا تبلغ تكلفته 1.2 مليون دولار.

هل تساوي تكلفة الحرب الروسية في سوريا ما ستكسبه روسيا ؟

لم يخف الروس التكلفة الباهظة لهذه الحملة العسكرية، فكانت صحيفة “جازيتا” الروسية، قد نشرت كانون الثاني 2016، إن موسكو تنفق 4 ملايين دولار يومياً منذ شهر أيلول 2015 حتى منتصف تشرين الثاني 2015. إلاّ أن هذه الأرقام لا تتطابق مع بروباغاندا الرئيس الروسي بوتين الذي يحاول التخفيف من هذه التكاليف، لمعرفته بالأثر الذي من الممكن أن تتركه على الشارع الروسي، لذلك كان قد أعلن في بداية العام 2016، أن التكلفة الحقيقية لعملياته في سوريا بلغت 478 مليون دولار.وبذلك فإن تقديرات بوتين 2.87 مليون دولار، طبعاً كل هذه الأرقام لا يدخل فيها كل التكاليف الاستخبارات والتكاليف المدفوعة على الأرض من خلال المصالحات أو شراء الولاءات، أو التكاليف العسكرية التي سبقت التدخل المعلن في سوريا. .

روسيا تصرف أكثر من 4 ملايين يورو في اليوم في حربها على السوريين

كل هذه الأرقام توضح الفاتورة التي دفعها الروس لن تتم تغطية تكاليفها  مع عملية إعادة الإعمار والأموال القادمة، والتي قد تبلغ مائتين وأربع مئة مليار دولار، هذا إن نحن افترضنا أن الجزء الأعظم من هذه الأموال سيعود على روسيا، بالإضافة إلى ذلك، فقد رأى السياسي والخبير الاقتصادي سمير العيطة في حوار مع “العربية نت”، أن الأرقام المتداولة لإعادة الإعمار مضخمة بشكل كبير، لأهداف سياسية، وبالتالي فإن المبالغ التقريبية المعلنة عن إعادة الإعمار أقل بكثير من المتوقع؛ هنا سأعيد طرح السؤال ما هي المكاسب المنتظرة للروس؟

هل يقوم الروس بذلك لزرقة عيون بشار أو لخضار عيون علم النظام؟ 

لقد أراد بوتين وأجهزة استخباراته من تحويل الثورة السورية إلى حرب، أن تكون هذه اللحظة التاريخية نقطة لينطلق فيها إلى سياسة خارجية مختلفة، وسبق أن أشرنا في أحد مقالات مستقلة أن كل الأدلة تشير إلىى أن يدي روسيا بوتين كانت وراء تأجيج الصراع في سوريا منذ انطلاقة هذه الثورة، حتى تصل إلى هذه النقطة، حيث تعتبر موسكو سوريا بوابتها إلى المنطقة،  ولن يكون في صالحها أن تكون سوريا بلداً ديمقراطياً، وحراً، خاصة أن سوريا لطالما كانت البوابة الروسية نحو الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، واليوم تسعى أن تحولها إلى بوابة رئيسية لإعادة نفوذها الإقليمي في سبيل تحقيق أحلام الأمجاد السابقة.

فمنذ وصول بوتين للسلطة عام 2000، بدأت مرحلة جديدة لروسيا ومن أبرز معالمها محاولة إعادة الاعتبار للدولة من خلال قمع الحريات وإبدال سلطة الحزب الواحد بسلطة الرجل الأوحد، في رغبة منه لإعادة روسيا كقوة عظمى.

ثورات الحرية الملونة حاصرت روسيا بوتين 

إلاّ أن سياسات بوتين هذه حوصرت بثورات الحرية والكرامة في جواره القريب والبعيد، ولطالما استشعر أن هذه الثورات لن تكون بعيدة عنه إن استمر بسياساته هذه، لذا فإنه يرى أن أفضل أسلوب للدفاع هو الهجوم، ولم يخف بوتين كراهيته للثورات التي يطلق عليها الثورات الملونة حيث قال عام 2014 أمام مجلس الأمن القومي الروسي : (( نشهد بوضوح إلى أي مستويات مأساوية أوصلت الثورات الملونة بلداناً عدة، وشعوب تلك البلدان تعاني هزات قاسية كبرى، أسفر عنها التدخل الخارجي غير المسؤول والفظ أحياناً)). وأضاف أنه : ((علينا أن نعمل كل ما يلزم لمنع حصول مثل تلك التطورات في بلادنا)).

ولهذا ليس الهدف من السيطرة على سوريا هو فقط من أجل حماية نظام الأسد، الذي يعتبر أمراً ثانوياً، فروسيا تريد أن تكون سوريا بوابتها نحو هذا الشرق المدمر، لنراقب بهدوء كيف تتمدد روسيا في المنطقة. ويستثمر الروس في سبيل ذلك وخلال سنوات طويلة عدداً من الطرق، بعضها اقتصادي كمحو ديون سابقة كبيرة على بعض البلاد، أو التلميح بحماية عسكرية، بالإضافة إلى أن الروس لديهم مخزون بشري من المنتسبين للأحزاب اليسارية القديمة في المنطقة، بالإضافة إلى خريجي الاتحاد السوفياتي السابق، واخيراً وليس آخراً الكنيسة الأرثوذكسية والتي تقف بجانب الديكتاتور الروسي.

للروس مخزون بشري من المنتسبين للأحزاب اليسارية القديمة في المنطقة، وخريجي الاتحاد السوفياتي السابق، واخيراً وليس آخراً الكنيسة الأرثوذكسية والتي تقف بجانب الديكتاتور الروسي. 

لبنان: 

بالفعل بدأت ثمار الحرب في سوريا تؤتي أكلها مع  الروس، وكانت أولى هذه الثمار لبنان، والتي أعلن السفير الروسي ألكسندر زاسبيكينر عن اهتمام بلاده بالمشاريع الكبرى التي تطرح في هذا البلد الصغير، الذي اكتشفت على شواطئه كميات من الغاز، وهي امتداد طبيعي للشواطئ السورية، والنفط والغاز الموجود فيها.

وفي هذا الإطار كان السفير الروسي في لبنان قد كشف عن أن موسكو عقدت صفقة كبرى مع لبنان لاستخراج النفط والغاز، إضافة إلى عقد جديد مع وزارة الطاقة اللبنانية لإدارة المرفأ البترولي في شمال لبنان، مؤكداً و”هذه الاتفاقات إستراتيجية وطويلة الأمد”. ويؤكد عدد من الباحثين أن الهدف من الاتفاقيات بين لبنان وروسيا تأتي في مواجهة  محور غازي بين مصر وإسرائيل وقبرص واليونان، والذي من الممكن أن يؤثر على مبيعات الغاز الروسي لأوروبا في حال مد أنبوب شرق المتوسط إلى إيطاليا.

وتتكامل هذه العلاقات الاقتصادية مع مزيد من البعثات الدراسية إلى روسيا، وتعليم اللغة الروسية حتى للأجهزة الأمنية، حيث تم تنسيق دورة لتعليم اللغة الروسية لأربعة أجهزة أمنية لبنانية هي الجيش اللبناني، وقوى الأمن العام، وقوى الأمن الداخلي وأمن الدولة. في أولى الدورات التعليمية والتي ضمت 24 ضابطاً، من ملازم إلى عقيد.

لبنان دولة نفطية بمرافئ وشركات روسية

وتأتي هذه الدورات الأمنية لتخدم أهداف روسيا العسكرية، حيث كان رئيس الوزراء الروسي ديميتري ميدفيديف قد طلب من وزارة الدفاع الروسية أن تسعى للتوصل إلى اتفاق تعاون عسكري مع لبنان. ووفقاً لما نقلته وكالة “سبوتنيك” الروسية على موقعها العربي: أن موسكو ترغب بأن تُفتح المرافئ اللبنانية أمام السفن الحربية الروسية، وكذلك مطار بيروت، ليكون نقطة “ترانزيت” للمقاتلات الروسية.

وسيغطي هذا الاتفاق بين موسكو ولبنان عدّة مجالات،  كالتدريبات العسكرية المشتركة، بالإضافة إلى التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وتدريب روسي للجيش اللبناني.

يقوم الروس بتعليم قوى الأمن الداخلي وأمن الدولة اللغة الروسية وأولى هذه الدورات تضمنت 24 ضابطاً، من ملازم إلى عقيد

العراق:

الشقيق الآخر لسوريا، والذي ما يزال فيه حراك مطلبي وشعبي، والذي على الرغم من تشاركه مع سوريا هموم ومشاكل تنظيم الدولة الاسلامية سيء الصيت، وجد الروس من خلال محاربتهم لهذا التنظيم، الفرصة الأمثل لاستكمال خطتهم التي كان الروس يبنونها بصمت وهدوء لسنوات طوال،  فلقد كانت تركة البعث العراقي من العلاقات مع الاتحاد السوفياتي، تركة دسمة على مستوى العلاقات الدبلوماسية، والعسكرية.

داعش التي أدخلت روسيا إلى العراق!

وعلى الرغم من انكماش هذه العلاقات بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، إلاّ أن الروس لم يقطعوا العلاقات نهائياً مع هذه الدولة العربية، ولم يمنع روسيا من شطب ما نسبته  93% من الديون الروسية لدى العراق بعد زيارة لمجلس الحكم المؤقت العراقي لروسيا في عام 2003، هذا الدين الذي وصل قبل سقوط صدام حسين إلى 12.9 مليار دولار. وبعد ذلك ساهمت روسيا في العام 2004 مع نادي باريس الذي بشطب 80% من الدين الحكومي العراقي.

أما التعاون العسكري، فلم يتوقف،  فوقعت روسيا مع العراق عام 2012، عقودا بقيمة 1,3 مليار يورو  لشراء 36 مروحية قتالية طراز مي 28 و48 بطارية صواريخ بانتسير. إضافة لعقودٍ أخرى  في نفس العام بقيمة 4,2 مليارات دولار، لتبلغ قيمة الواردات العسكرية الروسية إلى العراق قرابة 1.7 مليار دولار أمريكي.

كما يتم الاتفاق بين روسيا والعراق على إلغاء التأشيرات بين البلدين على مراحل، بالإضافة إلى الإعلان عن إدخال اللغة الروسية في المناهج العراقية

كما أن الروس في حال نجحوا بالسيطرة على منطقة شرق الفرات، وانتزعوها من يد الإيرانيين، فإن ذلك سيكون حبة المسك التي ستغير كثيراً من المعادلات المحلية والإقليمية، وسيكون لها انعكاسات دولية.

الخليج: 

وبالطبع لم يجد الروس أفضل من الورقة السورية كمدخل لاستغلالها في إعادة بناء العلاقات مع الخليج العربي، برز ذلك من خلال المصافحة الشهيرة بين ولي العهد  السعودي والرئيس الروسي في العام 2018؛ هذه المصافحة التي أرسلت رسالة أن دول الخليج لم تعد تنظر إلى روسيا بمنظور الخصم سواء في سوريا أو في غيرها من الملفات، دون أن ننسى أن الروس بدأوا يتسلحون أيضاً بأوراق الملف اليمني، حيث تعتمد روسيا أن تقدم نفسها كوسيط يتمتع “بمصداقية ما” في هذا الصراع، خاصة أنها ليست شريكة فيه عسكرياً، بينما تخصص منصاتها الإعلامية لتشويه الحقائق في هذا البلد.  تُبقي روسيا على علاقات قوية مع مختلف الأطراف المتصارعة في اليمن، واستطاعت أن تصنع اختراقات في السياسة اليمنية.

كلتا الورقتين السورية واليمنية، أدت إلى تغيّر كبير العلاقات التي ربطت بين روسيا ودول الخليج العربي، هذه العلاقات التي لطالما شهدت تجاذبات وتقلبات، بات هذان الملفان  فاتحة لكثير من التغيرات والنقاشات بين الجانبين الخليجي بشقيه المتصارعين وبين الروس، توجتها جولة خليجية قام بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والتي ستمهد لأول جولة تاريخية لرئيس لرئيس سوفياتي أو روسي في المنطقة الخليجية.

محمد بن سلمان وبوتين، مصافحة تاريخية وعلاقات مستقبلية 

فلا يغيب عن ذهن الروس أنه لكي تتمكن لهم السيطرة على سوريا عليهم أن يجدوا نوعاً من التوافقات بينهم وبين الخليج العربي، ككتلة واحدة أو كأفرقاء، ومن هنا بدأت محادثات على أكثر من مستوى بين الروس مع الأفرقاء الخليجيين، -الحلفاء منهم والأعداء-، فالخليج رغم انقسامه اليوم بين معاد لقطر ومن يقف على الحياد تتقاطع كثير من أهدافه بشكل كبير في سوريا، دون أن ننسى أنه رغم أن كثيراً من الدول الخليجية تربطها علاقات متينة مع الولايات المتحدة الأمريكية إلاّ أن الخليجيين والسعوديين على وجه الخصوص لطالما تقاطعت مصالحهم النفطية في في سوق النفط العالمي، ويعرف الخليجيون أن ما يجري اليوم في سوريا وما سيحصل مستقبلاً سيترك أثراً كبيراً على مستقبل الطاقة في المنطقة وفي العالم.

تسعى روسيا للاستفادة من الأخطاء والفراغات السياسية في المنطقة، في محاولة لتحقيق مكاسب استراتيجية من خلال لعب دور سياسي أكثر فعالية في الأزمة الخليجية. وتحاول أن تكون شريكاً  اقتصادياً؛ ومن أبرز المسائل التي تحاول روسيا اللعب عليها هي فك ربط النفط بالغاز لتأسيس سوق للغاز مستقلة، لتخلق توازن من الممكن أن يصب في مصالح دول الخليج الاقتصادية وبالأخص قطر، إن بهذا السوق من الممكن أن يتيح للروس مساحة لعب جديدة،  وقد ينعكس ذلك على الأوضاع السياسية والعسكرية في المنطقة والعالم .

العلاقات الروسية الإيرانية كانت حجر عثرة في وجه العلاقات الروسية الخليجية إلاّ أن روسيا بدأت بالتخلص من الثقل الإيراني وبالأخص في سوريا

إلاّ أنه يبدو أن هناك عائقين كبيرين بين الخليج وروسيا، العائق الأول  هو المسلمون في روسيا والدول المجاورة لها، و العائق الثاني والأكبر هو إيران والدعم الروسي للإيرانين، إلاّ انه من الواضح أن روسيا قد بدأت فعلاً بإيجاد حل لهاتين المسألتين، فها هي قد بدأت بالفعل بفك الارتباط مع إيران، وهو أمر بدأت روسيا بالقيام به في سوريا سواء من خلال المعلومات الاستخبارية التي تقدمها للإسرائيليين حول التواجد الإيراني على كل من الأراضي السورية والعراقية، أو حتى مجرد التنسيق معها خلال هذه الضربات حيث لا تتعرض روسيا للطائرات التي تقصف هذه المواقع بأي شكل من الأشكال ولا تقوم بتحذير الإيرانيين من هذه الضربات، أما قضية الدول العربية والإسلامية بالمسلمين في روسيا، فقد استطاعت روسيا أن تضرب فيها عصفورين بحجر في سوريا، فبداية بدأت بتحسين أوضاع المسلمين في هذه الدول، لا بل أكثر من ذلك تستخدمهم في الحرب السورية، وتقوم بإخراج القوات الإيرانية “الشيعية” وحلفائها من أماكن السيطرة في سوريا، لتحل محلها قوات “سنية” تابعة لها، فليست الصور للمصلين من الجنود “الروس”  إلى جانب السوريين في مناطق المصالحات، إلاّ رسائل سياسية للدول الإقليمية وعلى رأسها الدول الخليجية

الجنود المسلمون الروس أداة في يد بوتين 

كانت لدى الروس بعض المحاولات -وبالأخص خلال زيارة لافروف- لإعادة دمشق لجامعة الدول العربية بالإضافة إلى موضوع إعادة الإعمار بسوريا، كما سربت بعض الأقنية أحاديث مع الخليجيين عن إمكانية المشاركة العسكرية اللاحقة في سوريا، كنوع من كسب ود الخليجيين، إلاّ أن العلاقات الخليجية الروسية فيما يتعلق بالملف السوري، ما زالت تسوده كثير من التعقيدات.

شمال إفريقيا والاتحاد الاقتصادي الأوراسي (UEEA)

تحدثنا في هذا البحث عن الدور الروسي في دول كلبنان والعراق والخليج، إلاّ أن دور ووزن روسيا الإقليمي يتزايد في المنطقة بشكل متطرد في دول أخرى أيضاً لن يسمح لنا هذا البحث للتطرق إليها، وكانت البوابة السورية أفضل مدخل لهذه التغيرات، مع المزيد من الاختراقات التي يقوم بها الروس على خارطة شرق المتوسط وشمال إفريقيا، ولا يبدو غريباً أن يتزامن إعادة إحياء مشروع الاتحاد الاقتصادي (الأوربي الآسيوي) في العام  2015، وهو العام الذي دخل في الروس إلى سوريا، هذا المشروع الذي ولدت فكرته في العام 1921، اليوم تعود فكرته لكن هذه المرة ضمن رؤية لبوتين وحاشيته، تتكامل هذه الرؤيا، وسوريا في عين هذه التغيرات، فما هو المصير الذي يحاك لسوريا والسوريين في ظل هذه المشاريع الروسية؟

  • Social Links:

Leave a Reply