د.عبد الله حنا
لا تعيش الأفكار السياسية والاحزاب في فراغ بل هي حصيلة مجموعة عوامل داخلية وخارجية وتراثية. ويأتي في طليعة العوامل الداخلية دور العامل الاجتماعي المغيّب في معظم الأحيان . وفيما يلي بعض ظواهر هذا العامل :
1 ـ استمرار بقايا العلاقات الإقطاعية ورسوخ أقدام بعض ظواهر ما قبل العهد الرأسمالي وما قبل الدولة الحديثة : كالقبلية والعشائرية والعائلية والطائفية والمذهبية وغيرها .
2 ـ وجود الأنماط الحرفية والفكر ’’ الد كنجي ,, . المولّد لفكر ووعي اجتماعيين منغلقين على ذاتهما …
3 ـ ضمور معالم البرجوازية الوطنية المنتجة صناعيا , أو المرتبطة بالإنتاج المحلي . وهذا مما أسهم في تراجع العقلانية وأفكار الحداثة والعلمانية والوعي الوطني , الذي طمحت إليه هذه الطبقة في سعيها إلى السوق الوطني الموحد , قبل ضعفها نتيجة التأميم وعوامل أخرى .
4 ـ تراجع عملية تكوّن طبقة عاملة برزت بعض سماتها في منتصف القرن العشرين , ثمّ ما لبثت أن تراجعت أو اختفت ظواهر التكوّن هذه , تحت وطأت عوامل كثيرة . وهذه الظاهرات أثّرت سلبا على الحزب الشيوعي وغيره من الأحزاب اليسارية .
5 ـ تراجع حجم الفئات الوسطى ومكانتها وتقلص دوائرها الاجتماعية مما أدى إلى أمرين :
* تسلّق أعداد قليلة نحو الأعلى لتحتل مركزا في حلقة العلاقات الطفيلية والبيروقراطية , التي تشدد الخناق على الطابع العصري الحديث للدولة وتدفع بالأمور باتجاه تحويل الدولة من دولة احترام القانون وتطبيقه على الجميع دون ” استثناءات ” إلى ” دولة تسلطية ” تستأثر الفئات الحاكمة فيها بالنصيب الأكبر من الثروة المجموعة من المواطنين , أو الآتية من العوائد النفطية. وويل لمن يحتج أو يرفع الصوت مناديا بالعدالة الاجتماعية وتوزيع فوائض الإنتاج على الجميع !!!.
* هبوط القسم الأكبر من الفئات الوسطى نحو الأدنى . ولكن الفئات الوسطى في هبوطها لم تتحول في أكثريتها إلى قوى منتجة (عمالية , فلاحية , حرفية , مثقفة مبدعة فكرا ) بل غرِقت وتغرق في الأعمال غير المنتجة , ويتحول قسم منها إلى فئات رثة أو مهّمشة . ولهذه الظاهرة آثار خطيرة في مختلف مناحي الحياة . وهذه الظاهرة أحد أسرار تراجع الثقافة وسطحيتها نتيجة ما أصاب الفئات الوسيطة مبدعة الحضارة من وَهَنِ وإذلال وقهر كانت الدولة الأمنية وأجهزة مباحثها مسؤولة عن ذلك الإذلال والفقر .

Social Links: