انقسم السوريون غداة الإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية، واقتراب انطلاق أعمالها في جنيف , مشهدا بدا محموما بكثير من النقاشات، “عجت” به صفحات التواصل الاجتماعي، وذهب بعضها لدعوة الناس للتوقيع على عرائض رافضة، ومشككة ومتسائلة حول جديد اللجنة، ومن كلفها بتمثيل السوريين، وهل ما يجري مناورة” معدة مسبقة بعد سنوات الموت السوري، وتجاربه مع مجالس وقوى سياسية واءتلاف وهيئات تفاوض لم تنجز المطلوب.
وفي المشهد المضاد بدا ثمة حرص على آمال مستحقة، والدعوة لعدم إطلاق الأحكام المتسرعة، والقبول بالتحولات التي يراهن أصحابها على انها تسير، وان بحراك بطيء، نظرا لتشابك وتعقيدات المشهد السوري وتداخلاته الاقليمية والدولية.
وفي تصريح خاص ل”بروكار برس” قالت عضو اللجنة الدستورية ممثلة عن المجتمع المدني الدكتورة سميرة مبيض :”أنه لم يتم تحديد موعد بدء أعمال اللجنة بعد، ومن المتوقع انه سيكون خلال عدة أسابيع”.
واعتبرت مبيض :” أن اللجنة الدستورية خطوة من مسار جنيف للانتقال السياسي، فهي كسياق منفرد لا يمكن أن يؤدي إلى أي نتائج ما لم ترتبط بعملية الانتقال السياسي والتغيير الجذري الشاملة، وبالتالي لا يمكن اعتبارها التفاف عن جنيف بقدر ما هي مؤشر لانتهاء فترة من الجمود السياسي في الملف السوري والتي يتوجب على السوريين العمل حثيثا من اجل أن تكون خطوة تحقق مصالحهم بعد غيابها طيلة المراحل الماضية”.
وحول الصعوبات التي قد تعيق عمل ومسار اللجنة، أشارت عضو اللجنة الدستورية :”أن مسار اللجنة الدستورية لن يكون سهلا بل ستتخلله محاولات عرقلة عديدة من طرف النظام لتحويل المسار إلى تعديل على دستور عام ٢٠١٢ والذي تم وضع بنود تتعلق بشكل رئيسي بتمكينه من الحكم بينما المسار السليم لكي يكون عمل اللجنة فاعلا ويؤدي لنتائج مؤثرة يجب أن يتجه نحو كتابة دستور سوري جديد، ينهي حقبة الاستبداد والقمع ويبدأ بوضع حجر البناء نحو سوريا المستقبل، لبناء دولة قانون ومواطنة”.
وفي سياق متابعتها لواقع الشارع ورفضه للدستورية مسبقا اعتبرت مبيض :”أن الشارع السوري يستند في توجسه إلى أحداث المسار السياسي السابق، والتي لم تفضي لتحقيق مصالحه ومطالبه، بل على العكس تحولت مطالب الثورة المحقة إلى مسارات بعيدة عن ما انطلقت به، سواء بالنواحي العسكرية او السياسية بالإضافة إلى حالة العجز الدولي، لغاية اليوم، عن حماية المدنيين من القصف والتهجير رغم الكثير من الوعود، يضاف إلى ذلك وجود تصور بعدم وجود أي تأثير للسوريين او اهتمام بمصالحهم، لذلك تسود هذه الحالة من التشاؤم والتوجس وهي جميعها مفهومة نتيجة السياق المعقد الذي تحولت به ثورة شعب محقة إلى صراع دولي على الأراضي السورية. لكن ذلك لا يمنع ضرورة أن يعمل السوريون في كل موقع متاح للدفع برؤية سورية تعيد مطالب السوريين المحقة لمكانها في مركز اهتمام المجتمع الدولي والحلول المطروحة”.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أعلن أمس الاثنين تشكيل لجنة دستورية سورية تضم ممثلين عن كل من النظام والمعارضة والمجتمع المدني بهدف مراجعة الدستور بهدف التوصل لحل سياسي.
وتضم اللجنة 150 عضوا، خمسون منهم تختارهم دمشق، وخمسون تختارهم المعارضة، وخمسون يختارهم المبعوث الخاص للأمم المتحدة بهدف الأخذ في الاعتبار آراء خبراء وممثلين للمجتمع المدني.
الصحفي مصطفى السيد حث متابعيه على التفاؤل والاستثمار بالمرحلة التي تعاد فيها السلطات للشعب السوري لأول مرة منذ عقود:” لأول مرة تبدو السلطة بطريقها للعودة للشعب, وقبول نظام الاسد مكرها باللجنة الدستورية، وهو الذي لم يسبق أن اعترف بأحد غيره، مؤشر في الطريق، واللجنة برئاسة عضوين وقراراتها برعاية أممية”.
وفي إجابته حول غياب أعضاء الدستورية عن الشارع السوري وتقديم التطمينات الواجبة اعتبر السيد :” أنه ثمة غباء مشترك لدى جميع الأطراف،وواضح أن ليس لديهم أي خطة تسويق، وهذا سيضع الجميع بمواجهة الشعب،وثمة مخاوف ألا يكون بخططهم وأدبياتهم نية إعادة السلطة للشعب “.
تشير بعض المصادر المتفائلة إلى أن تفاؤلها مرده لمعلومات ليست مؤكدة أن الضغط الغرب عموما والولايات المتحدة الأمريكية خصوصا ساهم بالإسراع بتشكيل اللجنة الدستورية، منوهة انه إذا توفرت شروط استمرار ذات الضغوط فقد تتحرك السلال الأخرى في الملف السوري.
فيما نشر الصحفي إبراهيم حميدي عبر صفحته الشخصية ما اعتبره أهم القواعد الإجرائية للجنة الدستورية ” مرجعية القرار2254 والتنسيق مع المبعوث الدولي، وتقارير دورية لمجلس الأمن، و150 عضوا لجنة موسعة و45 لهيئة مصغرة، ورئاسة مشتركة، حكومة ومعارضة، وضمانات وحماية لأعضاء اللجنة، وتعديل دستور2012 أو دستور جديد، ويعرض على استفتاء عام، وجدول زمني وفق القرار2254 وتضمين النتائج بالقانون السوري، ولا تدخل خارجي بقرارات اللجنة”.
وقال عضو الهيئة العليا للمفاوضات السابق، الدكتور رياض نعسان أغا، في تصريحات إعلامية :” إنه ليس متفائلاً باللجنة الدستورية، ولكنها الباب الوحيد شبه المفتوح دوليا أمام الحل السياسي للأسف”.
معتبرا:” أن توافر وزيادة الضغوط الروسية على النظام السوري قد تدفعه للموافقة على تعديلات طفيفة على دستور 2012 وأن يربط القرار بمجلس الشعب السوري، وأن يصدر الدستور المعدل بمرسوم من رأس النظام”.
رفض اللجنة الدستورية ودعوات لمقاطعة نتائجها
ليست عموم المواقف السورية متشابهة لجهة اللجنة الدستورية، فالكثير من النخب الفكرية والصحفيين والكتاب والقوى السياسية، رفضت المشروع برمته، معتبرة أن ثمة التفاف على قرارات جنيف التي دعت لتشكيل هيئة حكم انتقالي، وحذرت شخصيات بارزة من قبول اللجنة ومشروعها، فيما ذهبت صفحات اجتماعية للدعوة لتتشكيك بهويات السوريين المشاركين فيها، ودعت متابعيها للتوقيع على عرائض رفض نتائجها القادمة.
فقد أعلنت “دائرة العلاقات الخارجية” التابعة لـ”الإدارة الذاتية لشمال وشرق” سوريا،:” أنها غير معنية بمخرجات تشكيل اللجنة الدستورية السورية، نظراً لإقصائها وتغييب مشاركة ممثليها”.
وأكدت الإدارة الذاتية في بيان نشر على حسابها الرسمي يوم أمس: “نُؤكد موقفنا الثابت من الحوار وضرورته للوصول إلى اتفاق وطني سوري، بمشاركة كل السوريين وضرورة وجود الإرادة السياسية بشمال وشرق سوريا التي تمثل إرادة الملايين من مختلف المكونات المتعددة”.
لكن عضو هيئة التفاوض السورية والمتحدث باسمها الدكتور يحيى العريضي فند بتصريحات صحفية ما طالبت به ” الإدارة الذاتية لجهة غياب تمثيلها، معتبرا أن ” تنظيم قسد” راهن بين المتناقضات فمرة مع الأمريكان، وأخرى حين تستشعر الخطر تغازل النظام السوري،وبالتالي هذه الحالة أفقدتها التمثيل باللجنة الدستورية إضافة لوصف مسلكياتها” بالغير محبذة ” من قبل دول وازنة في الملف السوري”.
وشدد العريضي على:” أن المجلس الوطني الكردي الممثل لقوى عديدة، حضي بالتمثيل باللجنة الدستورية من أصل كتلة المعارضة، وأيضا ممثل بالمجتمع المدني وخصص له مقاعد،وقد تكون قوى كردية ممثلة أيضا من قبل النظام السوري”.
من جانبه عبر الدكتور نضال الشعار وزير الاقتصاد والتجارة سابقا وعبر صفحته الشخصية عن مخاوف متصاعدة من تشكيل اللجنة وصلاحياتها وآليات عملها، معددا جملة من المخالفات الدستورية التي يصفها الشعار:” لا يوجد أي نص دستوري أو قانوني في تاريخ سورية يسمح بتشكيل أي لجنة أو هيئة لوضع الدستور دون إجماع وتشريع وقرار، ولا يمكن لمخرجات هذه الهيئة الدستورية أن تحظى بقبول الشعب وأغلبه مشتت ونازح وجائع”.
وأعاد الشعار مخاوفه عبر تدوينة جديدة صباح اليوم، تشير بوضوح أن ثمة استقالات وانسحابات ستحضر خلال عمل اللجنة، بما يعني أن وقتا طويلا، وسياحة جديدة لاعضاءها ستستمر لوقت طويل”.

من جانبه شن الفيلسوف السوري الدكتور احمد برقاوي عبر عدة “تدوينات” هجوما لاذعا على الراكبين بقطار اللجنة الدستورية، والمراهنين على انجازها لشيء مستقبلا، واصفا إياهم” بالحمقى والسذج” وداعيا للاتعاظ بتجارب السنوات القاسية، وما تركه نظام الاسد من تهجير وقتل وتدمير في طول البلاد وعرضها”.

الصحفي محمد منصور أطلق نداءا عبر صفحته داعيا للتوقيع على ” بيان” إن اللجنة الدستورية لا تمثلنا”.

وقال منصور في بيانه :”نحن السوريين الموقعين أدناه، نعلن أن اللجنة الدستورية التي يشارك فيها ممثلون عن نظام الأسد المجرم لا تمثلنا. وأن من شاركوا فيها باسم المعارضة لا يمثلوننا ولا ينطقون باسمنا، وأنهم مجموعة من المرتزقة الذين خانوا دم الشهداء ويتوجب عزلهم ومحاكمتهم. إن اللجنة الدستورية مرفوضة من أساسها لأنها فكرة روسية هدفها شرعنة النظام، وتبرأته من المجازر والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها على مرأى ومسمع من العالم، وتصوير ما حدث بأنه مجرد خلاف سياسي يحل بوضع دستور جديد يمثل “النظام والمعارضة”. ليس المهم بالنسبة لنا ما سينتج عن هذا الدستور، ولا التفاصيل القانونية أو غير القانونية التي يصاغ من خلالها، لأن الجريمة الأساسية هي الاعتراف بأهلية النظام لوضع دستور جديد للبلاد، وهو الذي ارتكب فعل الخيانة الوطنية العظمى حين دمر عشرات القرى والمدن السورية وقصف الشعب بالطيران والكيماوي والبراميل وهجر ثمانية ملايين سوري. إن اللجنة الدستورية باطلة وكل من فيها لا يمثلنا”.


Social Links: