إلا أنني وبحكم عملي في التعليم والعمل الاجتماعي، أقابل دوماً أهالي يرددون عبارات مثل: “يا آنسة التواصل بيني وبين ولادي انقطع” أو “خايفة أخسر ولادي… تخيلي بيحكوهن بيت جدهن ما بيفهموا عليهن”. خلق هذا القلق شيئاً من الارتباك داخلي، ما أحتفل به على أنه فرصة من الحياة يشكل صراعاً حقيقياً لآباء وأمهات يعيشون في نفس المدينة. لذا نويت أن أطرح السؤال بصيغة أوسع: ماذا عن اللغة الأم؟ وكيف تتفاوت مخاوف الأهالي ما بين القلق من خسارة جزء من الهوية الثقافية أو الدينية، أو الابتعاد عن العادات والتقاليد، أو انقطاع التواصل ما بين الأحفاد وأجدادهم؟ وأروي هنا بعضاً من هذه القصص.
كي لا تغيب حكايات الجدات
وصلت “ر.غ” و “م.ك” إلى برلين في آب/ أغسطس 2015، وكانا قد حاولا التحدث مع ابنتيهما بالعربية، إلا أن ابنتيهما سرعان ما لجأتا إلى الفرنسية التي هي اللغة الأسهل لهما. عن ذلك يقولان: “كثيرون من أبناء وبنات أصدقائنا العرب الذي يعيشون في الخارج عاجزون عن التحدث باللغة الأم، ويلقون باللوم على أهلهم لحرمانهم من هذه الفرصة، ونحن لا نود أن يحدث ذلك مع ابنتينا”. وليس فقط تسهيل التواصل وفهم الخلفية الثقافية ما دفعهما إلى البحث عن معلم/ ـة للغة العربية، بل أيضاً حرصهما على ألا تنقطع حكايات الجدة حيث يوضحان: “جدة البنات قريبة منهما جداً إلا أنها تتحدث العربية والإنجليزية فقط، وهذا ما شجعنا على طلب المساعدة في وقت مبكر”. وبالفعل، تزور معلمة اللغة العربية الفتاتين كل أسبوع، يقضون معاً ساعة من الوقت يتعلمون فيها العربية محاولين التخفيف من صعوبتها وغرابتها.
الحاجة إلى دافع للتعلم
أما سناء النميري التي وصلت إلى برلين في 2009، توضح أنها تخاف طبعاً من أن يفقد أبناؤها لغتهم الأم التي – وفق تعبيرها – “بكفة وكل اللغات بكفة، لفرط جمالها”. حين صار عمر ابنتها رهف تسع سنوات في 2015، حاولت البدء بتعليمها اللغة العربية، ولم تجد حينها إلا الجوامع التي قدمت دروساً باللغة العربية. غضبت رهف في البداية لكنها سرعان ما أخبرت والدتها عدم رغبتها في المتابعة، غاب شغف رهف لتعلم اللغة العربية ليعود مجدداً في 2017، حين تم تسجيلها في مشروع “باك أون تراك التعليمي” وبعد سعادتها للقاء الكثيرين من متحدثي العربية، فقدت دافعها مجدداً لغياب معلمتها لفترة طويلة من الزمن. توضح سناء: “صار هنالك الكثير من الحدود بين ابنتي والعربية، وقريباً سأزور لبنان وأخشى من عجز أبنائي عن التواصل مع محيطهم”.
حين تضيع المفردات
بعض الأهالي يعيشون هذا القلق بشكل يومي، أي من خلال تفاصيل الحياة اليوميّة، وفي كل مرة يسألون فيها طفلهم عن اسم شيء باللغة العربية، فيعجز عن الرد. “س.ا” التي تعمل متطوعة كمعلمة للغة العربية تقول إن إحدى بناتها تعبر أحياناً عن نسيانها للعربية، بينما يعجز ابنها الصغير عن إيجاد المفردة العربية التي تعبر عن الأشياء من حوله أو أنه قد يخطئ في لفظها إن وجدها. تضيف: “أحاول تنشيط ذاكرة أبنائي دوماً من خلال اللعب، والقصة وسؤالي عن اسم ما حولنا من أشياء كلما مشينا معاً في الشارع”.
تقول “س.ا” التي وصلت إلى برلين في 2017: “اللغة الأم أساسية عند كل الشعوب، لا عند العرب فحسب، وخوفنا من فقدها هو خوف طبيعي”. بالنسبة لها، اللغة الأم هي الركيزة التي يبنى عليها تعلم أي لغة ثانية حيث تؤكد: “اللغة الأم تعبر عن هوية الشخص وحضارته، وبفقده لها يفقد المرء نصف هويته”.
يوم مدرسي طويل، أي تواصل أقل
بحسب أسماء الحسين، وهي معلمة تعمل في تعليم اللغة العربية بشكل تطوعي في برلين، فإن الأطفال يقضون القسط الأكبر من وقتهم في المدرسة ويتحدثون بالتالي اللغة الألمانية. حين يعودون إلى المنزل يصبح التواصل باللغة العربية صعباً ويتطلب بذل جهد أكبر. هنا تماماً ينشأ الخوف عند الأهالي. استجابة لهذا الخوف، يسرع الأهالي إلى تسجيل أبنائهم وبناتهم في مشاريع تساعد على تعلم اللغة العربية، وحول إن كانت هذه الرغبة نابعة من الأطفال أو الأهالي توضّح أسماء: “وفق تجربتي، كان للأطفال رغبة في تعلم العربية إلا أن الأهالي يرغبون دوماً في تكثيف المحتوى الذي نقدمه للطفل، كأن نعمل بسرعة أكثر، أو نعلم عدداً أكبر من الحروف”. وعن رأيها حول ضياع اللغة الأم تقول أسماء: “حين ننسى لغتنا الأم، نفقد التواصل مع أهلنا وجذورنا”.
عن الرصيف 22

Social Links: