التغيير 24 “بروتوكولات” يوم القيامة (1)

التغيير 24 “بروتوكولات” يوم القيامة (1)

 

تعامل النظام مع استحقاقات ثورةٍ هي ملءُ السمع والبصر، بنفيٍ، وتغافلٍ، واستخفافٍ، وتزييفٍ، واحتيالٍ، وتخوينٍ، وافتراءٍ، وهروبٍ إلى الأمام.

قُبَيل وصول الربيع إلى سوريا، أكّد “بشّار الأسد” في “يناير 2011” على عدم إمكان حدوث ثورة فيها. وبعد انطلاقتها، كان الصمتُ والتجاهل الحكوميّ سيّد الموقف، إلى حين موعد خطاب بشّار المرتقب في 31/03/2011 كحبل إنقاذ. والذي انقلب إلى حبلٍ يطوّق رقاب الجماهير، بإصرار المُتَرَئِّس على الهروب إلى الأمام، والاستخفاف بكرامات الناس، وتجاهل أدنى مطالبهم، والتي كان يكفي حينها، تقديم اعتذارٍ من المتضرّرين، وإعلان عقاب المتسبّبين. فما أكبر الإحباط، عندما ينقلب وعدٌ منتظَرٌ، إلى وعيدٍ مجرّبٍ بالمآلات والويلات.؟

استبق “بشّار” خطابه بإفراجه عن حوالي 260 معتقلاً من “صيدنايا”، معظمهم من الإسلاميين بتاريخ 26/03/2011. وأتبع خطابه بإلغاء قانون الطوارئ، الذي كان مفعوله يقضّ مضاجع السوريين لأكثر من 48 عاماً، فقط للحفاظ على (النظام الاشتراكيّ) في الستينات، ولحماية المتربّع على كرسيّ الرئاسة بعد السبعينات. وكان ذلك في وقتٍ تنعم فيه البلاد بالسلام. ثمّ أُلغي قانون الطوارئ عند ضرورة الحاجة إليه ( كما في الدول الطبيعيّة التي تسيطر عليها الاضطرابات عادةً) بتاريخ 21/04/2011.

لم نعرف -وقتها- سبب هذه “الرحمة” التي هبطت فجأة على قلب الرئيس “الرحيم”، بالإفراج عن إسلاميين، في وقتٍ يدعم فيه نظامه وإعلامه بكلّ ما أوتي من كذبٍ وافتراءٍ، اتّهام الحراك الشعبيّ الفطريّ المتنوّع المشارب، بالأسلمة، والأَخوَنة، والتطرّف.!

ثمّ ما لبثَ أن أتبَعَهُ بالمرسوم التشريعي رقم 61 الذي قضى بمنح عفوٍ عامٍّ عن بعض الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 31 أيار/مايو 2011. وهو أوّل مرسوم عفو بهذا الحجم منذ العام 1985، وقد شمل مختلف الجرائم السياسيّة، والمنتسبين إلى جماعة الإخوان المسلمين، ونصف العقوبة في الجنايات، وربع العقوبة في الجرائم الاقتصاديّة. كما شمل أيضاً كامل العقوبة في جرائم النصب والاحتيال، وجرائم التهريب.

بعد أقلّ من شهر صدر المرسوم الثاني رقم 72. وشمل عفواً عن بعض الجرائم الجنائيّة المرتكبة قبل تاريخ 20 حزيران/يونيو 2011. وأهمّها جرائم التهريب. وتضمّن عفواً عن كامل العقوبة بالنسبة لمتعاطي المخدّرات، وجميع الجرائم الجنحيّة الواردة في قانون المخدّرات، والسرقة البسيطة، والاحتيال. وهذا يُعتَبَر استكمالاً لعمليّة إفراغ السجون من الجنائيين، وإغراق الشارع السوريّ بهم، لينضمّوا إلى صفوف ” الشبّيحة”، الذين أصبحت الحاجة مُلِحّةً إليهم، بخاصّةبعد إلغاء قانون الطوارئ. فيقوموا بالاعتقال والتعذيب والضرب والقتل والتنكيل، بدون صفة رسميّة، ويفعلون ذلك تحت سمع وبصر ومرافقة رجال الأمن.

ثمّ ألحق ذلك بخمسة مراسيم عفوٍ أخرى:

– المرسوم رقم 10 تاريخ 10/01/2012
– المرسوم رقم 71 تاريخ 23/11/2012
– المرسوم رقم 23 تاريخ 16/04/2013
– المرسوم رقم 70 تاريخ 30/10/2013.
– المرسوم رقم 22 تاريخ 09/06/2014

بالعودة إلى المقبور ((حافظ الأسد))، الذي كان حريصاً على إرضاء نرجسيّته، واصطناع أبديّته المزعومة، والتي جعلها مسجوعة، في ارتجاف نفْثِ حناجر طلّاب المدارس المنخلعة من دفء أَسِرّتِهِم، وفي زعيق العسكر بالتزامن مع تلصّص الشمس على حظائر ثكناتهم: ((قائدنا إلى الأبد.. الأمين حافظ الأسد)). أبَتْ تلك النفسيّة المريضة بداء العظَمة المتفاقم عبر سنين ذِلّة الخضوع الجماهيريّ، إلّا أن تستمرّ هذه الأبديّة المرَضيّة في وريثه (البيولوجيّ) “بشّار”.

فمن غير المناسب مثلاً توريث فِكْرِهِ الأوحد “لخدّام” أو “طلاس”، رفاق دربه وتلاميذه الأنجب، والورثة الأكثر إخلاصاً لفِكرِهِ ممّن أنجب. كونَ السَجَع المرتبط بالأبد.. يتحوّل نصّاً خارجاً عن الأدب.. وعن قدريّة هذا الشعب بوجوب حُكمه من قِبَل فردٍ من آل (الأسد).

فلا تستقيم عبارة مثل (خدّام للأبد)، أو (طلاس للأبد)، مع ذلك التناغم الساحر وزناً وحرفاً لدرجة تُسكِر الأسديين، وتجعلهم في قمّة النشوة بتردادها، كما يفعل الراعي بقطيعه يسوقهم إلى قضائهم المحتوم، من خلال نشاز (نايه) الهارِب من انتقاد سمّيعةٍ يمتلكون حِسّاً ودرايةً موسيقيّة.

أورثَ “حافظُ” “بشّارَ” قطيعاً على طبقٍ من “تبنٍ” ٍمقرون (بكتالوج الحكم)، مرفَقٍ -كما أظنّ جازماً- بكتابٍ أسودَ مُعَنوَنٍ ب (“بروتوكولات” يوم القيامة).

هذا الكتاب الأسود هو حصيلة الشرِّ المتأصّل فيه، المثَقّل بأوزار تآمره الخارجيّ على البلد، و المُنتِنِ بتآمره الداخليّ على معظم رفاق دربه، والمحَمّلل بخبرةٍ واسعة في تجربة حكمِ فردٍ أوحد، بحماية أجهزة عصابات، حظيَت بجميع أنواع التدريب المخابراتي الدوليّ القذر لعقود ثلاثة.

إنّ إطلاقي اسم (“بروتوكولات” يوم القيامة) -المفترَض حسب ظنّي- أورثه “حافظ” ، لوريث الأمر الواقع”بشّار”، وهو الابن الواقع من محجره اللندنيّ، وسط ركام مشاكل الشرق الأوسط، بحكم “أبديّة حافظ” بعد مقتل شقيقه “باسل” الوريث الذي اشتُغل عليه لسنوات بهدف تحضيره لوراثة العرش وفشل المخطّط.
وجد “بشّار” نفسه مرتدياً ثوباً أكبر من قامته، بعدما كان بعيداً عن الأضواء. مكبّلاً بحركاتٍ لا إراديّة -كانت باديةً عليه- من مثل (رمشة العين المثقّلة)، قبل تخلّصه منها لاحقاً بالمعالجة، وبلثغة لسانه التي أصبحتْ بصمته المميّزة المُلازمة.

بعد نضوب الخيارات القصوى المتاحة ل”بشّار” أمام الانفجار العظيم للشعب، والذي أثبت توالي الأيّام استحالة أي سيطرةٍ عليه، بالطرق القمعيّة التقليديّة، وكأنّه مُحِيَ من ذاكرة السوريين تلك المآسي التي تجعل المرء يفكّر ألف مرّة قبل إبدائه ما يعارض حكماً لم يترك بيتاً في سوريا دون قصّة من قصص إرهاب السلطة.
لذا كان على بشّار الالتجاء إلى كتاب والده، الذي أوصاه به، في مثل الاضطراب الذي يهدّد أركان حكمه العضوض.
أخيراً فتح “بشّار” كتاب والده الأسوَد، كتاب: “بروتوكولات” يوم القيامة.

-يُتبَع-

المراجع: المدن

  • Social Links:

Leave a Reply