المشاكل المفتعلة

المشاكل المفتعلة

زكي الدروبي
تمتلئ صفحات وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام بالهرج والمرج والتخوين والسباب المتبادل بين أفرقاء وطن واحد يحلمون جميعاً بالحرية من نظام الاستبداد الأسدي القاتل لشعبه الناهب لثروات بلاده والانتقال إلى نظام ديمقراطي تعددي، وهذه المرة بين العرب والأكراد بعد عملية نبع السلام.
لاشك أن هناك أمراض كثيرة موجودة في مجتمعنا السوري، وهي في الغالب أمراض طبيعية موجودة في كل المجتمعات، وقد تزداد قليلا في مجتمعنا بسبب الجهل ورواسب التاريخ السيئة التي علقت بنا، و ساهم نظام الأسد بشكل فعال باستثمار هذه الأمراض ورواسب التاريخ خلال 50 سنة من حكمه، واستطاع تكريس النزعات ما قبل سياسية (الطائفية والشعبوية العرقية والأثنية والمناطقية ….الخ ) واستثمر بها بشكل فعال مع بداية الثورة، وخصوصاً الطائفية.
اليوم يستثمر النظام والبعض ممن يستفيد من هذا الاستثمار بقضية القوميات، ويحاول إشعال صراعاً عربياً كردياً، حيث أن العربي دوماً هو المحتل السلفي الداعشي العميل لتركيا … الخ لدى الكثير من الأحبة الأكراد وكثيرا منهم لم يروا أو ينتقدوا أفعال PKK ومشتقاتها بالعرب، ولم يروا أفعال النظام بغير مناطق، فنجد أن صفحات الكثير من الأحبة الأكراد مملوءة بأخبار “الاعتداء التركي على الأكراد” – حسب وصفهم- ولا أجد منهم تضامن مع من يقتلون بالقصف المتعدد الأشكال من روسيا والنظام الأسدي.
العرب بدورهم لم يرى كثيرا منهم ماذا فعل PKK ومشتقاته بالأكراد أنفسهم، من اعتقالات وتصفيات، ولم يرى الكثير منهم حجم الانتهاكات الكبير لحقوق الإنسان التي تمارسها الفصائل التي تدعي أنها ثورية، في عفرين سابقاً واليوم في الجزيرة السورية بحق سكان تلك المناطق، وهذه الانتهاكات الحاصلة اليوم هي امتداد لانتهاكات قاموا بها في مناطق سيطرتهم سابقاً، في حمص ودمشق وريفها ودرعا وبقية المناطق السورية، ويعممون على كل الأحبة الكرد أنهم عملاء وانفصاليون وملحدون و… الخ.
إن معاناة أحبتنا الأكراد مع PKK كبيرة وكانوا ينتظرون الخلاص من خلال أيد وطنية لا من معفشين وحرامية.
هذا الانقسام كنا نشاهده سابقاً في مناطق مختلطة مذهبيا كحمص، فقد مهد نظام الأسد جيداً لهذا الأمر منذ سنوات طويلة، ومع أن الغالبية القصوى من الحماصنة كانوا متضررين من النظام، إلا أنه استطاع تعبئة المجتمع الحمصي المتسامح وتقسيمه لخنادق ضد بعضه البعض مستخدماً الطائفية فأصبح هناك جمهور الثورة وجمهور الموالاة، ثم انتقل لتقسيم جهور الثورة، واستطاع استخدام المناطقية فأصبح هناك الريف والمدينة، والداخل والخارج، و… الخ، حتى أصبح النظام الأقوى بالمعنى السياسي هو الأقوى بين الأقليات السياسية المتصارعة.
إننا نحتاج اليوم بشكل ملح للإيمان أولاً وأخيراً أن سوريا بحدودها التي رسمت مع مطلع هذا القرن هي للشعب السوري كله كائناً من كان أفراده وبغض النظر عن انتماءاتهم الإثنية والقومية والطائفية والمذهبية و.. الخ، حيث يتمتع جميع أفراد الشعب السوري بحق المواطنة ويتساوون بالحقوق والواجبات أمام القانون، ضمن دولة مدنية ديمقراطية تعددية بنظام برلماني يعتمد القائمة النسبية لكل سوريا.
إننا اليوم نحتاج إلى صبر كبير على من يخالفنا الرأي، وعلينا أن نتقبله ولا نصادر رأيه مهما كان مخالفاً لرأينا، وأن نسعى للبحث عن المشتركات معه، وليس عن صراع مع الآخر الشريك في الوطن.
لقد عمل نظام الأسد خلال الفترة الطويلة الماضية على إشعال الصراعات بين أفرقاء الوطن، ونحن نعرف هذا، فلماذا نتمسك كثيراً برأينا أننا نمتلك الحقيقة المطلقة، فأحد الأصدقاء على الفيسبوك يقول لي إن الحل هو باتباع تجربتنا، فنحن التجربة الديمقراطية الوحيدة الناصعة في ظل هذا الخراب، لكنه لا يرى الممارسات العنصرية ولا يرى الانتهاكات المسيئة لحقوق الإنسان التي قام بها الفصيل الذي ينتمي له، ويعتبر كل ما يقال مؤامرة كونية على تجربتهم الديمقراطية الرائدة، حتى أنه في سياق حوار على مجموعة عامة على الفيسبوك وبعد أن انتهى من التخوين وحفلة الردح، انتقل ليرسل لي رسائل على الخاص مؤكداً أن تجربتهم ستنجح رغماً عني وعن بشار وعن أحد رؤساء الدول الإقليمية المحيطة في سوريا.
إن من أولى أولوياتنا التعاون جميعاً من أجل التصدي لأي فكر إقصائي وقبول الرأي الآخر مهما كان مختلفا عن رأينا ولنبحث عن المشتركات التي تجمعنا، ولتكن وسائل التواصل الاجتماعي منبراً للتعبير عن التعددية الثقافية والفكرية بكل أنواعها.

  • Social Links:

Leave a Reply