مركز مينا للدراسات – حدة الدراسات التنويرية
هذا البحث يحاول اكتشاف العلاقة بين التنوير وحوامله الاجتماعية والسياسية، سيما أننا لا نزال ننظر إلى تطور أنساق حياتنا من منظار ثقافة أحادية، ترتبط بمفهومي القضاء والقدر، أي إننا نفتقد إلى “التنوير الذي يقوم بتحريك الفكر، وتحرير العقل من الأوهام، ويتخلص من أي سلطة معرفية، تعمل على كبح لجام العقل النقدي ومحاصرته، وجعله عاجزاً عن تحفيز الأسئلة وإثارتها“ .
باختصار، نحن نريد أن يكون تفكيرنا علمياً، يعتمد على تحليل الظاهرات والأحداث وتركيبهما، واستنباط اتجاهات حركتها.
المدخل
أسئلة كثيرة يطرحها الواقع علينا، ويأتي في مقدمتها سؤال رئيس: لماذا تتقدم الأمم ونحن لا نزال نغوص في وحل صراعاتنا الطائفية والقبلية والدينية، ونغرق أكثر فأكثر في طين التخلف والجهل والخوف من الغد المجهول؟.
إن الإجابة على هذه الأسئلة تحتاج إلى تسليط ضوء كاشف على درجة التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، التي تعدُّ بمحصلتها النهائية بعيدة عن موقعنا الحقيقي في سياق تطور الحضارة البشرية. إن تسليط الضوء على درجة التطور الاجتماعي العام، يعني بالضرورة معرفة البنى الاجتماعية، التي تتعايش متزامنة ومتفاوتة في التطور ما يجعل منها تشكيلة اجتماعية ذات سمات عامة محددة.
لماذا نحتاج إلى التنوير؟!
يمكن اعتبار التنوير تجاوزاً لمفاهيم اعتمدت مبدأً استاتيكياً[1]. أي فهم الظواهر والأحداث، هذه الاستاتيكية ولدت نتيجة انغلاق البنية الاجتماعية على قراءتها لنصوص دينية، دون اكتشاف جدلية العلاقة بين الفكرة والواقع المُنتج لها. ولهذا يكون التنوير بعثاً للفكر النقدي التحرري، وهو بممارسة إضاءته النقدية للواقع، يساعد على استخدام العقل الرافض للمفاهيم الغيبية المتسمة بمفاهيم غير عقلية، واعتماد العقل البشري مصدراً وحيداً للمعرفة البشرية. ولكن يجب التمييز بين الفكر التنويري والفكر الإصلاحي، فالأول يعتمد أدوات علمية وفق منهج علمي صارم، يتبنى تحليل الظاهرات وتركيبها والكشف عن العلاقة الجدلية بين أنساقها، وهذا يعطي جلاءً في اتجاهات الحركة والتطور، الذي تمر به الظاهرات. أما الفكر الإصلاحي، فهو يتبنى تصحيح مسارات التطور، التي يعتقد أن مسارها قد غيّر مجراه. ولكنه يبتعد عن نقد جوهر البنية العميق الذي تنتظم الظاهرات وفقه.
لهذا نستطيع القول، إن “مصطلح الإصلاح الديني لا يمكن أن يكون أداة بحثية في التفسير والتحليل النقدي، لأنه ببساطة مصطلح متجاوز في الصيرورة الاجتماعية التاريخية”[2]. وهو ما يعني ضرورة التنوير.
جدل العلاقة بين التنوير والبنى الاجتماعية
إن الحديث عن البنى الاجتماعية القائمة في مجتمعاتنا هي من يوضّح طبيعة التشكيلة الاجتماعية، وطبيعة العلاقات بين أنساق هذه التشكيلة، ونقصد أنماط الإنتاج وما يرتبط بها من وعي فكري وسياسي واجتماعي. فثمة فرق واسع بين نمط إنتاج أقرب إلى الطبيعي أو الحرفي، ونمط إنتاج صناعي متطور. الفرق هنا هو فرق بنيوي، لا شكلاني، وبالتالي هو فرق علمي وحضاري في آن واحد. ولذلك يمكن القول، إن مجتمعاتنا تفتقد الحداثة، لأنها ببساطة لا تزال بعيدة عن عقلنة الواقع. فهي تفسّر غالبية الظاهرات السياسية والاجتماعية وكأنها أقدار وابتلاءات من خارج سياق تطور بناها الاجتماعية.
إن الحداثة تعني عقلنة العالم، أي فهم العالم على نحو علمي وعقلاني رشيدين، وليس فهماً غيبياً ميتافيزيقياً، ولهذا لا معنى لفهم أي ظاهرة فكرية أو سياسية بدون فهم حاملها الاجتماعي، وكذلك ضرورة معرفة درجة تطور هذا الحامل الاجتماعي.
وإذا عدنا إلى البنى الاجتماعية في الدول العربية والإسلامية، يمكن القول إن التشكيلة الاجتماعية في غالبية البلدان العربية والإسلامية، هي ذات طبيعة زراعية وريعية بصورة عامة، أي إن اقتصاداتها يغلب عليها العلاقات الزراعية المحددة، وكذلك اعتماد هذه الاقتصادات على الاقتصاد الريعي، أي استخراج الثروات الباطنية وتصديرها. أي إن البنى الاجتماعية الجديدة ذات المرتكز الفكري العلمي، لم تشكّل ظاهرة التحول الاجتماعي، وبالتالي فهي بنى عاجزة عن حمل مشروع التنوير، الذي يتطلب تطوراً فكرياً ونمط تفكير يعتمد أساليب العلم ونتائجه.
البنى الاجتماعية المتخلفة في الواقع هي بنى لا تزال تؤطر نفسها بأفكار ماضوية، تقول إن “الإسلام هو الحل لكل مشاكل الأمة”. وهذا التأطير أساسه غياب النقد الفكري العلمي للظاهرات، بغض النظر عن مدى توافقها أو افتراقها مع بعض آيات القرآن، التي نزلت لأسباب محددة زمانياً ومكانياً.
إن غياب النقد العلمي يعني غياب الوعي العلمي الحقيقي الذي يكتشف الظاهرات في الطبيعة والمجتمع، ويكتشف طبيعة العلاقات، والجدل بين عناصر هذه الظاهرات. هذا الغياب يقف وراء حاجتنا للتنوير، “والتنوير يعني خلاص الإنسان من سذاجته التي جلبها لنفسه، وذلك باستخدامه للعقل دون أن يشوّه التعصب تفكيره”. كما يقول المفكر كانط.
إذاً إن البنى الاجتماعية المتخلفة هي بنى مفوّتة التطور العلمي في كل أنساقها، ولهذا لا يمكن فهم كيفية حدوث تطور اجتماعي واقتصادي وسياسي وفكري عام، بدون فهم الأسباب الحقيقية لهذا التفوّت التطوري العلمي. فالتخلف ليس قدراً، بل هو تعبير عن درجة الابتعاد عن استخدام العقل في فهم العالم وتحولاته. ففي البنى المتخلفة كما لدينا، لا تزال العلاقة بين البنى الاجتماعية والدين هي علاقة لا عقلانية، أي بمعنى آخر، كيف يمكن تزامن الوعي الاجتماعي المتغير بتغير شروطه مع روحية الدين، التي تشكّل العبادة جوهرها الرئيس.
إن قراءة الظاهرات الاجتماعية والسياسية وفق منظار ديني، يعني ببساطة إلغاء مساحة العقل الفاعلة في فهم الظاهرات، فليس من وظيفة الدين تفسير الظاهرات، ولكن وظيفته الرئيسة هي ترسيخ القيم الأخلاقية العليا التي تقربه من خالقه. من هذه الرؤية، يمكن معرفة أسباب فشل التنوير لدينا، فنحن تعاملنا مع التنوير عبر نصوص من خارج سياق تطور بُنانا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وهذا جهل لا معرفة علمية، لأنه ببساطة تجاهل طبيعة البنية الاجتماعية وخصائصها، والعلاقة بين أنساقها الداخلية، وأضفى عليها نتائج بنى أخرى مختلفة بطبيعة تطورها. لذلك يحق لنا القول، إن “فشل التنوير يُبحث عنه وعن جذوره في البيئة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وفي العلاقة بين الدولة والقبيلة والطائفة”[3]. وهذه البنية المعنية تشكّل المحور الرئيس في التشكيلة الاجتماعية واتجاهات تطورها.
إن التنوير هنا حاجة ضرورية، لأن البنى الاجتماعية والاقتصادية في التشكيلة الاجتماعية لم تشهد تحولاً حقيقياً في جوهر بنيتها، ولا تغيّراً ملحوظاً على مستوى نمطية التفكير، وما ينتج عنه من سلوكيات القيم والتقاليد الموروثة من عصور الماضي المليئة بالجهل. ولذلك فالتنوير هنا استبدال لنمط التفكير السائد بنمط تفكير علمي نقدي، يجعل نظرتنا للظاهرات أكثر واقعية، وأقرب فهماً.
جدل العلاقة بين التنوير ونمط الحكم السياسي
منذ أن اقترن الدين بالسياسة، أي بنظام الحكم، أصبح الدين إيديولوجيا لنظام الحكم المعني، وبالتالي، أصبح لهذه الإيديولوجيا مفكرون وأصحاب اجتهادات فكرية، تعيد إنتاج النص الديني كقراءة، وفق سياق يخدم نظام الحكم، ويمكن القول هنا: إن نظام الحكم يمثل المصلحة المتعلقة بالطبقة الحاكمة، بينما الدين ذو وظيفة أخلاقية، وكذلك خلقُ توازن روحي لدى الإنسان.
إن نظام الحكم السياسي يرتبط عادة بمصالح الطبقة الاجتماعية المهيمنة، التي تحاول تأبيد مصالحها، والهيمنة هنا تعني تسخير قدرات البلاد الاقتصادية والاجتماعية والفكرية في خدمة الطبقة السياسية الحاكمة.
ولهذا فإن كل انفتاح على التطور الاجتماعي العام، تعدُّه أنظمة الحكم السياسية المهيمنة تهديداً لمصالحها ووجودها. ولهذا فهي تغلق الأبواب بوجهه، وتستخدم أدوات مختلفة، تشرّع إعادة إنتاج هذه المصالح وبقاء الهيمنة.
لذلك تعدُّ الحداثة عدواً حقيقياً لها، لأنها تعرض تصوراتها حول الإنسان وعقله وفكره، وهو عرض يتناقض مع فهمها ومصالحها. الحداثة تعني هنا التطورات والتحولات في البنى الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي في البنى السياسية، وهذه الحداثة سوف تعيد النظر في بنى الإنتاج والمعرفة والثقافة والتكنولوجيا.
إذاً يمكننا القول: إن أنظمة الحكم السياسي ذات النمط التسلطي التي تستعين برجال الدين (أكليروس- شيوخ-..) تعبّر عن القديم والتقليدي المشبع بالقهر الفكري، وبتغييب العقل والعلم، ولهذا تعدُّ أنظمة الحكم السياسي التسلطية الحداثة نقيضاً لها، وتحاربها على أساس أنها مذهب سياسي، ونظام تفكير اجتماعي وثقافي هدّام. في حين لا يمكن النظر إلى الحداثة بعين الأنظمة المستبدة، فالحداثة ليست مذهباً سياسياً أو تربوياً، بل هي تكثيف لحركة الانفتاح على تطور الحياة، وتشجيع الإبداع، وبالتالي، فهي تعمل على تغيير نمط التفكير والممارسة العملية، وكذلك تغيير السلوك الاخلاقي.
وفق هذه الرؤية يمكن فهم أسباب غرقنا في الجمود الفكري، وسيطرة الذهنية الغيبية، التي تولدها الطرائق الصوفية، فهذه كلها ترتكز على علاقات إنتاج هي مزيج من العلاقات الإقطاعية والعبودية والحرفية، في ظل نظام اقتصادي يعتمد أسلوب الاقتصاد الريعي، حيث تسيطر السلطة الاستبدادية عليه عبر أذرعها المختلفة.
إذاً، إن حركة الحداثة التي تمثل جوهر التنوير، لم تحدث في العمق البنيوي الاجتماعي، بسبب الإعاقة ومنع التطور الطبيعي للمجتمعات، ولهذا لم نستطع في بلداننا تشكيل تيارات تنويرية حقيقية، ترتكز على حامل اجتماعي له مصلحة في هذا التنوير على نحو مباشر. ولذلك بقيت الدعوات التنويرية أقرب ما تكون إلى صرخات فردية معزولة نسبياً في بنية تحتاج إلى تنوير مشتق منها، ومن جوهرها، وعبر اكتشاف العلاقات الجدلية للأنساق السياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية فيها. وبالتالي يمكننا القول: “لم يشكّل التنوير تياراً مترابطاً، يرتكز على إنتاج معرفة جديدة، انطلاقاً من توجهات فلسفية، فالقاسم المشترك بين كثير منهم، هو تأثرهم بالثقافة الغربية، وخاصة الفرنسية، ومن ثم بفلسفة الأنوار الغربية، إلا أنهم لم يمارسوا القطيعة المعرفية التي تؤدي إلى نقد عميق للإرث الثقافي وثوابته”[4].
إذاً يمكننا استنتاج أن العلاقة بين التنوير ونمط الحكم السياسي هي علاقة جدلية، ولكن هذه العلاقة تأخذ أشكالاً متعددة بحسب طبيعة نظام الحكم وبنيته. فالتنوير هو هجرة الإنسان من اللارشد، أي من عجزه من عدم الإفادة من عقله بمفرده، إلى عالم العقل، وفق رأي المفكر كانط. وهذا ما لا تريده أنظمة الحكم الاستبدادية، التي تخلق وصياً على العقل، واتجاهاته الفكرية، عبر مؤسسات دينية، وظيفتها تبرير وجود نظام الحكم السياسي المستبد، والدفاع عنه عبر قراءات دينية.
المراجع
[1]– معنى ستاتيكي / سكوني https://www.almaany.com/ar/dict/ar-en/%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D9%83%D9%89/
[2]– https://elaph.com/Web/opinion/2010/5/559376.html الحداثة وعقلنة العالم د. ابراهيم الحيدري
[3]– https://www.alfaisalmag.com/?p=3215 انتكاسة التنوير – والبنى الاجتماعية والسياسية – عبد الباري طاهر 6نوفمبر 2016
[4]– http://damascusuniversity.edu.sy/mag/human/images/stories/1-2-2014/a/393-438.pdf إخفاق التنوير العربي . الأستاذ صالح شقير

Social Links: