خواطر وتذكير للذات عن الديمقراطية ونقاشاتها

خواطر وتذكير للذات عن الديمقراطية ونقاشاتها

أحمد ماهر – العربي الجديد

يرى صموئيل هنتنغتون، في كتابه “موجات الديمقراطية”، أنه لكي تنجح الثورات أو موجات التغيير، لا بد أن تزيد عدد الموجات الدافعة للديمقراطية عن عدد موجات الثورة المضادة، ووجود الثورات المضادة والكتل الرافضة للإصلاح والتغيير موجودة في كل التجارب. وفي الكتاب أيضا هناك تصنيف لموجات الديمقراطية، فالموجة الأولى بدأت في أواخر القرن التاسع عشر مع صعود الدولة القومية حتى منتصف القرن الـعشرين. أما الموجة الثانية فبدأت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتطلُّع دولٍ كثيرة إلى الاستقلال عن القوى الاستعمارية. أما الموجة الثالثة للديمقراطية فقد بدأت في أواخر السبعينيات حتى نهاية القرن العشرين، مع تجارب التحول الديمقراطي في أميركا اللاتينية وآسيا، ومع الثورات والنضالات لإنهاء الحكومات العسكرية، ثم انهيار الاتحاد السوفيتي وما تبعه من ثوراتٍ ضد الأحزاب الشيوعية في شرق أوروبا ووسطها. وهناك باحثون كثيرون يعتبرون أن موجات التحول الديمقراطي في باقي شرق أوروبا في بداية الألفية الثالثة موجة رابعة، وهناك أيضا من يعتبر أن موجات الربيع العربي المستمرة موجة خامسة لم تنتهِ بعد.

ولم تؤدِ كل تلك الموجات إلى النجاح في كل التجارب، فهناك موجات وثورات كثيرة انتهت بانتكاسات الأنظمة السابقة وانتصارها، أو إيجاد نظام حكم أكثر دموية وشدة مما ثار الناس عليه. ويحمّل بعضهم القوى الغربية والاستعمارية نسبة كبيرة من الانتكاسات، إما بسبب تدخّلاتها لدعم الحلفاء، أو لتعيين أشخاصٍ موالين، مهما كانت درجة انتهاكهم حقوق الإنسان، أو بسبب منظومة الحكم وإدارة الدولة التي وضعوها في عهد الاستعمار، والتي استمرت بعد التحرّر.

وفي كتاباتٍ أخرى، يمكن تقسيم مراحل التحول الديمقراطي لعدة مراحل، الأولى بداية التحول الديمقراطي، أو انطلاق الشرارة. وفي أغلب الأحيان، تكون لاحقة لحدث كبير، مثل حرب أو كارثة طبيعية أو اغتيال شخصية مهمة أو انقلاب، أو بدء إجراء انتخابات أو تزوير فج لانتخابات، تلي تلك المرحلة مراحل أخرى قد تمتد سنوات يكون فيها الكثير من التعبئة والجدال والتدافع، إلى أن تأتي لحظة التغيير حيث إزالة سلطة قديمة بوسائل باردة، كالانتخابات أو التفاوض أو عنيفة كالثورات والانقلابات.

لا تعتبر مرحلة تغيُّر سلطة ما أو نظام سياسي ما مؤشرا لنجاح التحول الديمقراطي، بل يلي ذلك مرحلة أكثر صعوبة مليئة بالشد والجذب والمواءمات والتحالفات، وهي مرحلة إقامة منظومة جديدة وقواعد جديدة وسلطة جديدة، وهذه مرحلة خطيرة، لا بد فيها من التوافق بشكل كبير بين الخصوم والأيديولوجيات المختلفة للوصول إلى منظومة وقواعد ملائمة للجميع، وتضمن المنافسة العادلة بعد ذلك، وإن فشلت تلك المرحلة أو تناحر الشركاء أو انتصرت الثورة المضادة، فذلك يعني فشل موجة التحول الديمقراطي. أما إن نجحت تلك المرحلة في الوصول إلى اتفاق بين كل الأطراف، فذلك قد يعني نجاح 50% من التحول الديمقراطي، حيث يلي ذلك مرحلة أكثر صعوبة.

المرحلة الأخيرة والأخطر هي مرحلة الاستقرار وترسيخ القواعد الجديدة، حيث تنشط فيها مجموعات الثورة المضادة والكتل المقاومة للتغيير، ومن تأثرت مصالحهم سلبا بالأوضاع الجديدة. بالإضافة إلى الممارسة العملية والوقت واختبار المبادئ المعلنة، وهذا ما قد يؤدي إلى ظهور خلافات ومشكلات جديدة لم تكن في الحسبان، وهو ما قد يهدّد استمرارية المنظومة الجديدة أو التحالف الجديد. وإن زادت المشكلات والانقسامات في تلك المرحلة، وأدّت إلى انسداد المسار السياسي أو عرقلته كثيرا، ويؤدي ذلك إلى نجاح الثورة المضادة والقوى المقاومة للأوضاع الجديدة، سواء عن طريق وسائل باردة، مثل انتخاباتٍ تعيد الأشخاص الذين تمت الثورة عليهم من قبل، أو عن طريق وسائل ساخنة كثورة جديدة أو انقلاب عسكري أو كليهما. وأحيانا قد لا يحدث ذلك، ولكن التجربة تتحول إلى نوع من الديمقراطيات الفاشلة أو المشوّهة، أو ما يطلق عليه بععضهم تحولا ليبراليا إجرائيا، وليس ديمقراطيا. وأما إن تم عبور المرحلة الثالثة من التحول الديمقراطي بنجاح، وترسّخت قواعد العمل الديمقراطي، وأصبحت جزءا من ثقافة المؤسسات والمواطنين وأدائهما، عندها يبدأ التفكير في مسائل أكثر رفاهية من الأساسيات.

ويصنف باحثون الديمقراطية ثلاثة أنواع: الكاملة أو المتجذرة، الجزئية أو المنقوصة أو التي لا يزال فها شوائب أو لا تزال في مرحلة التحول الديمقراطي، المشوهة أو الديمقراطيات الفاشلة، ويطلق عليها بعضهم الديمقراطية الكاذبة أو الصورية أو الإجرائية، وهي التي يحدث فيها تعثُّر في مراحل التحول الديمقراطي، ويتم الاكتفاء بالشكل والإجراءات التي يمكن إطلاق لقب تحوّل ليبرالي أو إجراءاتٍ ذات شكل ليبرالي، مثل وجود مؤسساتٍ تدّعي الاستقلالية، ووجود انتخابات شكلية، ولكن لا تسمح بتداول السلطة. وفي الديمقراطيات المشوّهة قد تستمر ممارساتٌ قديمة غير ديمقراطية، وقد يستمر بعض البيروقراطيين في بعض المناصب، وهم أنفسهم الذين خدموا في أنظمة غير ديمقراطية، أو متورطون في فساد سابق، ويصبح هؤلاء هم الكتلة المقاومة للتغيير والمقاومة للديمقراطية.

والديمقراطية المشوّهة أو الفاشلة لا يمكن وصفها أنظمة حكم ديمقراطية. وأيضا يصعب وصفها أنظمة حكم غير ديمقراطية. ويزعم كتّاب وباحثون أن الديمقراطيات المنقوصة أو المشوهة قابلة للإصلاح والتحوّل إلى ديمقراطيات حقيقية، وأنها، مهما كانت عيوبها وخداعها، إلا أنها أفضل من الثورات التي قد تؤدي إلى تدهور أكثر للأوضاع، أو قيام انقلاب عسكري يستمر فترات طويلة، فبناء المؤسسات أولا، والنضال من أجل استقلالها، وترسيخ مفهوم دولة القانون يعتبر مقدّما على المعارك السياسية وتداول السلطة. ونتائج الإصلاح التدريجي أفضل من الثورات والأفعال الراديكالية، ولكن آراء أخرى أكثر راديكالية ترفض ذلك الرأي.

  • Social Links:

Leave a Reply