ما هو التراث الماركسي الحقيقي؟

ما هو التراث الماركسي الحقيقي؟

نتابع نشر الكراس الذي كتبه المفكر الماركسي البريطاني جون مولينو في منتصف الثمانينات

ماهي الماركسية 6/6

 

3 – من الممارسة إلى النظرية: وحدة الماركسية

التحليل الماركسي للرأسمالية الذي يشار إليه عادة بالاقتصاد الماركسي، مع انه في الواقع “نقد للاقتصاد السياسي” كان مقصوداً منه إعطاء أساس علمي راسخ للحركة العمالية عن طريق كشف قانون حركة نمط الإنتاج الرأسمالي. من البديهي أن التحليل كله يتم القيام به من وجهة نظر الطبقة العاملة الثورية، فتعميماته الأساسية تتضمن: تفسير لكيفية استغلال العمال كدليل على أن النظام كله قائم على هذا الاستغلال وتوقع أن هذا النظام يجب بالضرورة أن ينهار لأنه قائم على الاستغلال.(52) ولكن لأن هذا الجانب من الماركسية كثيراً ما تم تقديمه على انه (موضوعي “متجرد من القيم”) متجرد من الطبقات، فانه هناك ما يبرر بعض الملاحظات حول تكوين ومنطق نقد ماركس للاقتصاد السياسي. انه بالطبع تطبيق النظرية المادية التاريخية على نمط الإنتاج الرأسمالي، ويجد جذوره – مثل المادية التاريخية – في تحليل العمل(53) – تحليله كعمل مغترب. لا يمكن المبالغة في القول بأن نظرية ماركس في الاغتراب ليست نظرية حول شعور العامل نحو العمل، أو الحالة العامة للوعي الإنساني، وإنما نظرية عمل مغترب، أي عمل يجبر العامل على أداءه لآخر، على بيعه. العمل المغترب هو العمل الأجبر، ليس مجرد حالة ذهنية وإنما واقع اقتصادي(54)، إلا أنه أيضاً واقع اقتصادي لا يمكن إدراكه إلا بالنظر للعمل من وجهة نظر العامل. وبالفعل، فقد كان ماركس أول فيلسوف وأول اقتصادي في تاريخ العالم يحلل عملية العمل من وجهة نظر العامل. يمكن أن نرى مدى مركزية نظرية العمل المغترب بالنسبة للتحليل الماركسي للرأسمالية من اثنين من أطروحات ماركس. أولا أنه “على الرغم من انه يبدو أن الملكية الفردية، هي أساس وسبب العمل المغترب، فإنها في الواقع نتيجة للأخير”(55)، ثانيا أن ما يميز الرأسمالية تحديداً هو أن قوة العمل تصبح سلعة في ظلها.

 

يوجد طريق نظري طويل بين مخطوطات 1844 ورأس المال وبين العمل المغترب ونظرية فائض القيمة. انه طريق يتحول خلاله النقد العام المبكر للرأسمالية من خلال الجهد المضني، إلى أداة تحليلية دقيقة لكشف جميع آليات الاقتصاد الرأسمالي. إلا أنه خلال هذه العملية لا يتم نسيان أو رفض المفهوم الأصلي. انه يبقي في قلب التحليل. انظر الفقرات التالية:

 

كل هذه النتائج ناتجة عن أن العامل يتصل بناتج عمله كشئ غريب. حيث من الواضح بناء هذا الافتراض انه كلما زاد العامل من عمله، كلما زادت قوة عالم الأشياء التي يخلقها في مواجهة ذاته واصبح أشد فقرا في حياته الداخلية. وأقل انتماء لنفسه، الأمر مماثل تماماً للدين، كلما زاد ما ينسبه الإنسان من نفسه لله، كلما قل ما يتبقي له في حياته.(56)

 

كيف يكون الأمر على خلاف هذا، في نمط إنتاج يحيا فيه العامل لتلبية حاجات النمو الذاتي للقيم القائمة، بدلاً من – على العكس من ذلك – أن توجد الثروة المادية لتلبية حاجات تطور العامل. وكما أن الإنسان في العالم الديني، يسيطر عليه نتاج دماغه، كذلك هو في الإنتاج الرأسمالي يسيطر عليه نتاج يده.(57)

 

في قوانين الاقتصاد السياسي، يتم التعبير عن اغتراب العامل في عمله بالطريقة التالية “كلما بلغ إنتاج العامل أكثر، كلما قل استهلاكه، كلما خلق قيمة أكثر، كلما انخفضت قيمته، كلما ازداد إنتاجه تهذيباً. كلما ازداد العامل فجاجة وتشوها، كلما ازداد الإنتاج تحضراً، كلما ازداد العامل بربرية، كلما أصبح العمل أقوى. كلما ازداد العامل ضعفاً كلما أظهر العمل ذكاء أكثر، كلما انخفض ذكاء العامل وأصبح عبداً للطبيعة.(58)

 

… جميع طرق زيادة الإنتاجية الاجتماعية للعمل، داخل النظام الرأسمالي، تأتي على حساب العامل الفرد. جميع وسائل تنمية الإنتاج تتحول إلى وسائل للسيطرة على المنتجين واستغلالهم، وهي تجعل من العامل إنساناً مبتوراً وتنخفض به إلى مستوى ملحق بالآلة وتدمر كلما يتبقى من جاذبية في عمله، وتحوله إلى كدح مكروه، كما يجعله في اغتراب عن الإمكانيات الثقافية لعملية العمل، بمقدار ما يندمج العلم في هذه العملية كقوة مستقلة، وهي تشوه الظروف التي يعمل في ظلها وتخضعه أثناء عملية العمل لاستبداد كريه جداً لحقارته، وهي تحول حياته بكاملها إلى وقت عمل، وتطرح زوجته وأولاده تحت عجلات آلة الكون الخاصة برأس المال.(59)

 

الفقرات (1)، (3) من مخطوطات 1844 و(2)، (4) من رأس المال بعد عشرين سنة الفكرة الأساسية نفسها.. بل وأحياناً بنفس اللغة تقريباً. وما هذه الا بعض الفقرات العديدة التي يمكن اقتباسها من جميع أعمال ماركس النظرية، من الايدولوجية الألمانية إلى نظريات فائض القيمة.(60)

 

وأخيراً، بعض الملاحظات حول النظرية الماركسية في الأزمة، وخاصة الجزء الأكثر أهمية فيها، انخفاض معدل الربح. إن ميل معدل الربح للانخفاض ليس أطروحة فردية منعزلة يمكن تجريدها من باقي فكر ماركس، وإنما هو نقطة التقاء لكل نظرياته الكبرى، انه اشتقاق مباشر من نظرية فائض القيمة التي تقول أن مصدر الربح هو وقت العمل غير المدفوع للعمال، ومن أطروحة خضوع العمل الحي بشكل متصاعد – في ظل الرأسمالية – لسيطرة العمل الميت المتراكم (وهي فكرة موجودة منذ 1844). في الوقت نفسه هو التعبير الاقتصادي الملموس عن النزاع بين قوى وعلاقات الإنتاج – إثبات أن علاقات الإنتاج الرأسمالية أصبحت قيدا على قوى الإنتاج، وان “العقبة الحقيقية أمام الإنتاج الرأسمالي هي رأس المال ذاته”(61)، فضلاً عن ذلك، وهكذا يعيدنا إلى نقطة البداية، لم يكن من الممكن صياغة هذه النظرية إلا من وجهة نظر البروليتاريا، فقد لاحظ الاقتصاديون البرجوازيون الكلاسيكيون ظاهرة انخفاض معدل الربح ولكنهم عجزوا عن تفسيرها، حيث أن قيامهم بذلك كان يقتضي الاعتراف بالطابع المحدد تاريخياً والانتقالي للرأسمالية(62).

 

بالنسبة لبعض “الماركسيين” يبدو أن تحليل ماركس لتناقضات الرأسمالية منفصل عن التزامه بالثورة البروليتارية، ومن أنصار هذا الرأي الحاليين لوسيو كوليتي(63)، إلا أن الفكرة تعود إلى الأممية الثانية هكذا فقد كتب رودلف هلفردنج أن “الاعتراف بضرورة ما أمر مختلف تماماً على أن يضع المرء نفسه في خدمة هذه الضرورة”(64) مما يؤدي إلى استنتاج أن الانتقال مما هو واقع من انهيار رأسمالي إلى ما ينبغي من اشتراكية، يقتضي التزاماً أخلاقياً إضافياً (عادة ما يؤخذ من المبادئ الأخلاقية للفيلسوف الألماني كانت)، إلا أن هلفردنج قد قلب المنطق الحقيقي للماركسية. إن الالتزام نحو البروليتاريا هو الذي جعل كشف تناقضات الرأسمالية ممكناً وقد نبع ما ينبغي من هذا الالتزام من الوجود الخارجي السابق عليه للبروليتاريا التي كانت قد بدأت بالفعل صراعها من أجل التحرر الذاتي.

 

لنوجز ما تقدم كله: نظرياً، تبدو الثورة البروليتاريا كنتيجة لنظريات المادية التاريخية، وفائض القيمة، الخ.. ولكنها في الواقع أساس هذه النظريات أيضاً. التأكيد الامبريقي لهذه الأطروحة يوجد في واقع أن ثورات العمال عادة ما تبدأ تلقائياً – باريس 1848، 1871، بتروغراد 1905، 1917 ألمانيا 1918، أسبانيا 1936 المجر 1956 فرنسا 1968 الخ.. دور الماركسية ليس خلق أو إطلاق الثورة وإنما إرشادها للنصر. نحن الآن في وضع يسمح باستيعاب الوحدة الأساسية للماركسية وطابعها التطوري – على أساس الصراع البروليتاري ضد رأس المال. هاتان القوتان الاجتماعيتان العظيمتان المنخرطتان في المعركة، تتغيران وتتطوران باستمرار وهو ما يحدث أيضاً لتواز القوى بينها، ولتفاعلها مع الطبقات الأخرى، الماركسية أيضاً يجب أن تتغير وتتطور إذن، ولكنها يجب أن تفعل ذلك دون أن تتحول عن وجهة نظر البروليتاريا، فهي عندما تجري هذا التحول تتوقف عن أن تكون ماركسية، لقد وصف لينين الماركسية ذات مرة بأنها كتلة من الصلب. إن سلامة هذا المجاز ذات طابع محدد بصرامة، إلا أنه أفضل بكثير من الرأي الشائع القائل بأن الماركسية تتكون من أجزاء منفصلة يمكن طرحها جانبا واستبدالها كما يحلو لنا. الأكثر دقة هو قول لينين: “إن ماركس أرسى أحجار الزاوية للعلم الذي ينبغي للاشتراكيين أن يطوروه في كل الاتجاهات إذا أرادوا ألا يتخلفوا عن الأحداث”(65)، انه لمن طبيعة الاتجاهات المراجعة أن تحاول إزاحة أحجار الزاوية تلك (وهي ليست تعسفية وإنما تعبيرات نظرية عن الوجود الاجتماعي للبروليتاريا) وبذلك تتحول عن وجهة نظر البروليتاريا إلى وجهة نظر طبقة أخرى.

  • Social Links:

Leave a Reply