احتمالات الحرب

احتمالات الحرب

محمد مناصرة

سيكون مفيدا هنا تركيز النص حول مآلات الصراع الايراني الاميركي خصوصا بعد مقتل المقبور قاسم سليماني، والجميع منشغل بردود الفعل الايرانية على الضربة الاميركية الموجعة لإيران.

مفيد هنا أن نستذكر فرض الولايات المتحدة العقوبات على ايران وهي عقوبات قاسية بكل المقاييس، وهناك كثر في خندق المأجورين والاتباع والسحيجة والمنحبكجية لإيران في المنطقة من يعتقدون بأن الولايات المتحدة ماضية في حربها ضد ايران حتى اسقاط ما يسمونه “محور المقاومة”!

لاحظوا الصورة الظاهرية للعقوبات الاميركية، فهي تبدو مخيفة، وكيف لا تبدو كذلك ووزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو بنفسه صرح يوم 5 آب 2018  “سنواصل الضغط على ايران بلا هوادة”. وطبعا لم يتساءل أحد كيف يكون هذا الضغط بلا هوادة في حين يتم استثناء ميناء “تشابهار” من العقوبات والرقابة الذي تمر عبره صادرات ايران من النفط الى الهند وافغانستان بذريعة تعزيز العلاقات الاميركية الهندية في المنافسة مع الصين؟! وكثر طبعا لم ينتبهوا الى أن الصين بعد انهاء فترة الاعفاء الاميركية التي منحت لدول الصين وايطاليا والهند واليونان وايطاليا واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وتركيا، ستتمكن من الحصول على النفط الايراني بالتحايل على العقوبات وهذا ما حصل وبمعرفة الولايات المتحدة، اذ باتت تحصل عليه عبر ميناء “جوادار” الباكستاني، اذ ينقل النفط للباكستان حسب الاعفاء ومن ميناء “جوادار” الى الصين ومن مصادر أخرى! ولمن لا يعرف الهند وباكستان وافغانستان وحدهم يستهلكون (60%) من النفط الايراني! (رويترز  الخميس 8 تشرين الثاني 2018). فعن أي عقوبات وضغط “بلا هوادة” يتحدث عنها المسئولين في الادارة الاميركية؟

إن ما هو جوهري في الموقف الاميركي هو انها ابقت على الباب مواربا مع ايران، تمارس الضغط ولكن ليس للدرجة التي ينهار فيها النظام او يتضرر! لأنها لا تريد لسلطة رجال الدين في ايران ولا النظام بأن يسقطا،  ليست لها مصلحة بخسارة ذخر استراتيجي لها في المنطقة وضد الشعوب العربية وميلها للحرية، وضد الطبقة العاملة العربية وحلفائها الفلاحين والطلاب والمهمشين والتواقين للحرية والديمقراطية، الحالمون بالسيطرة على موارد بلدانهم الوطنية والقومية لتحسين حاضرهم ومستقبلهم.

إن ما تسعى له الولايات المتحدة هو احتواء وتطويع السلطة في ايران، لان اميركا تدرك بان كليهما في ذات الخندق الاستراتيجي ضد الحرية والديمقراطية وضد مبادئ العدالة واعادة توزيع الثروة، وكلاهما مع الليبرالية الجديدة العالمية، لذلك الموقف الاميركي من النظام في ايران مختلف تماما عن الموقف الاميركي من النظام في فنزويلا مثلا، واميركا تعلم أن لا بديل عن سلطة اصحاب العمائم الرأسماليين الا القوى التقدمية والثورية وانصار الخيار الديمقراطي وهو الامر الذي لا تريده أو تقبله الولايات المتحدة في ايران.

إن مكونات الرأسمالية العالمية في سعيها وتطورها نحو عالمية الاقتصاد، نحو العولمة في مواجهة الوطنية، وسحق كل ما هو وطني، اقتصادي أو سياسي أو ثقافي لا سبيل امامها الا بتجذير “الليبرالية الجديدة” في كل مكون من مكونات المجتمع الدولي، مما يستدعي الحاجة لإسناد ودعم وحماية ورعاية انظمة الاستبداد والقهر والحكام المستبدين الذين هم الحراس المجربين لحماية مصالح “الليبرالية الجديدة”، لحماية مصالح الرأسمالية العالمية أيا كانت قصائدهم العاطفية وشعاراتهم الوطنية والقومية ومشاربهم الايدولوجية والعرقية وتسمياتهم “محور مقاومة” او غيره. فالاهم هو دور هؤلاء الحكام المستبدين في منع قيام الحرية في بلدانهم، ومنع الميل نحو الخيار الديمقراطي. ذلك ان شعبا يتمتع بالحرية والديمقراطية وهما الخياران اللذان يمكن اعتمادهما في دولة حرة، دولة لمواطنيها، وهذا يعني سيطرة ذلك الشعب على موارده الاستراتيجية بما يتعارض مع التذيل والتبعية للرأسمالية العالمية. وهذا يوضح بما يكفي لمعرفة كنه اعتبار صناع القرار الرأسماليين في الولايات المتحدة من الحزب الديمقراطي أو الجمهوري ايران ذخر استراتيجي للرأسمالية العالمية، وهو ما يفسر سماح ادارة اوباما السابقة ومن قبلها ادارة جورج بوش الابن لإيران بالتمدد عبر الحدود وارسال ميليشيات الارهاب الايرانية لتذبح وتقتل وتدمر بلداننا وشعوبنا في العراق وسورية ولبنان.(طالعوا “كتاب العالم كما هو” بن رودس كاتب خطابات اوباما الذي وثق موقف ادارة اوباما من ثورات شعوبنا ومن ايران ).

 

لذا لا يستغرب أحد في ان الحروب القادمة وما يحدث حاليا سوف تترجم على نحو غير عالمي، لا يشابه ما جرى خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، فقد نشهد نزاعات بين دولة واخرى، وبين دين واخر، ولن يكون مفاجئا ان تسلح مكونات الرأسمالية هذا الدين لمواجهة دين آخر، أو تغذية صراعات داخل الدين نفسه، وصراعات قبلية وعشائرية أو عرقية أو اثنية، أو حروب اهلية تحرق الاخضر واليابس في كل بلد، وما هو رئيس في هذا التوجه هو تفهم جميع مكونات “الليبرالية الجديدة”، العالمية الرأسمالية الحاجة لسياسات واجراءات تمنع قيام الحرية في أي بلد أيا كان، وطي صفحة الشعارات بشأن انتهاكات حقوق الانسان واقصاء ومنع الطبقة العاملة عن أداء دورها التاريخي وايران تقوم بهذا الدور على أكمل وجه فما فعاته في دول الطوق العراق وسورية ولبنان خدمة استراتيجية بعيدة المدى لصالح اسرائيل وضد الجسم الحامل للثورة والتغيير بتحطيم شعوبنا العربية.

 

ولكن السؤال ما الذي يحدث في ايران وماذا عن التهديدات المتبادلة بين طهران وواشنطن وما هو موقف قوى اليسار الفلسطيني والعربي من هذا الصراع غير الاستراتيجي بين دولتين رأسماليتين تتنافسان على النفوذ وعلى اقتسام الادوار وعلى صنع القرارات المتعلقة بمصير المنطقة ومواردها المهولة ؟!

 

– ملاحظة: قد يتساءل أحد عن غياب السعودية عن النص، لأنها ببساطة إن اردت أن تعرف موقفها فاستمع لما يقوله دونالد ترامب لذا لا اتطرق له، فما حد يطخطخ علينا، صارت ادوات القياس عند اليسرويين اذا انتقدت طهران فانت بوق للسي أي ايه أو السعودية، نعم الى هذه الدرجة بلغ حال مرض الذهان السياسي لديهم.

– يتبع

  • Social Links:

Leave a Reply