خيري عمر – العربي الجديد :
جاء انعقاد اجتماع دول جوار ليبيا في الجزائر في 23 يناير/ كانون الثاني الحالي مترابطا مع توجه الجزائر نحو التجديد السياسي، وتزايد النشاط الدولي لوقف الحرب الأهلية الليبية، فبعد وقت قصير من إعلان نتائج انتخابات الرئاسة، نشط الدور الجزائري على المستوى الإقليمي، ليس فقط فيما يتعلق بالنشاط الدبلوماسي عبر المشاركة في مؤتمر برلين وغيره من الأنشطة، ولكن في المسارعة إلى تحديد المخاطر الخارجية وأولوياتها، وهو ما يثير التساؤل عن فرصة هذا البلد في المساهمة في بناء إطار إقليمي متماسك لدعم الحل السياسي في ليبيا، والخروج من حالة الحرب.
القدرات الكامنة والمحتملة
بشكل عام، ترتبط فاعلية السياسة الجزائرية بجانبين، تأسيس السلطة وقدرتها على حماية مصالحها الأمنية والسياسية. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى انتخابات رئاسة الجزائر، ليس بوصفها انتخابات تقليدية إجرائية، فقد جاءت بعد حراك شعبي، طالب بوضوح عملية انتقال السلطة وترقية شفافيتها ونزاهتها، وهي تغيراتٌ تثير الاهتمام بتوجهات السياسة الخارجية، ويمكن قراءة اجتماع “المجلس الأعلى للأمن القومي” في 27 الشهر الماضي (ديسمبر/ كانون الأول) مؤشّرا على تفعيل دور الجزائر تجاه التهديدات الأمنية على الحدود مع ليبيا ومالي، وتوصل الاجتماع إلى تدابير لتفعيل السياسة الخارجية، وبدء إجراءات الأمن على الحدود مع ليبيا ومالي، وشهد هذا التوجه تطوراً في اجتماع مجلس الوزراء، 5 يناير/ كانون الثاني الحالي، عندما نظر إلى الأوضاع الإقليمية والدولية بوصفها بيئة معقدة تشكل مناخاً ملائماً لمناورات جيوسياسية، تشكل تهديداً للأمن الوطني.
وعلى مستوى آخر، دفع الدخول التركي على الأزمة في ليبيا الدول الأوروبية إلى التوافق على انعقاد مؤتمر برلين، بعد تأجيله عدّة مرات، حيث شكل عقد مذكرة التفاهم بين تركيا وحكومة الوفاق ضغطاً على الأطراف المنخرطة في الشؤون الليبية، وقد شكّل هذا التغير عاملاً مؤثراً من ناحيتين؛ تأكيد دخول تركيا منافساً حقيقياً بعد وضوح تقارب المواقف الدولية بشأن الحل العسكري للأزمة الليبية، وظهور فرصة للتنسيق مع الجزائر، لتكوين كتلة إقليمية داعمة للحل السلمي. ولعل هذه الأخيرة تمثل القاسم المشتركة بين دول عديدة ساعية إلى ضمان وقف إطلاق النار، والبدء بالترتيبات الانتقالية السلمية. ومن ثم، كان إصرار تركيا على دعوة الجزائر للمشاركة في مؤتمر برلين ذات دلالة على التقارب مع الجزائر والانخراط في السياسة الليبية.
تغير “جوار ليبيا” وثباته
لافتٌ أن اجتماع الجزائر جاء بعد مؤتمر برلين، ليعكس تغيراً غير مألوف في العلاقات السياسية بين دول الشمال والجنوب، فقد كان النمط السائد متمثلاً في بدء الاجتماعات في بلدان الجنوب كأعمال تحضيرية للمؤتمرات الدولية. وبهذا المعنى، تبدو مبادرة برلين مؤشراً على إعادة ترتيب النظر الدولي بشأن ليبيا. وهنا، يمكن النظر باهتمام إلى نشاط السياسة الألمانية، واتساقه حول دعم الحل السلمي، ولعل مشاركة وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، في اجتماع الجزائر، أضفت أبعاداً إيجابية على التلاقي مع الدول الإقليمية على دعم المسار السياسي.
وفي هذا السياق، انتقل موقف دول الجوار، بطريقة نوعية، إلى التأكيد على “ضرورة إشراك دول جوار ليبيا في أية مساعٍ دولية لحل الأزمة الليبية.. وآلية المتابعة المنبثقة عن مؤتمر برلين”، وهو ما يعمل على توسيع مساهمة ذوي المصلحة من دول الجوار، حسب التعريف الواسع، ولا يترك أمرها وفقاً لرؤية الدولة الداعية، كما حدث في مؤتمر برلين واجتماعات دولية أخرى، حيث اقتصرت الدعوة على دول من الجوار دون غيرها. وذلك على خلاف التعريف السابق الذي اقتصر عدة مرات على دول الجوار الشمالية، وهو ما شكّل تجاوزاً لمصالح الجوار الأفريقي. وفي الوقت نفسه، يعطي حلاً ناقصاً لا يلبي شروط الخروج من الأزمة السياسية، فهي لا تقتصر على مسالة الحدود، ولكنها تشمل قضايا أخرى، كالتداخل السكاني، التبّو والطوارق، على جانبي الحدود، ما استدعى مشاركة دولة مالي باعتبارها واحدةً من إقليم الساحل والصحراء، وأيضاً، قضية مشاركة مليشيات السودانيين في الحرب، وهي قضايا لا تقل أهمية عن تسوية أزمة السلطة والشرعية في ليبيا.
ويمثل حضور دول الجوار الموسع علامة مهمة في التعامل مع الأزمة في ليبيا، وخصوصاً في ظل سيولة الحدود وانفلات الهجرة غير الشرعية. وهنا تبدو أهمية إطلاع دول الجوار الأفريقي جنوب الصحراء على مجريات التعامل الدولي على ليبيا، وطرق النقاش حول قضايا الأمن الجماعي، وتوفير الحلول الملائمة لمشكلة الهجرة، فهي لا تقتصر على تحقيق الاستقرار في ل…

Social Links: