عن كارل ماركس
تحتوي هذه الأطروحات على واحدة من أكثر العبارات الخالدة لماركس فسّر الفلاسفة العالم فقط، لكن المهم هو تغييره. ومع ذلك، فإن الأطروحات الإحدى عشرة ككل تقدم خلاصة ردود ماركس على فلسفة عصره. وقد تم التطرق للعديد منها بالفعل (على سبيل المثال المناقشات الدينية في الأطروحات ٤ و ٦ و ٧، والثورة في الأطروحة ٣) لذا سنركز هنا فقط على الأطروحة الفلسفية الأولى الأكثر شهرة.
في الأطروحة الأولى يوضح ماركس اعتراضاته على كل ما هو قائم حتى الآن من المادية والمثالية. بالنسبة للمادية فقد تم تكريسها لفهم الواقع المادي للعالم، ولكن يؤخذ عليها تجاهل الدور النشط للإنسان في خلق العالم الذي ندركه. أما المثالية، كما تصورها هيجل على الأقل، فهي تتفهم طبيعة النشاط الإنساني، لكنها تحصرها في التفكير أو التأمل، فالعالم يتم خلقه من خلال المفاهيم التي نكونها عنه. قام ماركس بالتوفيق بين كلا الرؤيتين لتكوين وجهة نظر يقوم فيها البشر بخلق العالم الذي يجدون أنفسهم فيه، أو على الأقل تغييره، ولكن هذا التغيير لا يحدث في الفكر، بل من خلال النشاط المادي الفعلي؛ ليس عبر فرض قيم سامية، ولكن بعرق جبينهم، مع الفؤوس والمعاول. هذه الرؤية التاريخية للمادية، التي تتخطى وترفض كل النظريات الفلسفية القائمة هي أساس نظرية ماركس في التاريخ. وكما وضعها ماركس في مخطوطات ١٨٤٤:
إن الصناعة هي العلاقة التاريخية الحقيقية للطبيعة.. للإنسان. هذه الفكرة المستمدة من التأمل في تاريخ الفلسفة، بجانب خبرته في المجالات الاجتماعية والاقتصادية كصحفي، تحدد أجندة كل أعمال ماركس المستقبلية.
يبدأ المجلد الأول من رأس المال بتحليل فكرة الإنتاج السلعي. ويتم تعريف السلعة على أنها شيء خارجي مفيد، يتم إنتاجه للتبادل في السوق. وبالتالي فإن هناك شرطين ضروريين لإنتاج السلع؛ هما وجود السوق حيث يمكن أن يحدث التبادل، والتقسيم الاجتماعي للعمل حيث ينتج أناس مختلفون سلعاً مختلفة، وإلا فلن يكون هناك دافع لحدوث التبادل. يقترح ماركس أن السلع لها قيمة استخدام وقيمة تبادل -يمكن اعتبارها مبدئياً سعرها- ويمكن فهم قيمة الاستخدام بسهولة كما يقول ماركس ، لكنه يصر على أن قيمة التبادل هي ظاهرة محيرة، وهنا يجب توضيح قيم التبادل النسبي. لماذا يتم تبادل كمية معينة من سلعة مع كمية معينة من سلعة أخرى؟ يتم احتساب ذلك من خلال مدخلات العمل المطلوبة لإنتاج السلعة، أو بالأحرى العمل الضروري اجتماعياً وهو العمل المبذول على مستوى متوسط الكثافة والإنتاجية لهذا الفرع من النشاط داخل الاقتصاد. وبالتالي فإن نظرية قيمة العمل تؤكد أن قيمة السلعة يتم قياسها بكمية العمل الضروري اجتماعيا اللازم لإنتاجها. يقدم ماركس مناقشة من مرحلتين عن نظرية قيمة العمل. الأولى هي القول إنه إذا كان بالإمكان مقارنة شيئين بوضعهما على جانبي علامة متساوية، فإنه لابد من وجود شيء ثالث متجانس بنفس القدر مع كليهما حيث يمكن إحالتهما إليه. وبما أن السلع يمكن تبادلها مع بعضها البعض فيجب بحسب ماركس أن يكون هناك شيء ثالث مشترك بينهما. وهذا ما يصل بنا إلى المرحلة الثانية، وهي البحث عن الشيء الثالث المناسب، والذي هو العمل في نظر ماركس ، باعتباره العنصر المشترك الوحيد المعقول. وبطبيعة الحال، فإن كلاً من مرحلتي المناقشة على درجة عالية من التناقض.
يعد ماركس الرأسمالية مميزة، حيث أنها لا تقتصر على تبادل السلع، لكنها تقدم رأس المال، في شكل نقود، بهدف تحقيق الربح من خلال شراء السلع وتحويلها إلى سلع أخرى يمكنها أن تحقق سعراً أعلى، وبالتالي تؤدي لتحقيق الربح. ويدعي ماركس أنه لم يسبق أن قام أحد بتفسير كيف يمكن للرأسمالية أن تحقق ربحاً، ويقوم تفسير ماركس نفسه على فكرة استغلال العامل. ففي ظروف الإنتاج يقوم الرأسمالي بشراء قوة العمل من العامل لمدة يوم، ويتم تحديد سعر هذه السلعة كأي سلعة أخرى، أي من حيث قوة العمل اللازمة اجتماعيا لإنتاجها. في هذه الحالة فإن قيمة قوة العمل ليوم واحد هي قيمة السلع اللازمة لإبقاء العامل على قيد الحياة لمدة يوم. لنفترض أن هذه السلع تستغرق أربع ساعات لإنتاجها، هذا يعني أن الأربع ساعات الأولى من اليوم تنفق لإنتاج قيمة مساوية لقيمة الأجر الذي سيتقاضاه العامل، ويعرف هذا بالعمل الضروري. أما العمل الذي يقوم به العامل فوق ذلك فهو ينتج فائض القيمة للرأسمالي، وطبقاً لماركس، فإن فائض القيمة يمثل المصدر الكلي للربح. في تحليل ماركس ، قوة العمل هي السلعة الوحيدة التي يمكنها أن تنتج قيمة أكبر من قيمتها، ولذا يطلق عليها اسم رأس المال المتغير. أما السلع الأخرى فهي ببساطة تنقل قيمتها إلى السلعة النهائية، ولا تخلق أي قيمة اضافية، لذا فهي تعرف باسم رأس المال الثابت. إذن، فالربح هو نتيجة العمل الذي يقوم به العامل خلاف العمل الذي يمثل قيمة أجره، وهذه هي نظرية فائض القيمة عن الربح.
يبدو من هذا التحليل أنه كلما زادت ميكنة الصناعة، بحيث يستخدم رأس مال ثابت أكثر ورأس مال متغير أقل، فإن معدل الربح لابد أن يقل. وكمقابل، فإن رأس المال سيكون أقل في العمل، ويمكن للعمل فقط أن يخلق قيمة.. يتنبأ ماركس في كتاب رأس المال المجلد بأن معدل الربح سيقل بمرور الوقت، وسيكون هذا أحد العوامل التي ستؤدي إلى سقوط الرأسمالية. (مع ذلك، كما أشار بول سويزي في نظرية تطور الرأسمالية أن هذا التحليل يثير بعض المشكلات) ومن نتائج هذا التحليل أيضاً صعوبة النظرية التي لم ينجح ماركس بإنهائها في كتاب رأس المال المجلد وتنبع من التحليل القائل بأن الصناعات كثيرة العمال يجب أن تدر ربحاً أعلى من تلك التي تستخدم عمالة أقل، وهذا يبدو غير مقبول من الناحية النظرية. وبناءً على ذلك، يحتج ماركس بأنه في الحياة الاقتصادية الحقيقية تختلف الأسعار بشكل منهجي عن القيم، وتقديم الرياضيات لشرح ذلك يعرف بمشكلة التحويل، وقد عانت محاولة ماركس من بعض الصعوبات التقنية. على الرغم من أنه توجد الآن طرق لحل تلك المشكلة (وإن كان بآثار جانبية غير مرغوبة). علينا أن نتذكر أن نظرية قيمة العمل كانت مدفوعة بالنظرية البديهية للسعر، لكن عندما تم ربط السعر بالقيمة بشكل غير مباشر في النظرية النهائية فإن الدافع البديهي للنظرية يتلاشى. هناك اعتراض آخر على ذلك هو أن تأكيد ماركس أن العمل وحده يمكنه خلق فائض القيمة لا يدعمه أي حجة أو تحليل، ويمكن القول بأنه مجرد قطعة فنية، وبأن أي سلعة يتم اختيارها يمكن أن تلعب نفس الدور. وبالتالي، بنفس المبرر يمكن أن يضع نظرية قيمة للذُرة، محتجاً بأن الذُرة يمكنها انتاج قيمة أكبر من تكلفتها، وسيكون ذلك متطابقاً مع نظرية قيمة العمل. ومع ذلك، فإن القول أن العمل بشكل ما مسؤول عن خلق القيمة وأن الربح هو نتيجة للاستغلال يظل قوي بديهياً، حتى إذا كان من الصعب دعمه بتفاصيل.
بالرغم مما سبق، تبقى بعض أجزاء النظرية ذات قيمة، حتى لو كانت نظرية قيمة العمل غير موثوقة. وقد اختار عالم الاقتصاد في جامعة كامبريدج جوان روبينسون في مقالة عن الاقتصاد الماركسي جانبين من الملاحظات: أولاً، رفض ماركس القبول بأن الرأسمالية تنطوي على تناغم بين الرأسمالي والعامل، ليحل محل ذلك التحليل الطبقي لنضال العمال في سبيل تحسين الأجور وظروف العمل في مقابل سعي الرأسمالي المستمر لتحقيق أرباح أكبر. ثانياً، إنكار ماركس لوجود أي ميل على المدى الطويل لحدوث توازن في السوق، ووصفه للآليات التي تكمن وراء دورة التجارة بالازدهار والكساد. وكلا الجانبين يقدم تصحيحاً مفيداً لجوانب النظرية الاقتصادية الكلاسيكية.
٤. النظرية التاريخية:
لم تتضمن صياغة ماركس لنظريته تفاصيل دقيقة، ولذلك كان يلزم تجميعها من العديد من كتاباته، سواء تلك التي حاول فيها القيام بتحليل نظري للأحداث التاريخية في الماضي والمستقبل، أو تلك ذات الطابع النظري الخالص. من هذه الكتابات كتاب مقدمة 1859 لنقد الاقتصاد السياسي، الذي قام فيه بصياغة للأوضاع القانونية. ومع ذلك كان كتابه الأيديولوجيا الألمانية الذي كتب بالشراكة مع إنجلز في 1845 أحد المصادر المبكرة الحيوية التي قام فيها ماركس بوضع الخطوط الأساسية لرؤيته عن المادية التاريخية. وسوف نقوم بتوضيح كلا النصين، ثم سننظر إلى إعادة بناء نظرية ماركس في التاريخ على يد أحد أكثر الفلاسفة المفسرين تاثيراً وهو ج. أ. كوهين والذي يبنى على تفسير الماركسي الروسي السابق له بليخانوف.
علينا مع ذلك ان ننتبه أن تفسير كوهين ليس مقبولاً بشكل عالمي، حيث قام كوهين بإعادة بناء نظرية ماركس جزئياً لأنه كان محبطاً من التفسيرات القائمة على الجدل الهيجلي لماركس، وما اعتبره غموض في اعمال لويس التوسير السائدة. لم يكن أي منهما، كما شعر، يقدم رواية دقيقة لآراء ماركس . ومع ذلك، يعتقد بعض العلماء أن التفسير الذي ارتكز عليه قد أخطأ تحديدًا بسبب إهماله للجدلية. وأحد جوانب هذا الانتقاد هو أن فهم كوهين قد أعطي دوراً صغيراً جداً لمفهوم الصراع الطبقي، والذي كان دائماً ما يتم تقديمه كنقطة مركزية في نظرية ماركس عن التاريخ. تفسير كوهين لذلك هو أن مقدمة عام 1859، التي يستند إليها تفسيره، لا تعطي دورًا بارزًا للصراع الطبقي، بل لم يتم ذكره صراحةً، إلا أن هذا المنطق به إشكاليات عدة، لأنه من الممكن أن ماركس لم يرغب في الكتابة بطريقة قد تثير شكوك المراقبين. وفي الواقع، قد يكون القارئ الذي يدرك السياق قادراً على اكتشاف إشارة ضمنية للصراع الطبقي من خلال إدراج عبارات مثل: ثم تبدأ حقبة من الثورة الاجتماعية، والأشكال الأيديولوجية التي يصبح فيها الرجال واعين لهذا الصراع ويكافحونه، وهذا مما يتعارض مع القول بأن ماركس ظن بأن مفهوم الصراع الطبقي غير مهم. إضافة إلى ذلك، عندما تم استبدال نقد الاقتصاد السياسي بـ رأس المال، لم يحاول ماركس إبقاء طبعة مقدمة 1859 تحت النشر، وتم استنساخ مضمونه فقط كحاشية مختصرة في رأس المال. ومع ذلك، سنركز هنا على تفسير كوهين لأنه لم يتم إيجاد أية كتابات أخرى بنفس الانضباط والدقة والتفصيل يمكن مقارنته بها.
٤. ١. الأيديولوجيا الألمانية
في الأيدلوجيا الألمانية قارن ماركس وأنجلز أسلوبهم المادي الجديد مع المثالية المناقضة له، والتي ميزت الفكر الألماني السابق. وبناءً عليه، فقد بذلوا جهداً ضخماً لتوضيح المقدمات المنطقية للفكر المادي فهم يبدؤون كما يقولون من البشر الحقيقيين مؤكدين أن البشر هم كائنات منتجة بشكل أساسي، حيث يجب عليهم إنتاج وسائل عيشهم من أجل تلبية احتياجاتهم المادية. يؤدي تلبية الاحتياجات إلى توليد احتياجات جديدة من النوع المادي والاجتماعي، وتنشأ أشكال من المجتمع تقابل حالة تطور القوى البشرية المنتجة، محددة الحياة المادية أو على الأقل شروط الحياة الاجتماعية، وبالتالي فإن الاتجاه الرئيسي للتفسير الاجتماعي هو من الإنتاج المادي إلى الأشكال الاجتماعية، ومن ثم إلى أشكال الوعي. ومع تطور الوسائل المادية للإنتاج، فإن أنماط التعاون أو الأنظمة الاقتصادية ترتفع وتهبط، وفي نهاية المطاف تصبح الشيوعية ممكنة واقعياً بمجرد أن تقوم أوضاع العمال ووعيهم بالبديل بتحفيز العمال بشكلٍ كافٍ ليصبحوا ثوريين.

Social Links: