الكاتبة: هبة دباغ.
قراءة: أحمد العربي.
تسرد هبة كيف كان التعذيب قاسيا لتعترف أنها من الإخوان المسلمين، وهي ليست منهم، وأنها لا تملك أي معلومات عن أخوتها المطلوبين أمنيا، لكن ذلك لم يكن ليقنع الأمن، الذي استمر باحتجازها لأشهر طويلة، ويكرر طوال الوقت التحقيق معها وتعذيبها.
بداية السيرة
تبدأ السيرة خمس دقائق.. وحسب، من سرد هبة دباغ لأحوال مواجهة النظام والإخوان المسلمين في نهاية ١٩٧٩م وبداية ١٩٨٠م، وأنها من عائلة حموية، أسرتها كبيرة، وهي تدرس الشريعة في دمشق. وأنها لاحظت مع زميلاتها في السكن الذي تعيش به في دمشق، متابعات ورصد أمني لها ولصديقاتها، اللواتي كان أغلبهن من مدينة حماه، التي كان حراك الإخوان المسلمين وصراعهم مع النظام حاضر فيها أكثر من غيره في بقية المدن السورية.
سرعان ما تحول الرصد الأمني إلى اعتقال لهبة وزميلاتها من المنزل القاطنين به وسوقهم إلى أحد الفروع الأمنية في مدينة دمشق، كانت المعاملة منذ اللحظة الأولى قاسية جدا، والتهمة الموجهة لهم الانتساب للإخوان المسلمين، والذي كان يعتبر وقتها جريمة، وأصبح المنتسب لهم بعد ذلك ضحية حكم إعدام مُسبق.
التعذيب والتحقيق
تعرضت هبة وزميلاتها إلى التعذيب والتحقيق، للاعتراف بانتسابهم للإخوان المسلمين، إضافة لكون الأمن يطارد ويبحث عن أحد أخوتها، متهم بأنه من الإخوان ومطلوب للمخابرات، وطُلب منها أن تقدم معلومات حوله وكيف يتم الوصول إليه واعتقاله، كما اعتقلت أمها ووالدها في البداية.
تسرد هبة كيف كان التعذيب قاسيا والتحقيق معها لتعترف أنها من الإخوان المسلمين، وهي ليست منهم، وأنها لا تملك أي معلومات عن أخوتها المطلوبين أمنيا، لكن ذلك لم يكن ليقنع الأمن، الذي استمر باحتجازها لأشهر طويلة، ويكرر طوال الوقت التحقيق معها وتعذيبها لتعترف وتقدم لهم معلومات يستفيدون منها.
استطاعت أن تتواصل مع أمها التي سيطلق سراحها، وكذلك مع أبيها بعد ذلك، وستبقى بالمعتقل، على أنها رهينة ليسلم أحد أخوتها المطلوبين نفسه للأمن، وهذا الأخ يقال إنه قد توارى وهرب إلى الأردن.
تتحدث هبة عن واقع اعتقالها وما مر عليها من نساء كثيرات يعشن وضعا مشابها لوضعها. فقد كان النظام السوري قد اتخذ قرارا لاستئصال جماعة الإخوان المسلمين، وبدأ بحملة اعتقالات واسعة في كل القطر لكل من يمت بصلة لهم بما فيهم عائلاتهم، الأمهات وأحيانا الأطفال والأخوات والزوجات، لقد امتلأت الفروع الأمنية بالنساء على خلفية ملاحقة الإخوان المسلمين.
سجن كفرسوسة
بقيت هبة في أحد الفروع الأمنية لمدة أشهر، ثم نقلت إلى سجن كفرسوسة الذي يعتبر سجنا مع معتقل، كانت المعاملة فيه قاسية جدا، ولم تتوقف فيه جولات التحقيق معها ومع غيرها. التقت فيه بكثير من النساء مثلها، وعلمت بحدة الهجمة من النظام وقسوتها على جماعة الإخوان.
كانت المعاملة القاسية لهن في سجن كفرسوسة، مبررا لهم لإعلان إضرابهن عن الطعام، الذي كاد يودي بحياة البعض منهن، ونجحن أخيرا بعد سنة تقريبا من فرض نقلهن إلى سجن قطنا المدني للنساء، كان من آثار النقل التغير في المعاملة نحو الأفضل نسبيا، حيث أصبح حالهن أقرب للاحتجاز منه للاعتقال.
في سجن قطنا
لكن الإساءة لم تنته تماماً، وبقي متعلقاً بطبيعة الضباط والعناصر، فالبعض منهم حاقد وبشكل طائفي، والبعض متعاطف معهن، ولكن بالسر، والبعض قدم بعض المساعدة البسيطة التي أسعدت هبة ورفيقاتها، على تواضعها، حيث كانت عندهن ذات أهمية كبيرة. حيث حصل ذلك في المعتقل والسجن وحتى خروجهن.
تحدثت هبة باستفاضة عن ظروف الحياة وقسوتها أيام الاعتقال؛ الطعام السيء، والاعتقال في منفردات أو جماعيات تحت الأرض، لا تمتلك أي من شروط تلبية حقوق الحاجات الإنسانية الأولية، المراحيض السيئة، صعوبة الاستحمام، التحرش الجنسي أحيانا من بعض الضباط أو العناصر.
كانت هبة تملأ وقتها بتتبع أحوال الأعداد الكبيرة من النساء القادمات إلى المعتقل أو سجن قطنا بعد ذلك، كانوا من كل أنحاء سورية، وأغلبهن من حماة وحلب، علمت عن الاعتقالات العشوائية وعن القتل دون رحمة، وكان أقسى ما عاشته عندما علمت بهجوم النظام على حماة، والمجازر التي حصلت، وقتل كل من بقي من عائلتها هناك. علمت عن سوق الكثير من الشباب إلى سجن تدمر ومن ثم قتلهم وإعدامهم.
استمرت هبة في سجن قطنا لمدة أربع سنوات حتى عام ١٩٨٤م، كان تواجدهن داخل السجن في غرف خاصة بهن، وكان هناك غرف للسجينات القضائيات، كان ممنوع التواصل بينهن، لكنهن كن يتواصلن عن بعد، كانت غرفهن تمتلئ زيادة عن قدرتها على الاستيعاب، انتشرت الأمراض الجسدية والنفسية، عشن متزاحمات اغلب الأحيان، متحملات ظروف البرد القارس أو الحر الشديد حسب الفصول.
لم يكن يمر وقت دون مجيء معتقلات جديدات، أغلبهن أمهات أو زوجات أو أخوات معتقلين أو متوارين ومطلوبين من النظام، كما حضر بينهن نساء ينتمين إلى أحزاب يسارية شيوعية، بدأت حملة اعتقالات لهن، لمعارضتهم للنظام، بعضهن علويات أو مسيحيات، بعضهن كن متعاطفات مع هبة ورفيقاتها، والبعض كن عدوانيات معهن، لاعتبارات عقائدية، بكونهن محسوبات على الإخوان المسلمين.
كان النظام يدس بعض النساء المخبرات كجواسيس بينهن على أنهن سياسيات، ليحصلن من خلالهن على معلومات لصالح النظام، لكن سرعان ما يُعرفن، ويسحبهن النظام من الاعتقال مجددا. كانت معاملة النظام للنساء المحسوبات على الإخوان هي الأسوأ، الأخريات زيارتهن أسهل وحصولهن على حاجاتهن أفضل.
كانت المعاملة القاسية والمزاجية تجعل حياة هبة ورفيقاتها أقرب لجحيم مستمر، لكن هبة وزميلاتها كن يعتمدن الصبر وتلاوة القرآن وحفظه مع الحديث وتكرار الأوراد الدينية والحديث المتبادل بينهن يؤدي لتفريغ الأحزان وتحمل حياة الجحيم التي يعيشونها.
السماح بزيارات عائلية
سمح لهبة وزميلاتها ببعض الزيارات العائلية، حيث زارتها عمتها وخالتها وأخاها وزوجته وبعض أقاربها، وكان أغلب من يزورها ممن اخترقوا أمنيا ويعملون مع مخابرات النظام، حيث كانوا يطالبنها ببعض المعلومات، وكان ذلك مريبا لها، ومن جملة ما قدم لها كحل لوضعها كي يتم الإفراج عنها، أن تتزوج ابن خالتها، ولأجل ذلك عليها أن ترسل برسالة لأخيها المطلوب تستأذنه بالخطبة والزواج، كل ذلك ضمن خطة لتوقع به ويعتقل، لكنها اكتشفت الفخ، وأخبرتهم أنها تنتظر أن تخرج من المعتقل اولا، ثم تقرر من تتزوج. عاشت هبة علاقات حميمية مع أغلب زميلاتها بما فيهن قط ربوه بينهم وأصبح أنيسا لهم.

Social Links: