هل تسبب مقال صحفي في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟

هل تسبب مقال صحفي في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟

 

الجزيرة – عثمان بوشيخي – لندن:

 

لعل القارئ لوثائق رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر التي كُشف عنها الستار في الآونة الأخيرة، قد ينتهي به الأمر مؤمنا بنظرية “أثر الفراشة” التي تصف تلك الظواهر ذات الترابطات والتأثيرات المتبادلة والمتواترة التي تنجم عن حدث أول.

 

وقد يكون ذلك الحدث الأول بسيطا في حد ذاته، لكنه يخلق سلسلة متتابعة من النتائج والتطورات المتتالية التي يفوق حجمها بمراحل حدث البداية، وبشكل قد لا يتوقعه أحد.

 

لقد كان مقالا بسيطا لمراسل صحيفة في بروكسل انتقته رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك لتستند عليه فيما بعد في إلقاء خطاب تسبب في استقالتها، كما يؤكد ذلك كثيرون.

 

وتؤكد وثائق صدرت حديثا عن أيام تاتشر الأخيرة في داونينغ ستريت، أنها دونت ملاحظة عن مراسلة أعدها شاب صحفي هو بوريس جونسون، كان مراسل “ديلي تلغراف” في بروكسل آنذاك.

 

وقد كتب مقالا ينسب فيه لرئيس المفوضية الأوروبية، جاك ديلور، عزمه على إنشاء دولة أوربية واحدة تتخذ فيها المفوضية ببروكسل دور الحكومة التنفيذية، بينما يتخذ مجلس الاتحاد الأوروبي دور مجلس للشيوخ.

 

وبالمصادفة أخذ هذا المقال طريقه إلى صندوق أحمر لوثائق الإحاطة اليومية التي كانت تاتشر تحرص على قراءتها، وبعدما تفحصته كما يبدو، وضعت خطين على الكلام المنسوب لديلور بخصوص “الدولة الأوربية الواحدة”.

 

ومرت ستة أيام فقط، لتُلقي تاتشر خطابها الشهير باسم “اللاءات الثلاث” في مجلس العموم، وهو خطاب يرى مراقبون أنه استند على مقال جونسون، إذ قالت فيه بالحرف الواحد “السيد ديلور يريد أن يجعل من البرلمان الأوروبي هيئة ديمقراطية للمجتمع الأوروبي، ويريد أن تكون المفوضية هي الهيئة التنفيذية، ويريد أن يكون مجلس الاتحاد الأوروبي مجلسا للشيوخ. والجواب هو لا.. لا.. لا..”.

 

ويُعتقد أن هذا الخطاب بالذات قد أسهم في سقوط تاتشر، بعدما ولَّد انقساما وسط حزب المحافظين بشأن الاتحاد الأوروبي، وانتهى باستقالة جيفري هاو من منصبه كرئيس لمجلس العموم ونائب لرئيسة الوزراء، ثم استقالت تاتشر بعدها، غير أن المثير في مذكرات تاتشر هو أنها تلقت توضيحا بخصوص مدى مصداقية مقال جونسون.

 

وبعث مسؤول في الخارجية البريطانية مذكرة لسكرتير تاتشر يوضح فيها أن مقال جونسون نسب للمفوضية الأوروبية ما لم يصدر عن رئيسها بخصوص قصة الدولة الأوروبية الواحدة.

 

مقالات بحوارات “مفبركة”

ولم تكن تلك المرة الأولى ولا الأخيرة التي يُتهم فيها جونسون بفبركة مقالات، إذ بدأ جونسون حياته المهنية بفضيحة في صحيفة التايمز في أواخر 1987 عندما كتب مقالا عن اكتشاف أثري لقصر الملك إدوارد الثاني، ناسبا لمؤرخ يدعى كولين لوكاس أقوالا لم تصدر عنه، لتنتهي القصة بطرد جونسون من الصحيفة.

 

وانضم جونسون بعد ذلك لـ”ديلي تلغراف” ليعين مراسلا في بروكسل، إذ وُصف في تلك المرحلة “بأكبر مروجي الأكاذيب في بروكسل” كما قال السياسي المحافظ كريس باتين، بل استمرت مقالات جونسون المغلوطة في ديلي تلغراف لسنوات حتى بعد أن أصبحه عمدة لندن ووزيرا للخارجية، إذ اضطُرت الصحيفة لتصحيح مقال نشره، قبل أن يصبح رئيس وزراء، وأكد فيه أن بريطانيا ستصبح أكبر اقتصاد في نصف الكرة الغربي، وستتفوق بذلك على ألمانيا.

 

وقالت الصحيفة إن جونسون شوه بعض المعطيات حول التوقعات الاقتصادية الطويلة الأجل، وذلك كي يعطي الانطباع بأن الاقتصاد البريطاني سيتفوق على نظيره الألماني رغم عدم وجود بيانات دقيقة تدعم هذا الطرح.

 

كما صححت قبل ذلك مقالا له يدعي فيه أن خيار الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق هو الخيار الأكثر شعبية في صفوف البريطانيين.

 

وكان جونسون إلى حدود توليه رئاسة الوزراء يتلقى راتبا قدره 275 ألف جنيه إسترليني سنويا نظير نشر مقالاته في “ديلي تلغراف”.

 

هل كان جونسون الصحفي المفضل لتاتشر؟

يقول أندرو غيمسون في كتابه الصادر عام 2006 بعنوان “صعود جونسون” إن جونسون كان الصحفي المفضل لتاتشر خلال فترة عمله في بروكسل، وذلك بسبب انتقاده الدائم لرئيس المفوضية الأوربية ديلور.

 

وتدعم هذه الفكرة سونيا بورنيل، التي كانت نائبة لجونسون في مكتب “ديلي تلغراف” في بروكسل، إذ تذكر في كتابها الصادر عام 2011 بعنوان “كيف تحول جونسون لشخصية عامة؟” أن مقالاته أسهمت في تعزيز قناعة لدى اليمين بأن بريطانيا ستصبح أفضل من دون الاتحاد الأوروبي، بعدما كانت هذه القناعة مرتبطة أساسا باليسار.

 

كما كان جونسون مصدر إزعاج لحكومة جون ميجور الذي قضى وقتا طويلا في محاولة دحض ما يأتي به من بروكسل.

 

وفاقمت مقالات جونسون الخلافات داخل حزب المحافظين بخصوص موقفهم من الاتحاد الأوربي، لا سيما بعد توقيع معاهدة ماستريخت في عام 1992.

ويقول كريس كولينز من “مؤسسة أرشيف مارغريت تاتشر” لا شك أن “العديد من أعضاء حزب المحافظين كانوا يقرؤون مقالات بقلم بوريس جونسون عندما كان مراسلا، وكانوا يقولون “نعم، فعلا هذا ما يريده الطرف الآخر في بروكسل”.

 

لكن كولينز ينفي أن تكون لأي مقال من مقالاته القدرة على الإطاحة بالسيدة الحديدية، ويصف الأمر بالسخيف.

 

وبعد مرور كل هذه السنوات يجمع المراقبون على أن الاتحاد الأوروبي قد أطاح بكل من تاتشر وخلفها ميجور وكذلك فعل بديفد كاميرون وتيريزا ماي.. لكنه إلى حد الآن أخفق في النيل من بوريس جونسون الذي نجح في إخراج بلاده منه.

  • Social Links:

Leave a Reply