قصي الجندي – السفينة
«فقط عندما تحط بعوضة على خصيتيك ستعلم ان هناك سبيل آخر لحل المشاكل غير العنف»
كل حرب او ثورة لها ايقونتها التي توجد عميقا في الوجدان الفردي او الجمعي لتلك الأمة ،وتترك أثرها في الضمير العالمي وتمسي جزءا من التاريخ، وتمثل في الكثير من الأحيان نقطة انعطاف في تلك الحرب او تلك الثورة، ما قبلها ليس كما بعدها، على سبيل المثال جميلة بوحيريد.. باتريس لومومبا..تلك الطفلة الفيتنامية العارية إلا من الذعر بنظرتها المشوشة عن عالم غير عادل، والهاربة من جحيم الدمار والحرائق بين حقول الأرز..
في سوريا لا تكف الأيقونات عن الاعلان عن نفسها منذ بداية الثورة ،تظهر في زوايا المعتقلات ومن الخراب والدمار المستمر منذ اكثر من ثمانية أعوام، التي تعبر عن سلسلة غير منتهية من المآسي، سوف تعبر عن العجز «الأممي» الكامل في قطعها في لحظة انعطافية ما.
الحل الأمني وفيما بعد العسكري ولاحقا التدمير الممنهج للديمغرافيا والجغرافيا من خلال الحصار والتدمير والتهجير والتأسيس لحرب أهلية، أعملت في المجتمع التدمير، تلك سياسة باتت معروفة من نظام متهالك أصبح عبئا على العصر، فقرر تدمير كل شيء معه على طريقة الطغاة المعروفين الذين لن يذكرهم الآخرون إلا حين الشتائم، لأجل ذلك استدعى التدخلات الاجنبية واستقدم المليشيات الشيعية وعمل على استنبات المنظمات المتأسلمة القادمة من الظلام والحاملة افكارها من بطون الكتب الصفراء بالتوازي مع ذلك ومن أجل دفع المجتمع إلى هذا الجحيم مارس الأعمال السادية بحق كل من كان ناشطاً سلمياً أو كل من ساعد بإيصال مساعدة ما إلى أية منطقة محاصرة، وارتكاب الجرائم المروعة بحق ضباط أو جنود من الطائفة العلوية – وقد ثبت هذا – من أجل جعل هذه الطائفة تخاف وتعتقد بشكل صارم أن تخليها عن هذا النظام لا يعني إلا موتها وتدميرها على ممارسة أعمال لم تجلب للذاكرة إلا ممارسات العصابات «النازية» وأعمال الرعاع الذين لا تحركهم إلا الغريزة، في هذه الحالات يضمحل العقل.
في كل زاوية من سوريا تظهر الأيقونات..ابتداءا بالطفل حمزة الخطيب وزميله «الشرعي» في درعا غياث مطر في داريا، حيث أعادته المخابرات إلى أهله بدون أحشاء، هادي الجندي الذي قضى وهو يبسط يديه كجناحين لروحه المحلقة، باسل شحادة الذي صور بعدسته كل ارتكابات النظام وفاته أن يقدم للعالم صورته وهو يهوي، الأب باولو ذلك السوري المحلق كنسر في طول وعرض الجغرافيا السورية.
لم يثنه شيئا، حتى سود الرايات، طبعا كان النظام قد أنهى خدماته مسبقا حيث يقيم في دير موسى الحبشي قرب النبك، وعندما غيبته الجغرافيا حمله التاريخ، أنس الشغري في بانياس الذي كان مثالا للحصافة والدماثة وحدس العمل الجماعي الفعال، غاب ولم يعرف عنه شيء، فدوى سليمان، مي سكاف، وأي مهتم بأي إحصاء ستقتله الذاكرة، الساروت ابن حمص صاحب الكاريزما، الخارج للتو من المراهقة، الرياضي الذي ما إن بدأت الثورة حتى ترك كل شيء وانخرط بكل كيانه فيها، حضوره دائماً يلهب الناس، صنعته تلك الأعداد الكبيرة من المتظاهرين، وأثر بها في علاقة نادرة بين فرد وجماعة، مجرد حضور صوته وكلمات اغنياته التي وضعها على ألحان معروفة، يجعل الجميع يرقصون كأنهم جسداً واحدا، طفلة حلب التي أخذتها عاصفة الانفجار في نصف نشيدها، الطفل المرمي على الشاطئ التركي كأنه ينام بعد وجبة ثدي دسمة…وغيرهم الكثيرين الموزعين في عدسات الكاميرات، التلفونات، واللابتوبات، الذين لم ولن ينسوا.
بالطبع كل هؤلاء كانوا متواجدين في المرحلة السلمية من الثورة، لم يحملوا بأيديهم إلا الورود والمياه ،كي يقدمها لجنود افترضوا أنهم مواطنيهم، طبعا الثمن كان رصاصاً وقتلاً واعتقالاً واهانات وتعذيب في معتقلات -مسالخ لانتزاع اعترافات مفبركة، تحاكي رواية النظام البائسة للأحداث.
إن التحول الدراماتيكي من ثورة سلمية أبهرت العالم إلى أتون حرب أهلية طاحنة كان خيار النظام منذ اللحظة الأولى، مستحضرا الحل الذي قام به الأب في إخماد انتفاضة كانت في زمان ومكان غير مراقبين.
الحل بسيط على الشكل التالي: اصنع عدوا وانفخ فيه الحياة كالبالون وكونك صانعه تدمره كيفما تشاء، باعتباره بالون تنفسه باي آلة حادة، وهذا ما حاول الابن فعله، لكن اللا عقل المافيوي يغيب عنه ان مياه النهر لا تجري في المكان ذاته مرتين، كما يقول أحد الشعراء، والتاريخ لا يعيد نفسه إلا مسخرة كما يقول أحد المفكرين، ان الظروف بعد الألفية الثانية لا تتماثل البتة مع ثمانينات القرن الماضي والذين اقترحوا حلول الأب دمروا ما بناه خلال فترة سلطته المتطاولة واغلقوا الباب على الابن كشخص يحمل أي قدر من الاتزان الشخصي أو الاعتباري، «وأصبح عملياً على تخوم المزابل»، حيث جهد ما استطاع للقضاء على الثورة لكن عبثاً، وجل ما فعله هو المزيد من الدمار والخراب وزيادة أعداد الايقونات وإن كانت ظروفها تختلف عن الأولى في الشكل لكنها تتشابه في المآل المأساوي … ذلك الأب المفجوع بوالدته وزوجته وأطفاله الثلاثة الذين قضوا تحت ركام منزلهم الذي قصفه العنوان الروسي الهمجي، ينضم إلى أولئك الايقونات وهو يهوم بيديه في فضاء الغبار… ولا كلام، عن قبلات الصباح التي لن تعود إليه من ذلك الفضاء، ويبدو الوقت قربه لزج ورمادي ومعفر، أو تلك الطفلة التي تحاول الخروج من الزمن المحيط بها، تتوسل الكاميرا كي تفتح بوابات الخروج من خلفيتها حيث الجحيم يمشي ثقيلاً … لا يتوقف، في زمن لا يتوقف، لكن نظرتها تقول شيئاً آخر ليس خوفاً أو …هروباً .. بل هو تحدي الجذور التي لن تطالها الرياح ولا العفونة.

Social Links: